رغم أنه لم يَفهم كلمات دلفي، إلا أن لوبروس ظلَّ يُراقب بصمتٍ تصرفات الدُّلفين الذي كان يكشف عن أنيابه ويُهدده، ثم قال وهو يرفع طَرَف فمه بابتسامةٍ خفيفة:
“يبدو أنَّ رسول الإله لا يستلطفني حقاً.”
ثم استدار بهدوء وتوجَّه نحو العربة.
بمجرد أن ابتعد عن إيلين، توقَّف دلفي عن الغضب وسأل بصوتٍ قلق:
«هل أنتِ بخير؟ هل فَعَل ذلك البشريُّ شيئاً سيئاً لكِ؟»
ضحكت إيلين دون قصد وهي تراه يتصرف مثل جروٍ صغيرٍ يزمجر في وجه مَن يحاول إيذاء صاحبه.
أمال دلفي رأسه مُصدراً صوتاً مُستغرباً، بينما لم تستطع هي التوقف عن الضحك لفترةٍ من الوقت لرؤية لَطافته.
وبعد أن هدأت أخيراً، هزَّت رأسها لتُطمئن دلفي قائلة:
“أنا بخير. لَقَد أقسَمَ باسم الإله أبِيس أنه لن يُؤذيني أبداً بعد الآن.”
عِندما تذكَّرت كلماته، شعرت بوخزةٍ في رُكنٍ من قلبها، لكنها مسحت الفكرة من رأسها بسرعة، وطرحت السؤال الذي أرادت قوله لـدلفي:
“أكثر من ذلك يا دلفي، هناك شيءٌ أودُّ سؤالك عنه.”
«ما هو؟ قولي أيَّ شيء.»
نظر إليها دلفي بعينين لامعتين وكأنه مُستعدٌّ للإجابة عن أيِّ سؤال.
“لَقَد قلتَ إنَّ مَجيئي إلى هنا كان بمشيئة الإله أبِيس، أليس كذلك؟”
«بدقةٍ أكثر، كان هذا مَطلب “طفل الإله” الذي تضرَّع للإله أبِيس، ولكنَّ إرادة الإله أبِيس كانت مَوجودةً أيضاً.»
“ولكن، لماذا لا أستطيع سَماع صوت الإله أبِيس؟”
وفقاً لما أخبرتها به الخادمة بثرثرتها، فإنَّ كَهنة المعبد سَمعوا صوت توبيخ الإله أبِيس عِندما كانت هي محبوسةً في الغرفة الحجرية، وكان ذلك هو السبب الرئيسي لخروجها.
ومع ذلك، منذ وصولها وحتى الآن، لم تسمع صوت الإله ولو لمرةٍ واحدة.
«ممم… لكي يسمع البشر صوت الإله، يجب أن يستقبلوا الإله داخل أجسادهم… أعني… طقوس! قيل لي إنَّ الأمر يحتاج لطقوس. لذا، الوحيدون القادرون على سَماع صوته هم الكهنة والكاهنات. وبما أنَّ السيرين تملك رُوحاً بشرية، فيجب عليها إجراء طقوس استقبال الإله.»
«هذا يعني أنني يجب أن أُصبح كاهنةً أو شيئاً من هذا القبيل لأعرف نِيَّة الإله.»
تنهَّدت إيلين بسبب تعقُّد الموقف.
كانت تودُّ تجاهل غضب أنيما والعيش بسلام.
«ولكن إذا كان مَن أحضرني إلى هنا إلهاً حقاً، فلا أعرف ما هي العواقب التي ستلحق بي إذا لم أُنفِّذ طلبه.»
كانت مُمتنةً لاستعادة صوتها، لكن الثمن كان باهظاً.
لَقَد نُقِلت إلى مكانٍ مجهولٍ وطُلِب منها تهدئة غضب كيانٍ لا تعرفه.
«أشعر وكأنني تعرَّضتُ لعملية احتيالٍ في عقد العمل.»
