الفصل 31
“……رالف؟ ذاك، ذاك التاجر، كيف لي أن أعرفه؟!”
كانت كلماتٍ تثير الشفقة.
قالت إنها لا تعرف رالف، فكيف عرفت أنه تاجر إذًا؟
لقد كانت كذبةً واضحةً لا تحتاج لعينين حمراوين لكشفها.
“نعم، إنه تاجرٌ بالفعل. وهو ذاته مَن تجرأ على تهريب قلادةٍ ملكيةٍ إلى خارج البلاد.”
مررت أديل يدها بخفةٍ فوق قطعة القلادة المرصعة بالجواهر.
“ألا تعرفين يا صاحب السمو؟ مَن هي صاحبة هذه القلادة.”
“أغـ……”
ابتسمت أديل ابتسامةً عريضةً.
“أظنُ أنني أعرف.”
رفعت روزاليند، التي كانت تحدق بعينين متسعتين، يدها اليمنى فجأةً عاليًا.
هل تنوي ضربي؟
كان ذلك دليلاً على أن روزاليند قد وقعت في حالةٍ من القلق الشديد.
لذا، لم يكن هناك داعٍ للخوف أبدًا.
كنتُ أعلم ذلك، ولكن……
في اللحظة التي رأيتُ فيها تلك اليد ناصعة البياض وهي ترتفع لأقصى حد.
「يا لكِ من فتاةٍ وقحةٍ حقًا!」
جاءني خوفٌ متجذرٌ منذ الطفولة دون سابق إنذار.
-طراخ!
أحمرَّ خدي الأيسر الذي لم أتمكن من حمايته في الوقت المناسب.
ولم تستطع أديل حتى أن ترفع رأسها الذي استدار بقوةٍ من أثر الصفعة.
“أيّـ- أيّتها الـ…… كيف تجرئين!”
روزاليند، التي كانت تلهث من الغضب، جذبت بعنفٍ القلادة المرصعة بالجواهر المتدلية من عنق أديل.
انقطع السلسال الرفيع مخلفًا خطًا أحمرَ على بشرة أديل.
ألقيت روزاليند بالقلادة كما هي على الأرض الترابية.
وكأنه غرضٌ لا يمت لها بصلةٍ على الإطلاق.
“أتعتقدين أن هؤلاء النبلاء سيقفون بجانبكِ لمجرد فعلتكِ هذه؟! بالنسبة لي……!”
رفعت يدها مرةً أخرى وهي في قمة انفعالها.
لكن شخصًا ما اقترب من خلف أديل وأمسك بيد روزاليند.
“……!”
لوت روزاليند وجهها بشدةٍ ورفعت رأسها لتتحقق من هوية الشخص.
“يا صاحبة السمو.”
كان الشخص الذي يوبخها بصوتٍ ناعمٍ ولكن صارمٍ هو…
“الـ- الدوق وينشستر……!”
سحبت روزاليند يدها التي كان يمسكها بسرعة.
“هـ- هذا سوء تهم! هذا……”
ضمت الأميرة يدها إلى صدرها، وارتجف كتفاها النحيلان بشكلٍ يثير الشفقة.
“نعم، بالطبع سيكون سوء تفاهم.”
كلماتٌ لطيفةٌ لا تختلف عن عادته.
لكن عينيه كانت تحملان بوضوحٍ ازدراءً باردًا.
“……أ- أنا!”
حاولت إضافة المزيد من الأعذار، لكن نظرته لم تزدد إلا حدةً.
ولم تحتمل الأميرة روزاليند ذلك، فاستدارت فجأةً وهربت بعيدًا.
في الحقيقة، كان ماتياس يختبئ خلف بابٍ مزخرفٍ قريب، مستمعًا لحديث أديل والأميرة منذ البداية.
لذا، كان يعلم.
أن أديل كانت تستخدم كلماتٍ تهدف لاستفزاز روزاليند عمدًا.
روزاليند المنفعلة لم تستطع حتى اختيار كلماتها بعناية.
لدرجة أنها أجابت بأنها لا تعرف ذاك ‘التاجر’ المدعو رالف.
لكنها فقدت أعصابها بسرعةٍ كبيرةٍ.
وقبل أن يتمكن ماتياس من فعل أيّ شيء، كانت يد روزاليند قد ارتفعت عاليًا.
