ارتبكت إيلين قليلاً من نبرته التي تحمل شوكاً في طيَّاتها، ثم توقفت عِند مصطلحٍ غريبٍ التقطتْه أذناها.
“لوبروس… سَمُوُّه؟”
“سيد ألكيرون!”
هتفت ميساجيو، التي كانت تقف بصمتٍ كأنها غير موجودة، بصوتٍ فيه ذُعر.
وعندما التفتت إيلين نحوها، وجدت كبيرة الخادمات تنظر بارتباكٍ تارةً إليها وتارةً إلى ألكيرون.
«ما الذي يُخفونه حقاً؟»
لكنَّ ألكيرون، وبالرغم من الضغط الصامت الذي مارسته كبيرة الخادمات، تابع كلامه ببرود:
“هل كُنْتِ حقاً لا تَعرفين؟ إنَّ مَن أمرني بتعليمكِ يا آنسة إيلين ليس سوى سَمُوّ الدوق لوبروس كان ماريز أوركا. الابن الثاني لإمبراطور إمبراطورية أوركا، والقائد الأعلى للأسطول البحري.”
«إمبراطور… سَمُوّ الدوق… ابن جلالته… القائد الأعلى؟»
شعرت إيلين بالدُّوار وهي تسمع تِلك الألقاب العظيمة تنهال عليها واحداً تلو الآخَر.
«ماذا… هل كان شَخصاً بهذا النفوذ؟»
رتبت إيلين أفكارها بصعوبةٍ وقالت أخيراً:
“ما حقيقة هذا الأمر يا ميساجيو؟”
“… لَقَد أمَر سَمُوّ الأمير لوبروس بأنه لا داعي لإخباركِ بهويته الحقيقية.”
“ولماذا؟”
بَدَا الإحراج واضحاً على وَجْه ميساجيو، لكنَّ إيلين لم تكن في حالةٍ تسمح لها بمراعاة مشاعر الآخرين.
جاءت الإجابة عن سؤالها الثاني من ألكيرون وليس من ميساجيو:
“رُبما لأنه اعتقدَ أنكِ لن تستطيعي التعبير عن غضبكِ تجاهه كما يجب إذا عَرَفتِ مَكانته.”
“ماذا تَقصد؟ لن أستطيع التعبير عن غضبي؟”
هل يعني هذا أنه كان يتقبَّل غضبها طَوال الوقت عن قَصْد؟ ولماذا؟
نظر ألكيرون إلى وَجْهها الذي يملؤه عدم الفَهْم، وبدأ يشرح بتأنٍ بَعْد تنهيدةٍ قصيرة:
“لَقَد سَمِعتُ أنَّ سَمُوّ الدوق ارتكبَ خَطأً كبيراً بحقكِ قبل وصولكِ للقصر. بل إنه حَبَسَكِ، أنتِ “طفلة الإله”، في غرفة العقاب. يبدو أنَّ سَمُوَّه أراد التكفير عن ذنبه وإخفاء هويته حتى يهدأ غضبكِ.”
من صمت ميساجيو ورأسها المُنكس، بَدَا أنَّ كلامه صحيح.
تذكَّرت إيلين تصرفات الأمير مُنذ خروجها من القبو:
«ظلَّ يُراقبني في الغرفة حتى استيقظتُ… زارني في وقتٍ متأخرٍ ليعتذر… بل ورافقني بنَفْسِه لِلِقاء دلفي»
ليس هذا فحسب، بل إنه لم يغضب من سُخريتها، بل نفَّذ كل طلباتها وبزيادة.
«وكل هذا كان من أجل التكفير عن ذنبه؟ يا له من رَجُلٍ جامدِ التفكير!»
رغم جَهْلِها بهذا العالم، إلا أنها تُدرك مَدى سُلطة ابن الإمبراطور.
وفي مَنظور إيلين، أصحاب السُّلطة هُم أشخاصٌ يَسحقون الآخرين بقوتهم بَدلاً من الاعتراف بخطئهم؛ هكذا كان كل مَن قابلتْهم في حياتها.
