الفصل 26
كان ذلك أولسون.
وضع إصبعه على شفتيه إشارةً لأديل كي لا تُصدر صوتًا، ثم أومأ لها بيده لتتبعه.
نظرت أديل إلى كلارا للحظة، ولكن بما أنه لم يكن هناك ما يمكنها فعله الآن، تبعته دون اعتراض.
قادها أولسون إلى نافذة هادئة في ممرّ القصر.
كان المكان مُطلًّا على المخزن، مظللًا ونادرًا ما يمرّ به أحد.
في ظلال الظلام، التفت أولسون إلى أديل وقال:
“الآنسة أديل.”
لم يقل سوى ذلك، لكن رأس أديل انحنى تلقائيًا.
“يبدو أنكِ تتوقّعين ما سأقوله.”
“نعم…”
“لسوء الحظ وسط هذه التعاسة. يبدو أن المتجر لا ينوي التوصّل إلى تسوية.”
هذا يعني أن تصرّفات روز الفاضحة ستُعرض رسميًا للمحاكمة.
كان هذا موضوعًا مثاليًا ليثرثر عنه عشّاق النميمة.
في البداية كان القمار، و الآن العنف.
سيُلطخ اسم ميريوذر بالوحل.
كان واضحًا ما يجب على كلارا فعله لتقليل العار.
طرد من لا يليق بالعائلة.
ويشمل ذلك روز، وبالطبع أديل أيضًا.
“ليس لدينا وقت طويل. يجب تحديد وصيّ جديد قبل مراسم منح اللقب.”
ثم أخرج أولسون مظروفًا من جيبه ومده إلى أديل.
“المال سيجعل الأمر أسهل قليلًا.”
“لا، لا، أنا بخير.”
تراجعت أديل خطوة إلى الوراء.
لكنه أصرّ على وضع المظروف في يدها ثم غادر المكان بسرعة.
“حقًا، أنا بخير…”
في النهاية قرّرت أديل العودة إلى غرفتها.
في الحقيقة، كانت ترغب في التحدّث إلى كلارا، لكنها شعرت أن ذلك سيُسبب إزعاجًا الآن.
خاصةً أنها خرقت الاتفاق الذي يطالبها بالبقاء هادئة كدمية.
ثم جاءت مشكلة والدتها لتزيد الطين بلة.
لكن التأخير كثيرًا لم يكن خيارًا، لذا قرّرت زيارتها في المساء…
“أين كنتِ؟”
لكن كلارا كانت تقف أمام غرفة أديل.
يبدو أنها كانت تنتظرها.
“…آه.”
توقّفت أديل للحظة. شعرت برغبة مفاجئة في الهروب.
أدركت حينها.
كانت تتظاهر بأنها تهتم بمشاعر كلارا وتؤجّل اللقاء، لكن الحقيقة لم تكن كذلك.
‘لقد كنتُ خائفة.’
كانت تعلم جيدًا ما ستسمعه.
حرّكت أديل جسدها المتشنّج بصعوبة. لم يعد هناك ما يمكن استرجاعه الآن.
“أعتذر، كنتُ أتمشّى قليلًا…”
بينما كانت تجيب، وقعت عينا كلارا على يد أديل.
بالتحديد، على المظروف الذي تمسك به.
“…!”
أخفت أديل المظروف خلف ظهرها بسرعة.
لحسن الحظ، لم تسأل كلارا عما كان.
“سأحلّ مشكلة السيدة روز، فلا داعي للقلق.”
“ماذا؟ لكن كيف…”
الديون والتعويضات.
حلّ هذه المشكلة سيتطلّب مبلغًا كبيرًا. وبما أنها لم تُصبح ماركيزة رسميًا بعد، لا يمكنها استخدام أموال العائلة.
“أملك بعض الأغراض الثمينة.”
“هل ستبيعين ممتلكاتكِ الشخصية، يا ماركيزة!؟”
أومأت كلارا برأسها بلا مبالاة.
“لا تفعلي ذلك، أرجوكِ!”
رفعت أديل صوتها على الفور.
“دعيني أحلّ الأمر. لديّ بعض المدّخرات وسأكسب المزيد لاحقًا.”
“لا.”
رفضت كلارا بصرامة.
“هذا ليس مبلغًا كبيرًا بالنسبة لي.”
“الأمر لا يتعلّق بالمبلغ. سمعتُ أن هناك دعوى قضائية أيضًا…”
خفتَ صوت أديل تدريجيًا.
كان ذلك بسبب الخجل.
“على أيّ حال… يديكِ ثمينتان يا سيدتي الماركيزة، و لا ينبغي أن تتلوّثا بهذه الأمور.”
قبل فترة، عندما قبلت أديل منصب الوصيّة على الماركيزة كانت تعتقد أن لديها مزاياها الخاصة.
على الأقل، لن تكون عائقًا أمام كلارا…
لكن انظر إلى النتيجة.
في النهاية، لم تكن سوى عائق.
“ماركيزة، يبدو أن…”
“أن مغادرتكِ هي الأفضل؟”
قالت كلارا ذلك أولًا، وأومأت أديل برأسها مرتبكة.
“نعم… لا فائدة من بقاء ابنة امرأةٍ تُلوّح بقبضتها هنا و هناك و تسببُ المشاكل في هذا المكان.”
كان أمرًا يتعلّق بالشرف، فظنّت أن كلارا ستوافق.
لكن كلارا أجابت:
“يبدو وكأنني أسمع كلام الأتباع الذين عارضوا تولّيي لمنصب الماركيزة.”
