الفصل 27
في حديقة القصر البيضاء حيث تتساقط أشعة الشمس
تحت ظلال شجرة كستناء ضخمة، كانت الأميرة روزاليند برفقة سيدات و آنساتٍ نبيلات متميّزات.
“دعوتكنّ اليوم لأطلب منكنّ الحضور إلى الحفلة التمهيدية.”
ربما تفاجأن بالاقتراح المفاجئ.
تبادلت السيدات النظرات للحظة.
“أعرف ما الذي يقلقكنّ.”
ابتسمت روزاليند بمرح.
كان يُفترض أن تكون الأميرة متعجرفة وصعبة المنال، لكنها لم تستطع أن تكون كذلك.
التعجرف خاصيّةٌ تتمتّع بها الفتيات المحظوظات اللواتي لهنّ من يدعمهنّ.
أما هي، التي لا تملك دعمًا يُذكر، فلم يكن أمامها سوى استخدام الودِّ كسلاح للبقاء.
“حتى من دون ذلك، فقد وقعت في ميريوذر أحداث مخجلة متتالية.”
القمار والعنف.
في عائلة تفتخر بكرامتها، نادرًا ما تحدث إحدى هذه الأمور، فما بالك بحدوثهما معًا.
“لكن هذا ليس ذنب كلارا. إنها مجرّد طفلة في العاشرة من عمرها. ماذا قد تعرف طفلة صغيرة؟”
“لكن، ألم يُوصِ الدوق وينشستر بنفسه بالماركيزة؟ يقال إنها ذكيةٌ جدًا.”
بين النبلاء، كان الدوق وينشستر بمثابة ضمانةٍ مطلقة.
لو قال إن “التفاح ثمرة تُستخرج من تحت الأرض”، لربما أومأ الجميع برؤوسهم.
“بالطبع، لقد رأى كلارا بعين ثاقبة. لكن، سيدتي، هل يمكن أن تُدار رتبة الماركيزة بالذكاء وحده؟”
“بالطبع… لا يمكن ذلك.”
عند هذا التأييد، اكتسبت روزاليند ثقة.
“كلارا تحمّلت هذا المنصب الثقيل من أجل استقرار العائلة فقط.”
“يا إلهي.”
“إنّ الالتزام بمبدأ توريث الابن الأكبر، يمكنه تقليل النزاعات غير الضرورية. حقًا…يا له من أمرٍ محزنٍ.”
أمسكت روزاليند طرف ثوبها بقوة.
“ما الذي حملناه على كتفي طفلة في العاشرة؟”
“الآن وقد ذكرتِ ذلك… لم أفكر أن الماركيزة قد تكون متعبة.”
بدأت السيدات ينظرن إلى كلارا ليس كعبقرية استثنائية، بل كـ”طفلة صغيرة”.
“والفتيات في هذا العمر غالبًا ما يعشقن أخواتهنّ الكبار ويتبعنهنّ، أليس كذلك؟”
“نعم، كانت ابنتي كذلك.”
أومأت روزاليند برأسها.
“هذا هو السبب في إبقائها وصيّة عليها رغم المعارضة الشديدة.”
بمعنى آخر، أديل ميريوذر هي الدليل الأكبر على أن كلارا ليست سوى طفلةٍ تافهة.
“بالنسبة لفتاة صغيرة، الأخت الكبرى التي تلعب معها هي الأفضل.”
أكدت روزاليند على هذه النقطة بلا هوادة.
“أطلب منكنّ الحضور إلى الحفلة التمهيدية كي تحمين كلارا وعائلة ميريوذر، بصفتكنّ سيدات المجتمع الراقي.”
أخفضت روزاليند رأسها بلطف.
“إنها عائلة والدتي… وهي تعني لي الكثير.”
حتى لو كانت الآن مجرّد ابنة الملكة الثانية عديمة النفوذ، فهي أميرة بلا شك.
شهقت السيدات مندهشات.
ربما شعرن بالتأثر.
“صاحبة السموّ…”
ردّ صوتٌ مفعم بالعاطفة.
لم تفوت روزاليند هذه اللحظة، فرفعت رأسها بعبوس رقيق وقالت:
“وهي أيضًا الفرصة الأخيرة لإنقاذ كلارا من هذا المنصب القاسي!”
كان المقصود من كلامها جمع الأصوات لإزاحة كلارا من منصب الماركيزة.
إذا ارتفعت أصوات المعارضة في الحفلة التمهيدية، فلن يتم إجراء مراسم المنح كما ينبغي.
بعد مغادرة السيدات، ظهر توماس، الذي كان ينتظر بالقرب من الحديقة، أمام روزاليند.
“عمّي!”
نادته روزاليند بحميمية شديدة ورحّبت به.
في الحقيقة، كانا قريبين بعيدين نسبيًا.
لكنها نادته “عمّي” لتذكيره بأنهما ينتميان معًا إلى عائلة ميريوذر.
“أعتذر، لقد طال لقائي مع السيدات وجعلتك تنتظر.”
في الحقيقة، استدعت روزاليند توماس مبكرًا عن قصد.
كان لتريه هذا الحفل الرائع.
“لا بأس. أن تتواصل الأميرة مع مثل هؤلاء السيدات… أمرٌ رائع.”
كانت السيدات الحاضرات من أبرز وجوه المجتمع الراقي.
