الفصل 5
«… استيقظي. لا يجب أن تنامي الآن.»
وسط وَعْيها الغائب، سَمِعت صَوْتَ امرأةٍ حزيناً.
كان صَوْتاً تَسمعُه لأوَّلِ مَرَّة، ومع ذلك شَعرت إيلين وكأنها تَعرفُ هُويَّةَ صاحبتِه.
«سيرين؟»
جاءَ الرَّدُّ بصَوْتٍ أكثَرَ لَهْفةً من ذي قَبْل:
«أنتِ لستِ مُكتملةً بَعْد. إذا بَقيتِ هكذا، سَتنفصلُ رُوحُكِ مَرَّةً أخرى.»
«تَنفصلُ رُوحي؟»
لَقَد قالَ دلفي إنَّ رُوحَها ورُوحَ سيرين واحدة.
فما مَعنى أن تَنفصلَ الرُّوح؟
لم تَفهَم المَعنى بدقة، لكن كان من الواضحِ أنَّ ذلك يَعني مَوْتَها في هذا العالم.
«ماذا عليَّ أن أفعل إذاً؟»
«تَقَبَّلِيني. هكذا فقط سَتُصبحينَ كاملة.»
«أتَقَبَّلُكِ؟ كيف؟»
لم تَفهم إيلين مَقصَدَها.
ألم تَكن قد اتَّحَدت مع سيرين بالفعل؟
«أنا هي أنتِ. وأنتِ هي أنا الأخرى.»
«لَقَد سَمِعتُ هذا الكَلامَ من قَبْل.»
«كُفِّي عن الإنكارِ الآن. أنتِ هي سيرين. صاحبةُ الصَّوتِ الأجملِ على الإطلاق…»
«أن أعترف… بأنني سيرين؟»
تذكَّرت إيلين كلماتِها السابقةَ وهي تَسمعُ صَوْتَ المرأة.
°اسمي ليس سيرين، بل سيو إيلين.°
هل كان السَّببُ هو إنكارُها لِكونِها سيرين؟
إذا اعترفتُ بذلك، هل سأصبحُ كاملة؟
في العادة، كانت ستطرحُ أسئلةً أكثر، لكنَّ عَقْلَها الآن لم يَكُن يَقوى على التفكير.
تَمتمت إيلين كأنها مَسحورةٌ بصَوْتِ المرأة:
«… حَسناً. أنا سيرين. صاحبةُ الرُّوحِ الواحدةِ معكِ. أنا أعترفُ بذلك.»
كانت مُجردَ كلمةٍ بَسيطة، لكن بمجردِ نُطْقِها، شَعرت إيلين بأنَّ جَسدَها يُصبحُ أخَفَّ فأخَفّ.
ووسطَ ذلك المَكانِ الذي يزدادُ سُطوعاً، سَمِعت آخِرَ كلماتِ المرأة:
«أنا آسفة… وشكراً لكِ…»
سْوااااااـ!
استيقظت إيلين ببطءٍ على صَوْتِ هُطولِ المَطَرِ الغزير.
كان المَكانُ الذي تَجلسُ فيه لا يزالُ مُضاءً بضوءِ الشَّمسِ الدافئ.
ولكن عندما التفتت جانباً، رأت أنَّ الحُفرةَ التي كانت جافةً قبلَ نومِها قد امتلأت بماءِ المَطرِ المتدفقِ من السَّقف.
لم يَستَعِد عَقْلُها نَشاطَه بَعْد، فظَلَّت مَذهولةً أمامَ هذه الظاهرةِ المستحيلة.
“ما هذا… ما الذي يَحدث؟”
مَطرٌ غزيرٌ يَنهمرُ والشَّمسُ ساطعة.
لم تَرَ أو تَسمع بمثلِ هذا من قَبْل.
«هل هو مَطَرُ الثَّعالب؟ لكنَّ مَطَرَ الثَّعالبِ لا يكونُ بهذا الزَّخَم! والشَّمسُ لا تزالُ قويةً جداً.»
نظرت إيلين نَحوَ الفتحةِ في السَّقف، لكن لم يكن من السَّهلِ فَهْمُ الموقفِ من تلك الفتحةِ الصغيرة.