لكنها أدركت أنها لو عادت بالزمن، لاختارت الخيار نفسه؛ فمعنى “الصوت” بالنسبة لـإيلين كان يُمثل كل شيء.
«بما أنه أمرٌ لا مفرَّ منه، فلا بدَّ من المواجهة.»
أغلقت إيلين قبضتَيْها بقوةٍ كأنها تشحذ إرادتها، ثم ودَّعت دلفي ووعدته بالعودة مرةً أخرى.
داخل العربة أثناء العودة، ظلَّت تُفكّر فيما قاله دلفي.
«ولكن ما هي طقوس استقبال الإله في الجسد؟ لا يمكنني سؤال دلفي لأنه لن يعرف تفاصيل طقوس البشر…»
نظرت إيلين خُلسةً عبر النافذة نحو لوبروس.
لم تكن تُريد الاعتماد عليه، لكن لا يوجد أحدٌ غيره لتسأله.
فإذا سألت تِلك الخادمة الثرثارة، فستعود نظرات الشك لتُحيط بها مرةً أخرى.
«لا خيار آخَر.»
نادت على لوبروس بِحَذَرٍ ظنّاً منها أنه قد يكون أفضل من الخادمة:
“عذراً… هل يُمكِنُني سؤالك عن شيء؟”
“ما هو؟”
رغم ضجيج العربة، إلا أنه التقط صوتها الخفيض ووجَّه جواده ليصبح بجانب النافذة.
ترددت إيلين قائلة:
“ماذا… ماذا يجب أن أفعل لأُصبح “كاهنة”؟”
عضَّت إيلين شفتها نادمةً على سؤالها المباشر، لكن الأوان كان قد فات.
كما توقَّعت، توقَّف لوبروس لِلَحظة، ثم سألها باستغراب:
“ألم تكوني طفلة الإله بالفعل؟”
“صحيحٌ أنَّ الإله أبِيس هو مَن أحضرني، لكني كُنْتُ أعيش في عالمٍ آخَر قبل هذا. لذا، أنا لا أعرف قواعد هذا العالم جيداً.”
أضافت كلامها بسرعةٍ خَوفاً من أن يُسيء فَهْمها، وتلاشت نبرة صوتها في النهاية.
حتى هي كانت تجد صعوبةً في تصديق ما تقوله.
لكنه، بَدلاً من السخرية، فكَّر قليلاً ثم هزَّ رأسه:
“تِلك التي تُسمَّى [جيجو]… تِلك المنطقة.”
أرادت أن تُصحح له وتقول كوريا وليس “جيجو”، لكنها اكتفت بهَزِّ رأسها.
فلن يتغيَّر كَوْنُ عالمها مَكاناً يصعب عليه فَهْمه.
“إذاً، هل أخبركِ ذلك الدُّلفينُ عن أمر الكاهنة؟”
“نَعَم. ولهذا أُريد أن أطلب منك مَعروفاً.”
شعرت ببعض الوقاحة لأنها تطلب منه مَعروفاً بَعْد أن كانت تلومه، لكن الوقت لم يكن يسمح بالتردد.
نظر لوبروس إليها مُنتظراً ما ستطلبه.
“كما قلتُ للتو، أنا لا أعرف شيئاً عن هذا العالم، وما يُمكِن لـدلفي إخباري به مَحدود. هل هناك شَخصٌ يُمكِنُه إخباري بالتفصيل عن هذا المكان؟”
“… تقصدين أنكِ بحاجةٍ إلى مُعلّم.”
“نَعَم. ويُفضَّل أن يكون شخصاً يُمكِنُني الوثوق
به… ويشرح لي بـتأنٍ دون أن يغضب.”
ألمحت بقصدٍ إلى طِباعِه الحادّة لتقول له “لست أنت”، وظلَّ هو واضعاً يَدَه على ذقنه يُفكّر لِفترة. ثم بدا وكأنه تذكَّر شخصاً ما، فارتفع طَرَف فمه بابتسامةٍ غامضة.