حتى لو كانت روزاليند أميرة، لم يكن جمع هؤلاء في مكان واحد أمرًا سهلًا.
ربما كان إنجازًا بفضل حضورها السابق لحفلاتهنّ، حيث لعبت دور “الأميرة المسكينة التي تُعدّ الحفل بلا أم”.
السيدات النبيلات لا يفوّتن فرصة الشفقة على أحد.
“يجب أن نستمع إلى تعاليم الشخصيات الراقية.”
“أنتِ حقًا حكيمة، يا أميرة.”
بدا توماس متأثرًا.
بعد أن عانى يوميًا من طفلة صغيرة، لا بد أن هذا المشهد بدا مثاليًا.
“مقارنة بالماركيزة، ما زلتُ بعيدة. أليست ذكية جدًا رغم أنها في العاشرة فقط؟”
عند ذكر كلارا، أظلمت ملامح توماس.
“المنصب النبيل لا يتطلّب الذكاء وحده.”
بعد أن سُحب المعارضون ضد لكلارا بسبب محاولة اختطاف، كان توماس آخر قادة المعارضة المتبقين.
يبدو أن كلارا لم تنجح بعد في كسبه إلى جانبها.
بالطبع، كانت مشغولة بتنظيف فضائح تلك المرأة الوضيعة، فكيف لها أن تعزّز أسس العائلة؟
“لا تقلق. الماركيزة ستتحسّن تدريجيًا. والأهم من هذا، ألستَ موجودًا من أجلها يا عمّي توماس؟”
ابتسمت روزاليند بمرح وهي تضمّ يديها.
“أليس كذلك؟ لو كنتُ أنا الماركيزة، لكنتُ بحثت عنك أولًا، عمّي توماس!”
لو أصبحت روزاليند الماركيزة.
لم يكن هذا الافتراض خياليًا تمامًا.
في الواقع، كانت والدة الأميرة، الملكة الثانية، هي أخت الماركيز السابق.
لم تكن بعيدة جدًا عن وراثة اللقب.
لكن لأنها تنتمي إلى العائلة المالكة، لم يعتبرها أحد مرشحة.
هل أدرك توماس المعنى الخفي وراء كلامها؟
لم يستطع توماس المذهول أن يجيب.
* * *
في الليلة التي تسبق مراسم منح لقب ماركيزة ميريوذر.
أُقيم الحفل التمهيدي أخيرًا.
اصطفّت عربات النبلاء المتّجهة إلى القصر المضاء بفخامة في طابور طويل.
نجاح الحفل يُقاس بعدد الحضور من الشخصيات الرفيعة.
من هذه الزاوية، كان الحفل الذي أعدّته روزاليند ناجحًا بالفعل.
تجمّع كل النبلاء الراقين الذين دعموا المملكة لسنوات طويلة.
تجمّعوا في مجموعات صغيرة ينتظرون بطلة اليوم.
كلارا ووصيّتها.
في يوم ينبغي أن يُكرّس للمديح فقط، كان الناس يغطّون أفواههم بأيديهم أو مروحاتهم وهم يتحدّثون عنهما.
بعد قليل، رنّ صوت في القاعة البيضاء المزيّنة بالثريات.
“الماركيزة المنتظرة كلارا ميريوذر والآنسة أديل ميريوذر، وصيّتها!”
ربما اختيار لقب “الماركيزة المنتظرة” كان للتأكيد على أنها لم تصبح ماركيزة رسمية بعد.
ارتجفت خدّا الفتاة الجادّة بعبوس واضح، معبّرة عن استيائها.
لكن المشكلة أن الشريطة الكبيرة التي تحيط بها جعلت حتى هذا التعبير يبدو لطيفًا.
ثوبها الأحمر المنفوش تناسق بشكل رائع مع شعرها الفضي، مما جعلها تبدو كجنية الورود.
أُعجب الناس بكلارا.
ليس فقط بسبب مظهرها.
“يقال إن هذا الثوب من تصميم مصمّم في إقليم ميريوذر.”
“ليس الثوب فقط. من رأسها إلى أخمص قدميها، كل شيء من أعمال مصمّمي إقليم ميريوذر.”
“الماركيزة حقًا ماهرة.”
“من ينكر ذلك؟ جعلتني أرغب في تكليف هذا المصمّم بملابس ابنتي.”
أدركوا الآن معنى ما سمعوه عن ذكائها.
حتى أنها استغلّت الأنظار الموجّهة إليها.
ثم تحوّلت الأنظار إلى المرأة التي تبعت كلارا.
وصيّة الماركيزة التي ظلّت بعيدة عن الأنظار في المناسبات الرسمية حتى الآن.
كان الجميع يعرفون الانتقادات الموجّهة إليها.
وجه عادي.
ملابس رثّة.
بل وحتى شهادات مشينة تقول إنها، رغم كونها ابنة نبيل، كانت تستقلّ العربات العامة.
كيف ستظهر هنا؟
توقّع الجميع أن تظهر أديل متزيّنة بأبهى الحلل.
كما يفعل عادةً من يحاولون إخفاء نقص مكانتهم عند دخول المجتمع الراقي لأول مرة.
ظهرت أديل أخيرًا خلف كلارا.
“يا إلهي…”
تأوّهت إحدى السيدات بهدوء و يبدو أنها لم تتمالك نفسها.
التعليقات لهذا الفصل " 27"