أرادت أن تَتفحَّصَ الأمر، لكنَّ جَسدَها لم يُطِعْها.
«هل السَّببُ هو بَقائي في هذا المَكانِ الباردِ لِفترةٍ طويلة؟»
شَعرت بثِقَلٍ في جَسدِها وكأنها تَرْتدي مَلابسَ قُطنيةً مُشرَّبةً بالماء.
وبدأ عَقْلُها يَتيهُ مَرَّةً أخرى.
وبينما كانت تُحاولُ استجماعَ قُوَّتِها، سَمِعت صَوْتَ احتكاكِ حَجَرٍ ثَقيلٍ عِندَ المَدخل.
انفتحَ البابُ الحجريُّ الذي كان مَسدوداً، ودَخَلَ رَجُلٌ ذو وَجْهٍ مألوفٍ إلى الغُرفة.
إنه الرَّجُلُ ذو العينينِ الحادتينِ والشَّعرِ الأحمرِ الغامق، نَفْسُ الرَّجُلِ الذي أحضَرَها إلى هنا.
«ماذا سَيَفعلُ هذه المَرَّة؟»
انكمشت إيلين على نَفْسِها وهي تَراهُ يَقتربُ بخطواتِه الواسعةِ وجَسدِه الضَّخمِ الذي يُثيرُ الرُّهب، لكنها رَفعت رأسَها عِندما شَعرت بجَوٍّ غريبٍ يُحيطُ به.
تلك العيونُ التي كانت مَليئةً بالرَّغبةِ في القَتْلِ عِندما رآها أوَّلَ مَرَّة، أصبحت الآن مَليئةً بالارتباكِ بَدلاً من الغَضب.
نَظَرَ إليها الرَّجُلُ لِفترةٍ وهو واجمُ الوَجه، ثم زَفَرَ بعُمقٍ وقال:
“لَقَد تَمَّ التأكُّدُ من أنكِ امرأةٌ تَحظى ببركةِ الإلهِ ماري. لذا، يُمكِنُكِ الخروجُ الآن.”
اتَّسعت عينا إيلين بصدمة، ليس بسببِ مَعنى كلماتِه، بل لِسببٍ آخَر:
«أنا… لَقَد فَهِمْتُ ما قاله للتو، أليس كذلك؟»
ظَنَّت أنها تَوهَّمت، لكن ملامحَ الرَّجُلِ أكَّدَت لها أنها فَهِمَت تَماماً ما عناه.
«كيف حَدثَ هذا؟»
بَدَا الارتباكُ واضحاً على وَجهِها، وتذكَّرت حُلْمَها قبلَ قليل:
°تَقَبَّلِيني… هكذا سَتُصبحينَ كاملة.°
«هل لأنني تَقَبَّلتُ وجودَ سيرين؟»
لا تَعرفُ كيف حَدثَ الأمر، لكنها الآن تَستطيعُ التَّفاهُمَ مَعهم، وهذا يَعني أنها ستتمكَّنُ من الدفاعِ عن نَفْسِها.
تنهَّدت براحةٍ وحاولت النُّهوضَ بصعوبة، فامتدَّت يَدٌ كَبيرةٌ أمامَ وَجهِها فَجأة.
كانت يَدَ الرَّجُلِ الواقفِ أمامَها.
«آه، صحيح. هو يَعتقدُ أنني لا أفهمُ لغتَه.»
نَظَرَت إليه بِحَذَرٍ لِلَحظة، ثم مَدَّت يَدَها إليه بصَمْت، فهي بالفعلِ لم تكن تَقوى على الحركة.
وبمجردِ أن لَمَسَت يَدَه الدافئة، اجتاحت مَوْجةُ بَرْدٍ شديدةٌ جَسدَها لم تَكُن تَشعرُ بها من قَبْل.
بَدأت رَعشةٌ صَغيرةٌ من يَدِها وانتقلت إلى ذِراعيها وساقيها حتى بَدأ جَسدُها يَرْتجفُ بعُنف.
قَطَبَ الرَّجُلُ مابينَ حاجبَيْه عِندما لاحظَ حالتَها.
نَظَرَ إلى شَفَتَيْها الزرقاوَينِ وجَسدِها المرتجف، ثم أصدرَ صَوْتَ استياءٍ بلسانِه:
“… لا مَفر.”