“…ماذا؟”
“لا يمكننا أن نسمح لابنة رجلٍ مدمن على القمار بأن تصبح ماركيزة.”
في لحظة، أصبح ذهن أديل فارغًا.
لم تجد ما تقوله، فتحرّكت شفتاها بلا صوت، فقالت كلارا مجددًا:
“أديل ميريوذر، هل تفكّرين بي بهذه الطريقة أيضًا؟”
“مستحيل!”
كانت الإجابة الفورية صادقة، وليست لمجرد التهرّب.
“أفعال الماركيز السابق لا يمكن أن تلقي بظلالها على الماركيزة.”
كانت كلارا رائعة.
عمرها الصغير لم يكن عائقًا على الإطلاق.
لا أحد في العائلة يفكّر في واجبات الماركيزة بجديّة مثلها.
“حتى لو كنتما أبًا وابنةً، ففي النهاية أنتما شخصان مختلفان تمامًا.”
“سأُعيد هذا الكلام لكِ.”
“ماذا؟”
ردّت كلارا بابتسامة مشرقة واضحة على سؤال أديل المذهول.
“أفعال تلك المرأة لا يمكن أن تلقي بظلالها عليكِ.”
في تلك اللحظة، شعرت أديل بأحساسٍ غريب في قلبها.
يبدو أن كلارا لا تكرهها تمامًا.
“أستطيع تخمين ما اقترحه أولسون.”
انتزعت كلارا المظروف الذي كانت أديل تمسكه بتوتّر في لحظة.
كانت سريعة لدرجة أن أديل لم تتمكّن من تفاديها.
“لكن هذا لن يحدث.”
اختفى المظروف الأبيض خلف ظهر كلارا.
“هل أنتِ متأكّدة؟”
“ماذا؟”
“مؤخرًا، تصرّفتُ بجرأة زائدة… وأزعجتكِ.”
رمشت كلارا بعينيها كما لو كانت تقول ‘ما الذي تتحدّثين عنه؟’.
“حتى قبل قليل… قلتِ إنني تجاوزت الحدود.”
“بالتأكيد لقد تجاوزتِ الحدود.”
“نعم، لذا أنا…”
“الدوق وينشستر.”
لم تنتظر كلارا أديل لتكمل، بل أوضحت الفاعل المقصود:
“أن يوكل أمرًا خطيرًا لشخص من ميريوذر دون إذني، هذا تجاوزٌ للحدود.”
“…ماذا؟”
لم تتوقّع أديل هذا الرد، فلم تعرف كيف تتفاعل.
لم تلاحظ كلارا تعبير أديل لأنّها كانت تبدو غاضبةً حقًا، حتى أنها عبست بشفتيها.
“لو لم يحدث هذا الأمر، لكنتُ ذهبت إليه و وبخته بالفعل.”
إذًا، لم يكن تصرّف أديل هو ما أزعجها… أليس كذلك؟
“إذا كنتِ قد وافقتِ على الأمر بسببه، فليس لديّ خيارٌ سوى عدم لومكِ، لكن الذهاب لجلب السجلات بمفردكِ… كان قراركِ وحدكِ.”
بدا أنها تشعر ببعض الاستياء وهي تتحدّث بتردّد.
“حسنًا، من الآن فصاعدًا، سأخبر الماركيزة أولًا.”
أجابت أديل كما لو كانت تقسم، وهي تقرّب المسافة بينهما.
“…حقًا؟”
سألت كلارا وشفتاها ترتجفان من الفرح.
“نعم، أعدكِ.”
ابتسمت كلارا بمرح.
على الرغم من أنها عادت بسرعة إلى مظهرها الجاد، رأت أديل تلك الابتسامة المذهلة بوضوح.
كانت تلك الأبتسامة و النظرة تشبه فتاة في العاشرة.
…على الرغم من أن هذا الوصف لم يكن مناسبًا لمن هي بالفعل فتاة في العاشرة.
لكن، لسبب ما، شعرت أديل بهذا.
* * *
كانت روز امرأةً محظوظة بلا شك.
بعد أيام، تبيّن أن متجر الخيط الذهبي اقترب من روز عمدًا.
كان ذلك بفضل كلارا.
رشَت كلارا أحد الخدم في المتجر لمعرفة الحقيقة.
هك لم يكتفوا بإغراء روز بموظّفٍ وسيم، بل خدعوها ببيع أقمشة رخيصة على أنها فاخرة بأسعار مرتفعة.
عندما أرسلت كلارا خطابًا مع الأدلة، صمت المتجر.
هكذا تمّ تسوية الأمر مؤقتًا.
لكن روز ظلّت مذنبة.
ألم تُغرَ بقصد وتنفق المال بما لا يتناسب مع مركزها؟
بصفتها ربّة العائلة، قرّرت كلارا إرسالها إلى قرية منجم الملح في الإقليم.
بكت روز وصرخت أنها تفضّل العيش في الشارع على العيش في قرية مليئة بالملح.
“إذا كنتِ تقصدين مغادرة العائلة إلى الأبد، فلن أمنعكِ.”
عندما قالت كلارا هذا، أغلقت روز فمها وامتثلت لأوامرها.
وهكذا، انفصلت أديل عن والدتها لأول مرة في حياتها.
كانت تلك بالتأكيد نهاية رائعة.
لكن لم يكن كل شيء إيجابيًا.
تصرّفات روز المشينة ظلّت حديث العاصمة، و مرتبطةً باسم أديل.
وكأن أحدهم ينشر الشائعات عمدًا، لم تظهر هذه القصة أي علامة على الخفوت.
التعليقات لهذا الفصل " 26"