من عَمَّتها التي كانت قريبتها الوحيدة بَعْد وفاة والِدَيْها، إلى الداعمين الذين مَوَّلوا مَسيرتها في الغناء الأوبرالي؛ الجميع حاولوا السيطرة عليها بمالهم وقوتهم.
وكانت تَكرهُ هذا النوع من الأشخاص بشدة.
عِندما قابلت لوبروس أوَّل مَرَّة، ظنَّت أنه من هذا النوع، خاصةً وأنه هدد حياتها.
ولكن…
«إنه مُختلفٌ نوعاً ما…»
❁*صفا : حسيت تناسب انتي موختليفاا😭❁
في الطريق إلى الشاطئ، كان وَجْهُه يمتلئ بالألم بسبب كلماتها الساخرة.
ورغم تظاهرها بالتجاهل، كان من الصعب إنكار أنَّ ملامحه كانت صادقةً وليست تمثيلاً.
«لكن لماذا؟ لماذا يفعلُ شَخصٌ بمثلِ خَلفيته كل هذا لمجرد أنه أخطأ بحق امرأةٍ مجهولة؟ هل مَكانة “طفلة الإله” عظيمةٌ إلى هذا الحد، أم أنَّ هذا الرَّجُل غريب الأطوار؟»
بينما كانت إيلين تقطُّب مابين حاجبيها من الحيرة، تحدَّث ألكيرون مَرَّةً أخرى:
“لقد سألتِ سَمُوَّه عن طريقة لِتُصبحي كاهنة، أليس كذلك؟”
“…”
أومأت إيلين برأسها بِحَذَر، فتابع بكلامٍ لم تَفهمْه أيضاً:
“هل تَرغبين في الانضمام للعائلة الحاكمة؟”
” نَعَم؟”
«لماذا ذَكَرَ العائلة الحاكمة الآن؟»
نظرت إليه إيلين بشكٍ كأنها تسأل نَفْسها إن كان يَقصد ما يقول.
بَدَا التواصل مع هذا الشاب أصعب من التواصل مع الدوق لوبروس.
“ما علاقة أن أُصبح كاهنة بالعائلة الحاكمة؟”
“… أنتِ حقاً لا تَعرفين شيئاً.”
تنهَّد بيأس، فبرز عِرقٌ في جبهة إيلين من شدة الغيظ.
لَقَد تأكدت الآن؛ رغم أنها لا تَعرف السبب، إلا أنَّ تصرُّفات هذا الشاب تجاهها لم تكن ودودةً أبداً، بل كانت أقرب للعدائية.
«هل هو كبرياء العلماء؟ أم وَلاؤه الشديد لذلك الرَّجُل؟»
تلاشت توقعاتها الجميلة تجاه “الكيميائي العبقري”.
وفهمت الآن مَعنى الابتسامة الغامضة التي رَسَمَها لوبروس عِندما طَلَبَت منه مُعلّماً.
«بالطبع! البشر لا يتغيَّرون بسهولة. الانطباع الأوَّل هو الأهم دائماً.»
في تِلك اللحظة، هبطت مَشاعِرها الإيجابية تجاه لوبروس إلى ما تحت الصفر.
ألكيرون لم يفقد أعصابه بشكلٍ علني، وهو واسع العِلم حقاً، ولكن بالرغم من ذلك، هو شَخصٌ… جـداً… جـداً…
«مستفز!»
مهارته في السخرية تتجاوز أيَّ شَخصٍ قابلتْه.
فكَّرت بسخرية أنَّ الحديث معه هو أفضل علاج لمَرضى “ضغط الدم المُنخفض”.
«تُريد اللعب بهذه الطريقة إذن»
أخذت إيلين نفساً عميقاً لتُهدئ مَشاعرها الهائجة، ثم رَسَمَت ابتسامةً على وجهها وقالت:
“بما أني لا أعرف شيئاً، يجب أن أسأل هذا السؤال أوَّلاً: لماذا أتى البارون ألكيرون إلى قصر المرجان؟”
“لَقَد طَلبتُ من سَمُوّ الأمير لوبروس أن يُرشح لي شَخصاً يُعلمني عن هذا العالم بتأنٍ. ولكن يبدو أنَّ هناك خَطأً ما.”
