الفصل 7
“أنا نَفْسي لا أعرفُ بالتَّحديد. كلُّ ما أتذكَّرُه هو أنني قبلَ سِتَّةِ أيام، كُنْتُ عندَ شاطئِ جزيرةِ [جيجو]، وحَمَلَتْني مَوْجةٌ مُفاجئةٌ إلى عُرْضِ البحر، وعِندما استيقظتُ وجدتُ نَفْسي في تِلك الجزيرةِ المَهجورة.”
“جزيرةُ [جيجو]…؟”
رَفَعَ حاجباً واحداً وقَطَبَ مابينَ حاجبَيْه لسماعِ هذا الاسمِ الغريب.
لكنَّ إيلين لم تَقُلْ مَزيداً من التفاصيل.
فرغمَ طَلَبِ الإلهِ أبِيس، إلا أنها لم تكن تَثقُ بهذا الرَّجُلِ بَعْدُ لِتُخبرَه بكلِّ شيء.
لذا، غيَّرَت مَجرى الحديث:
“الأهمُّ من ذلك، أُريدُ الذهابَ إلى الشاطئِ صَباحَ الغَد. أُريدُ أن أعرفَ ماذا حَدثَ لـدلفي، الدُّلفينِ الذي تَبِعَ السَّفينة.”
“… حَسناً. سأُرافِقُكِ.”
اتَّسعت عينا إيلين من موافقتِه السَّهلة؛ فَقَد توقعت جِدالاً طويلاً.
وكأنه أدركَ ما يَدورُ في خَلَدِها، قالَ مُبرِّراً:
“الدلافينُ في إمبراطوريةِ أوركا كائناتٌ مُقدَّسةٌ تُسمَّى (رُسُلَ الإله ماري). وبما أننا أغضبنا ذلك الرَّسول، فأنتِ الوحيدةُ القادرةُ على تَهْدئتِه.”
ثم سألَ فَجأةً وكأنه تذكَّرَ شيئاً:
“صحيح، لم أسألْكِ عن اسمِكِ بَعْد.”
“آه…”
كانت هذه أوَّلَ مَحطَّةِ تَعارُفٍ حقيقيةٍ بينهما منذُ بَدأت تَفهمُ لغتَهم.
فكَّرت إيلين للحظة، ثم قررت عدمَ استخدامِ اسمِ سيرين حالياً؛ فالمخاطرةُ بهذا الاسمِ كَبيرةٌ جداً.
«آسفةٌ يا سيرين. هذا لا يَعني أنني لا أعترفُ بكِ.»
اعْتذرت لِـسيرين في سِرِّها، ثم كَشفت عن اسمِها الحقيقيِّ بِحَذَر:
“سيو… إيلين. اسمي هو سيو إيلين.”
أوضحت له أنَّ سيو هو اللقب وإيلين هو الاسم.
بَدَا الاسمُ غريباً عليه، فكرَّرَه بلسانِه عِدَّةَ مَرَّات.
“… سيو إيلين. إنه اسمٌ فريد.”
تذكَّرت كيف كان زُملاؤُها في دارِ الأوبرا بمدينةِ كانبيرا في أستراليا يُنادونها بـ “لانا” بَدلاً من “إيلين” لصعوبةِ النُّطْقِ أحياناً.
“لوبروس.”
“… نَعَم؟”
انتبهت إيلين بَعْدَ أن كانت غارقةً في أفكارِها.
“لوبروس كان ماريز أوركا. هذا هو اسمي.”
“لوبروس كان… ماذا؟”
«لماذا اسمُه طَويلٌ هكذا؟»
قَطَبَت إيلين جَبينَها دونَ قَصْد.
لَقَد كانت دائماً ضَعيفةً في حِفْظِ الأسماءِ الأجنبية، وحتى أثناءَ دراستِها للغناء، كانت تُعاني لِحِفْظِ أسماءِ المغنينَ الأجانب.