تَمتمَ بكلماتٍ بَسيطة، ثم خَلَعَ رِداءَه الأسودَ ولَفَّ به جَسدَ إيلين.
ثم انحنى ووَضَعَ يَدَيْه خَلْفَ ظَهْرِها وتَحتَ رُكبتَيْها ورَفَعَها بينَ ذِراعية.
“―؟”
حاولت إيلين دَفْعَه مَذعورة، لكنه أحكمَ قَبضتَه عليها وقال بنبرةٍ جافة:
“لا تَتخبطي. في حالتِكِ هذه، لن تَستطيعي المَشْيَ أصلاً.”
توقَّفت إيلين عن المقاومةِ لأنَّ كلامَه كان صحيحاً.
عَدَّلَ وَضعيَّتَها بينَ يَدَيْه وخَرَجَ بها من الغُرفةِ الحجرية.
وشَعرت بدِفءِ جَسدِه يَتسلَّلُ إليها، فبدأ جَسدُها المتجمِّدُ يَرْتخي.
ومع حركتِه المنتظمةِ وهو يَمشي، بَدأ النُّعاسُ يَتسلَّلُ إليها.
«لا يجب… أن أنام…»
لكنَّ وَعْيَها خذلَها وغَرِقَت في نَوْمٍ عَميق.
“هل كانت حقاً امرأةً تَحظى ببركةِ الإلهِ أبِيس…؟”
قالَ الإمبراطورُ هذه الكلماتِ بأسفٍ بَعْدَ أن سَمِعَ الخَبَرَ من الكاهنِ الأكبر. نَظَرَ إلى الكاهنِ الذي كان يُطأطئُ رأسَه أمامَه وسأل:
“ما هو الوحي الذي أنزلَه الإلهُ أبِيس بالضبط؟”
“في الحقيقة…”
ارتجفَ الكاهنُ الأكبرُ وهو يَتذكَّرُ ما حَدثَ في المعبد.
لم يكن وَحياً هادئاً، بل كان أقربَ إلى الغَضَبِ والتَّوبيخ.
بَعْدَ حَبسِ المرأة، تَوجَّهَ الكاهنُ مع بَقيةِ الكَهنةِ إلى المعبدِ الموجودِ فوقَ غُرفةِ المُحاكمةِ مباشرةً، لِيَطلبوا رَدَّ الإلهِ حَوْلَ هُويَّةِ المرأةِ وذُنوبِها.
لم يكونوا يَتوقعون رَدّاً، فَهُم يَعلمون أنَّ الإلهَ أبِيس نادراً ما يُجيبُ عبرَ تِلك الغُرفة.
لكنهم فعلوا ذلك تَنفيذاً لأمرِ الإمبراطور.
جَثا الكاهنُ الأكبرُ أمامَ المَذبحِ العالي وقال بصَوْتٍ مَهيب:
“يا إلهَ أبِيس، حامي بَحْرِ إيديل وإمبراطوريةِ أوركا. استَمِعْ لِصلاةِ عِبادِكَ الجاهلين. انْظُرْ إلى أَمَتِكَ…”
استمرَّت الصلاةُ لِعشرِ دقائق، ولم يُسْمَع في المعبدِ سِوى صَوْتُ الكاهن.
وبَعْدَ أن انتهى، سادَ صَمْتٌ طويل.
ظَنَّ الكاهنُ أنَّ الإلهَ لن يُجيب، فَهَمَّ بالنهوض، لكن في تلك اللحظة، دَوَّى صَوْتٌ عظيمٌ في أرجاءِ المعبد:
『مَنْ الذي تَجرَّأ على مُحاكمةِ طِفلةِ الإله؟』
كان صَوْتاً مَهيباً جَعَلَ أجسادَهم تَقشعرُّ من الهَيْبة.