بصراحة، كان يتوقع أن أديل ستتجنب ذلك بسهولة.
أليست هي الآنسة التي واجهت أتباع عائلتها بكل ثبات؟
لم يظن أنها شخصٌ قد يسقط أمام إيماءة يدٍ خرقاء كهذه، ولكن……
-طراخ.
لسببٍ ما، لم تحمِ أديل نفسها.
بل بدا الأمر وكأنها لا تجرؤ على المقاومة.
وعندما فكر في الأمر، تذكر وجود جرحٍ على خد أديل عندما قابلها لأول مرة.
حينها قام بإبلاغ مربية كلارا بحذر بأن شخصًا ما يبدو أنه ترك جرحًا على وجه الآنسة ميريوذر.
「آه…… من المرجح أن هذا من فعل السيّدة روز.」
حينها أجابت المربية وكأن الأمر مألوفٌ ولا يستحق الاهتمام.
「السيّدة روز؟」
「إنّها والدة الآنسة البيولوجيّة. يبدو أنها تعرضت للتوبيخ مرة أخرى. لا تقلق، سأضع لها الدواء.」
كان ردًّا هادئًا.
ألم يكن ذلك دليلاً على أن مثل هذا العنف يحدث بشكلٍ متكررٍ لدرجة الاعتياد؟
من جهةٍ أخرى، بدت روزاليند الآن وكأنها فقدت عقلها تمامًا.
「أتعتقدين أن هؤلاء النبلاء سيقفون بجانبكِ لمجرد فعلتكِ هذه؟! بالنسبة لي……!」
الأشخاص في مثل هذه المواقف يميلون لفضح أنفسهم بأنفسهم.
لذا، كان من الأفضل تركها وشأنها.
ولكن…
“يا صاحبة السمو.”
عندما ارتفعت يد روزاليند مجددًا، اعترض طريقها دون أن يشعر.
لماذا فعل ذلك؟
لماذا تصرف هكذا؟
كان سؤالاً لا يسهل الإجابة عليه.
بعد هروب روزاليند، طرحت أديل السؤال نفسه.
وهي تلمس خدها الذي تورم واحمرّ، وتنظر إليه بتمعن.
“……لماذا تدخلت؟”
كان تعبير أديل يوحي وكأنها فقدت ورقة يانصيبٍ رابحة.
“لقد أوشكتُ على الوصول إلى مبتغاي.”
هذا صحيح.
كانت الأميرة على وشك أن تقول مَن يقف خلفها.
لكن بسب تدخلة، توقف الاعتراف.
……حقًا، لماذا فعلتُ ذلك؟
عاد ليفكر بهدوءٍ في تلك اللحظة.
“هذا……”
في الحقيقة، كان الأمر يشبه……
من مظهرها وهي تقف عاجزةً، رأى نفسه ينعكس فيها.
نفسه الغبية عندما كان صغيرًا.
ربما كان هذا هو السبب.
عندما وقف أمامها وهي عاجزة، شعر وكأنه يحمي نفسه الضعيفة والهشة في طفولته.
أو ربما، لأنه لم يستطع الاستمرار في رؤية تعبير أديل المذعور.
حسنًا، أيًّا كان السبب، فقد كان تدخله عائقًا بالنسبة لأديل.
“أنا آسفٌ.”
اعتذر بصدق.
ففي النهاية، يبدو أنه تدخل من أجل نفسه.
هل وصلت مشاعره الصادقة؟
انخفضت حدة عيني أديل التي كانت حادةً قبل قليل.
“على الأقل أخبرني بالسبب.”
ومع ذلك، ظلت طريقتها في الكلام متجهمةً.
هل يبدو ذلك لطيفًا نوعًا ما لأنني لا أزال أرى فيها طفولتي؟
على أيّ حال، ليس هذا هو المهم الآن.
يجب أن يقدم سببًا مناسبًا.
“حتى لو حصلنا على اعترافٍ هنا، فمن المحتمل أن تدعي لاحقًا أنها لم تقل ذلك.”
بالكاد استطاع التفكير في عذر.
كانت كلمة ‘عذر’ مضحكةً نوعًا ما، فهي كلمةٌ لم تكن تجمعه بها صلةٌ لفترةٍ طويلة، لكنها لم تكن كذبةً على أيّ حال.