نَظَرَ لوبروس إلى تَعابيرِ وَجْهِها المُنكمشة، وقالَ بتنهيدةٍ قصيرة:
“… ناديني لوبروس فقط.”
“سأفعل.”
رغمَ أنها لا تَنوي مُناداتَه كثيراً، بل كانت تَرغبُ في رَحيلِه لترتاح.
وبنبرةٍ باردةٍ مُتعمَّدة، قالت:
“بما أنَّكَ انتهيتَ، هل يُمكِنُكَ الانصراف؟ أُريدُ أن أرتاح.”
“سأفعل.”
رغمَ طَلَبِها القاسي للانصراف، إلا أنه نَهَضَ بهدوء.
وبَدَا وَجْهُه مُثقلاً بالكلماتِ التي لم يَقُلْها بَعْد.
تَرَدَّدَ عِندَ الباب، ثم التفتَ إليها وقال بصَوْتٍ مُنخفض:
“رغمَ أنني أسأتُ فَهْمَ الموقف، إلا أنَّ تَهْدِيدكِ ومُعاملتكِ بخشونةٍ كان خَطئي. أنا أعتذرُ بصدق. أنا آسف.”
لم يكن اعتذاراً بالكلماتِ فقط، بل انحنى لها باحترام.
وقبلَ أن تَنْطقَ إيلين بكلمة، غادَرَ الغُرفة.
بَقيت إيلين تَرْمُشُ بعينَيْها من الصَّدمة.
«هل جاءَ حقاً ليعتذر؟»
ظَنَّت أنه جاءَ ليستجوبَها مَرَّةً أخرى، ولم تَتخيَّل قَطُّ أن تَسمعَ منه اعتذاراً.
تذكَّرت كيف حَمَلَها بينَ ذِراعيةِ إلى الغُرفةِ رغمَ فَظاظتِه.
بَدأ عَقْلُها يَتشتتُ من التعب.
«سأنُامُ أوَّلاً ثم أُفكِّر.»
وبينما كانت تُغلقُ عينيها، تذكَّرت كلمتَه:
«سأُرافقُكِ».
«هل يَعني أنه هو مَنْ سَيأخُذُني بنَفْسِه…؟»
قَشعرَّ بَدَنُها من الفكرة، لكنها حاولت طَمأنَةَ نَفْسِها:
«مُستحيل، سَيُرسلُ أحداً غَيْرَه بالتأكيد.»
لكنَّ حَدْسَها السيئَ كان في مَحَلِّه.
❁❁❁
فبَعْدَ الإفطار، وجدت لوبروس بزيِّه العسكريِّ الكُحليِّ بانتظارِها.
سألت إيلين وهي تُحاولُ تَهْدئةَ أعصابِها:
“هل سَتُرافقُني… بنَفْسِك؟”
“وهل هناك سَببٌ يَمْنَعُ ذلك؟”
أجابَ ببرودٍ وكأنَّ الأمرَ طبيعي.
بَقيت إيلين صامتةً من شدةِ وَقاحتِه.
«بالطبعِ هناك سَبب! مَنْ يَرْغبُ بالبَقاءِ مع شَخصٍ خَنَقَه؟!»
لكنها لم تَنْطِق بذلك، فهو رَجُلٌ خَطيرٌ يُمكِنُه قَتْلُها في أيِّ لَحْظة.
اكتفت بالتنهُّد، فقالَ هو مُبرِّراً:
“لستُ أُراقبُكِ. ولكن لِتتحرَّكي بحريةٍ في العاصمة، سيكونُ من الأسهلِ لكِ التَّنقلُ مَعي.”
«بل سيكونُ مُزعجاً!»
فَكَّرت في نَفْسِها، ثم تَمتمت وهي تَصُزُّ على أسنانِها:
“لا بأس… طالما أنكَ لن تَخْنُقَني مَرَّةً أخرى.”
لم تَنْسَ أن تَسخرَ منه بذكاء.
وتوقعت أن يَغضب، لكنَّ وَجْهَه التوى بألمٍ غريب.