اهتزت نظرات ألكيرون بوضوحٍ عِندما سَمِع كلماتها.
فتابعت إيلين وهي تُحدِّق في عينيه مُباشرةً لتُوجه له الضربة القاضية:
“بما أنك كيميائيُّ القصر العبقري، فلا أُنكر أنَّ عِلمك واسع. ولكن، مهما كان الشَّخصُ عالِماً، فإنَّ تعليم الآخرين هو أمرٌ مُختلفٌ تماماً.”
نهضت إيلين من الأريكة ونظرت إليه من الأعلى قائلة:
“حتى لو كُنْتُ في أمسِّ الحاجة لِلعِلم، فلا يمكنني الطلب من شَخصٍ ليس لديه النِّيَّة للتعليم بصدق. سأُخبر سَمُوّ الأمير بنَفْسي؛ سأقول له إنَّ البارون ألكيرون يجدُ صعوبةً في تعليمي.”
وقبل أن تسمع ردَّه، استدارت نَحوَ غرفة النوم:
“لن أقوم بتوديعك. أعتقدُ أنك تملكُ ما يكفي من الحياء لتعرف طريق الخروج بنَفْسِك.”
مشت إيلين مُبتعدةً عنه.
كانت تُدرك أنَّ ألكيرون يَثق ويتبع الدوق لوبروس بشدة، ومجيئه إلى هنا لتعليم امرأةٍ لا يُحبها هو دليلٌ على ذلك.
فماذا سيحدث له إذا فشل في تَنفيذ أمر الأمير؟
«طريقةٌ دنيئةٌ نوعاً ما، لكن لا خيار آخَر.»
لم تكن تُحب استغلال نِقاط ضَعْف الآخرين، ولكن إذا لم تكسر كبرياءه الآن، فستظلُّ هي مَن تعاني من استفزازه.
لَقَد طَلَبَت مُعلّماً لتفهم طلب الإله أبِيس، وليس لتتعرض للسخرية.
«بسبب كبريائه، لن يعتذر بسهولة. سأكتفي بهذا القَدْر اليوم.»
ولكن حينها، سَمِعت صوت ألكيرون المكتوم من خَلْفها:
“… بمجرد أن تُصبحي كاهنة، فلن تتمكَّني أبداً من مُغادرة إمبراطورية أوركا يا آنسة إيلين.”
توقفت إيلين وانتظرت بقية كلامه.
“ولن تتمكَّني من الزواج بحريةٍ أيضاً. في إمبراطورية أوركا، الشخص الوحيد الذي يُمكِنُه الزواج من كاهنة هو أحد أفراد العائلة الحاكمة فقط.”
انحنى برأسه خفيفةً لظَهْر إيلين وقال:
“أعتذرُ عن وَقاحتي. لا أطلبُ منكِ المَغفرة. عَن إذنكِ.”
سَمِعت صَوْت إغلاق الباب، لكنها ظلت وافقةً في مَكانها لا تستطيع الحراك.
«ماذا… ما الذي سَمِعتُه للتو؟»
بَعْد خروج ألكيرون، دخلت إيلين غرفة النوم وهي تُحاول تجميع شتات نَفْسها.
كانت سينـوي تُرتب الفراش وبدت قلقةً من الجو المشحون، بينما دَخَلَت ميساجيو خَلْفها وهي تُنكس رأسها كالمُذنبة.
جَلست إيلين على السرير وتنهَّدت.
لم تكن أفكارها مُرتبة، لكن كان هناك مشكلةٌ يجب حلُّها أوَّلاً.
“كبيرة الخادمات ميساجيو.”
“… نَعَم، تفضلي.”
حاولت إيلين التحدث بعقلانية؛ فـميساجيو لم تكن مُذنبة، بل كانت تتبع الأوامر فقط.
التعليقات لهذا الفصل " 9"