ففي الواقع، تحدث مثل هذه الأمور كثيرًا.
“لذا، يجب أن يتم الحصول على الاعتراف في بيئةٍ مهيأة.”
على سبيل المثال، عبر وضع خدمٍ بالقرب منها ليكونوا شهودًا ويسمعوا الاعتراف معًا.
كان الملك يثق بماتياس كثيرًا، لكنه لم يفقد حذره أبدًا.
فهو لن يحاسب الأميرة روزاليند دون شهادة طرفٍ ثالث، أو دليلٍ ماديٍ مؤكد.
‘هل سيكون هذا الرد كافيًا؟’
اكتفت أديل بالنظر في عينيه دون رد فعلٍ يذكر.
ثم، بعد فترةٍ طويلة، جاء الرد.
“مبدئيًا…… حسنًا، فهمت.”
يبدو أنها صدقت الأمر لحسن الحظ.
وبسبب شعوره بالأسف الشديد، حاول تحسين مزاج أديل بسرعة.
“لقد كان تعاون الآنسة أديل عونًا كبيرًا.”
“إذًا، تم سداد الدين…… صحيح؟”
بالطبع، لقد سددته بشكلٍ رائع.
ومع ذلك، بدت أديل قلقةً من أن يجد حجةً أخرى ضدها.
‘لِمَ تعتقدُ أنني قد أفعل هذا؟’
التقط القلادة التي كانت تقع عند نهاية بصر أديل.
لم تكن متسخةً فحسب، بل إن السلسلة المعدنية كانت مقطوعةً تمامًا.
‘هل تخشى أن أطالبها بتعويضٍ عن هذا؟’
يا إلهي، ما مدى سوء صورة الدوق وينشستر بالنسبة لها؟
رفع نظره من تفحص القلادة ونظر إلى أديل.
ارتجف كتفا أديل النحيلان.
وجهها يبدو مذعورًا حقًا.
ربما كانت تحسب سعر القلادة في رأسها الصغير الآن.
“يبدو أن تكلفة الإصلاح ستكون باهظةً بعض الشيء.”
“كـ- كم……”
عندما سألت أديل بقلقٍ وهي تشبك يديها، أجابها بابتسامةٍ عريضة.
“سأرسل لكِ الفاتورة قريبًا، آنسة ميريوذر.”
“……!”
اتسعت عيناها الرماديتان من شدة المفاجأة.
لا يعرف لماذا يجد هذا المنظر ممتعًا، لكن ماتياس قرر أن يعتذر لأديل الآن.
لقد كان مجرد انتقامٍ بسيطٍ لأنها رأته كشخصٍ ضيق الأفق.
“هـ- هذه مزحة…… صحيح؟”
لكن أديل أدركت نواياه أولاً.
ففي النهاية، مَن قد يرسل فاتورةً ويطلب تعويضًا عن أمرٍ كهذا؟
“نعم، هذا صحيح.”
“إ-إذًا لن تُرسل الفاتورة مع وثيقة تعويضٍ إضافيّة……؟!”
عند هذه النقطة، بدأ يتساءل ما إذا كانت أديل تمزح معه.
لكن رؤية وجهها الشاحب أكدت له أنها جادة.
أيّ نوعٍ من الحياة عاشت، حتى وصل بها عدم الثقة بالبشر إلى هذا الحد؟
“آنسة ميريوذر.”
خطا خطوةً نحو أديل ووضع يده في جيبه.
راقبت أديل يده بعينين مرتجفتين.
فليس من المعقول أن تخرج فاتورة تعويضٍ في هذا المكان.
“مبدئيًا، خذي هذا.”
أخرج منديلاً.
“نعم؟”
“أظن أنه من الأفضل أن تضغطي به على خدكِ الأيسر قليلاً.”
راقبت أديل تعابير وجهه.
بدا وكأن هذه المواجهة ستستمر للأبد إن بقيت هكذا.
“لن أرسل أيّ فاتورة.”
“ولن ترسل فاتورة مطالبةٍ بالأضرار تشمل كل الخسائر الناتجة عن عملية الإصلاح أيضًا، أليس كذلك؟”
سألت بحذرٍ، ولكن بوضوح.
لقد جعلت أديل من الدوق وينشستر أبخل رجلٍ في العالم.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 31"