شَعرت إيلين بقلقٍ غريب من نبرته عِندما شدَّد على كلمة بتأنٍ، لكنها تجاهلت ذلك وتابعت طلبها الآخَر:
“وأيضاً، هل… هل من الضروري وجود تِلك الخادمة؟”
“هل خادمة الخدمة لا تُعجبكِ؟”
“لا، ليس الأمرُ أنها لا تُعجبني… بل الحقيقة أنها تُمثّل عِبئاً عليّ.”
لم تُضِف إيلين أنها لا تثق بها، لأنها لا تثق بهذا الرَّجُل أيضاً.
فمنذ سقوطها في هذا العالم، كان دلفي هو الكيان الوحيد الذي تثق به.
“فَهِمْت. سأهتمُّ بالأمر.”
وعلى عكس مَخاوِفها من أن يجادلها، أنهى الحديث بموافقته.
ساد الصمت مرةً أخرى، وكانت العربة قد وصلت تقريباً إلى القصر.
«هل هو شَخصٌ ذو مَكانةٍ عاليةٍ حقاً؟»
رغم جَهْل إيلين بهذا المكان، إلا أنها أدركت أنَّ مَن يملك سُلطة تغيير الخادمات بهذا الشكل لا بدَّ وأن يكون شَخصاً قوياً في القصر.
كما تذكَّرت أنه كان يتحدث معها بـلغةٍ غير رسمية منذ البداية، وكان يَقِف بجانب الشخص الذي يبدو أنه المَلِك.
«هل هو مُقرَّبٌ من المَلِك أم حارسٌ شَخصي؟»
أمالت رأسها مفكرةً، ثم مَسحت الفكرة من رأسها.
في صباح اليوم التالي، حاولت إيلين إخفاء ضحكتها الساخرة وهي تنظر إلى المرأتين الواقفتين أمامها.
“تشرَّفنا بلقائكِ. أنا ميسـاجيو دي سيرينا، كبيرة خادمات قصر المرجان، وسأقوم بخدمتكم من اليوم. ناديني ميساجيو. وهذه هي سينـوي التي ستكون خادمتكِ الجديدة.”
“أتطلعُ لخدمتكم، آنسة إيلين. أنا سينـوي، وسأخدمكم بكل إخلاص.”
لَقَد طَلَبَت إبعاد واحدة، فجاءَ اثنتان! كان يجب عليها أن تسأل بدقةٍ عما سيفعله لوبروس عِندما قال إنه سيهتم بالأمر.
«هذا الرَّجُل حقاً! هل يحمل ضغينةً ضدي؟
ماذا فَهِمَ من قَوْلي إنها تُمثّل عِبئاً عليّ؟»
كتمت إيلين غيظها في سِرِّها.
كانت ميساجيو تبدو في منتصف الأربعينات بملامح هادئة، بينما بدت الخادمة سينـوي في عُمر طالبةٍ بالثانوية بوَجْهٍ طفوليّ.
«هذا ليس مَنزلاً، كيف سأجعل امرأةً في عُمر والدتي وفتاةً صغيرةً جداً تخدمانني لِراحتي فقط؟»
كانت إيلين في كوريا تُدير جدولها بنَفْسها دون مدير أعمال، فمبدؤها هو حل أمورها بنَفْسها ما لم يكن الأمر ضرورياً.
وعِندما رأت ميساجيو ملامح الارتباك على وَجْه إيلين، شرحت لها الموقف:
“آه، إذاً هل أنتِ هي… المُعلّمة التي يُمكِن الوثوق بها؟”
هزَّت ميساجيو رأسها بخفة وقالت:
“يُمكِنُني إخباركِ بالأمور البسيطة مثل آداب القصر وأخبار المجتمع، لكن التفاصيل المتعلقة بتاريخ الإمبراطورية وسُلالات الآلهة سيتولاها البارون ألكيرون الذي سيأتي بَعْد الظُّهر لتعليمكِ.”
يبدو أنَّ قاموس هذا الرَّجُل لوبروس لا يحتوي على كلمة “باعتدال”.
التعليقات لهذا الفصل " 8"