اتَّسعت عيناها دَهشةً، فقالَ بصَوْتٍ خفيضٍ ومُتألِّم:
“… لن أُؤذِيَكِ مَرَّةً أخرى أبداً. أُقسِمُ باسمِ الإلهِ أبِيس.”
«ماذا أصابَه فَجأة؟»
شَعرت إيلين بالارتباكِ وكأنها هي الجانيةُ بَعْدَ أن رأت تِلك النَّظرةَ في عينَيْه.
وانطلقا مَعاً إلى خارِجِ القصر.
“واااو…”
نَسِيَت إيلين ضيقَها بمجردِ رُؤيةِ المَنظرِ من نافذةِ العربة.
كانت الجزيرةُ أكثرَ تطوراً مما توقعت.
قنواتٌ مائيةٌ مبنيةٌ من الطُّوبِ الأبيضِ تَلتفُّ حَوْلَ الجزيرةِ مِثلَ لَوْلبٍ وتَصِلُ إلى الشاطئ، مع خزاناتِ مياهٍ كَبيرةٍ وصَغيرة.
نظامٌ هندسيٌّ مُبهرٌ يَدُلُّ على عِلْمٍ واسعٍ بالأرصادِ والعلوم.
وبينما كانت تَتأمَّلُ الخارج، رأت لوبروس يَمْتطي جَوادَه بجانبِ العربةِ ويُراقبُ المحيطَ بصَمْت.
«على الأقل لم يَدخلْ مَعي في العربة، وهذا جَيِّد.»
وصَلوا إلى الشاطئ، ورأتِ السَّفينةَ التي أحضرتْها.
بَحَثَت عن الدُّلفينِ في كلِّ مَكانٍ لكنها لم تَجِدْه.
«هل عادَ إلى الجزيرةِ المَهجورة؟»
خَشيت ألا تَراهُ مَرَّةً أخرى، فقررت أن تُغنِّيَ له النَّغمةَ التي غَنَّتْها أوَّلَ مَرَّة.
ارتفعَ صَوْتُ إيلين الصافي فوقَ صَوْتِ الأمواج:
“هشش.. يا ستورين. أغمض عينيك ونم.
تتجول في الأمواج، وتغوص في الأعماق.”
اتَّسعت عينا لوبروس الواقفِ خَلْفَها.
كان صَوْتُها نَقِيّاً مِثلَ المَاء، ويَمَسُّ شَغافَ القلب.
بَعْدَ قليل، قَفَزَ جَسدٌ أبيضُ من الماء؛ إنه الدُّلفينُ الأبيض.
«سيرين!»
توقفت إيلين عَنِ الغِناءِ ونظرت إليه بحب.
كان الدُّلفينُ يَقْفِزُ ويَتخبَّطُ بسعادةٍ كأنه يُريدُ الوصولَ إليها.
«لَقَد كُنْتُ قَلِقاً! شَعرتُ بالعَجْزِ وأنا أراكِ تُؤخَذينَ مَعَ البَشَر.»
“آسفة، لَقَد أقْلَقْتُكَ. لم أستطعِ المجيءَ أمسِ بسببِ بعضِ الظروف.”
نظرت إيلين إلى ثَوْبِها الأبيضِ الطويلِ الذي يُشبهُ فساتينَ بطلاتِ الأساطيرِ الإغريقية، والمُثبَّتِ ببروشٍ على الكتفين.
جَلَسَت على صخرةٍ عندَ المَرفأ ومَدَّت يَدَها.
اقتربَ دلفي ومَسَحَ رَأسَه بيَدِها وهو يُصدرُ أصواتاً سعيدة.
لكن بمجردِ أن رَأى لوبروس الواقفَ على بَعْدِ خطوات، غَضِبَ الدُّلفينُ وبَدأ يَرُشُّ الماءَ عليه وهو يَصيح:
«أنا أكْرَهُ البَشَر! ابْتَعِدْ من هنا!»
التعليقات لهذا الفصل " 7"