ارتبكَ الكَهنةُ ونَظروا حَوْلَهم مَذعورين، ووحدَه الكاهنُ الأكبرُ أدركَ أنه صَوْتُ الإله، فعدَّلَ جِلستَه بسرعة:
“يا إلهَ أبِيس، هل هذه المرأةُ حقاً هي طِفلتُك؟”
فجاءَ الصَّوتُ مَرَّةً أخرى، مُنخفضاً وعميقاً:
『لَقَد أعطيتُكم الجوابَ مَرَّةً، لكنكم لم تُصدِّقوا.』
عِندها، ارتجفَ جَسدُ نائبِ الكاهنِ الذي كان يَميلُ برأسِه إلى الأرض.
فهو مَنْ وَصَفَ غَضَبَ الإلهِ بالصُّدفة.
واستمرَّ صَوْتُ الإلهِ المَليءُ بالاستياء:
『إذا حاولتُم اختباري مَرَّةً أخرى بمثلِ هذا الأمر، فسَتَدفعونَ الثَّمنَ المُناسِب.』
وبَعْدَ أن اختفى الصَّوت، لم يَستطعِ الكَهنةُ النهوضَ لِفترةٍ طَويلة، وظَلَّ نائبُ الكاهنِ يَرْتجفُ وهو يُلصقُ جَبينَه بأرضِ المعبد.
بَعْدَ رَحيلِ الكاهنِ الأكبر، ظَلَّ الإمبراطورُ يُفكرُ في كلماتِه، وتذكَّرَ ما حَدثَ في الشُّرفةِ قبلَ قليل.
عِندما سَمِعَ لوبروس أنَّ المرأةَ تَحظى ببركةِ الإله، أصدرَ أنيناً مُكتوماً وبَدَا عليه الحُزْنُ الشديد.
التَفَتَ الإمبراطورُ إليه وأمَرَه بصَوْتٍ هادئ:
“لَقَد ثَبَتَت براءةُ المرأة، اذْهَبْ وأخْرِجْها فوراً. جَسدُها الرقيقُ قد تَضَرَّرَ من البَقاءِ في تِلك الغُرفةِ الباردة.”
انحنى لوبروس وتَوجَّهَ نَحوَ القبو.
نَظَرَ الإمبراطورُ إلى ظَهْرِه وهو يَبْتعدُ وتَمتمَ بأسف:
“… لابُدَّ أنَّ مَشاعرَه مُعقَّدةٌ الآن. أنا آسفٌ يا لوبروس…”
نُقِلَت إيلين وهي بينَ ذِراعي لوبروس إلى غُرفةِ ضُيوفٍ فاخرة، وظَلَّت فاقدةً للوَعْيِ لِفترةٍ طَويلة.
استُدعيَ طبيبُ القصرِ على عَجَل، فقامَ بفَحْصِ نَبضِها وأعطى تعليماتٍ للخادمات.
كان لوبروس يُراقبُ الموقفَ من بَعيد، وسألَ الطبيبَ عِندما انتهى:
“… لِماذا لم تَستَعِدْ وَعْيَها بَعْد؟”
“إنها حالةُ نَوْمٍ مُؤقتةٌ ناتجةٌ عن انخفاضِ حرارةِ الجَسد. لِحُسنِ الحظِّ ليست خَطيرة، لكنَّ قُوَّتَها مُستنزَفة. يَجِبُ خَلْعُ مَلابسِها ولَفُّ جَسدِها بأغطيةٍ دافئةٍ لِرَفْعِ حرارتِها بسرعة، ويَجِبُ تَدْفئةُ الغُرفةِ أكثر.”
أحْضَرَتِ الخادماتُ أغطيةً سَميكةً وأحَطْنَ بالسرير، ثم أنزَلْنَ السَّتائرَ لِحَجْبِ الرُّؤية، وقُمْنَ بتغييرِ مَلابسِها بسرعة.
وقامت خادمةٌ أخرى بإشعالِ الحَطَبِ في المِدْفأة.
بَعْدَ قليل، اصْبَحَ جَوُّ الغُرفةِ دافئاً جداً.
وحينها وجَّهَ الطبيبُ كلامَه للخادمات:
“عِندما تَستيقظ، قَدِّموا لها ماءً دافئاً، وإذا كانت بـخَيْر، أعطُوها حَساءً دافئاً لِتَدْفئةِ مَعِدَتِها. يَجِبُ استعادةُ قُوَّتِها. وإيَّاكُنَّ وتَدليك جِلْدِها لِرَفْعِ الحرارة، فهذا قد يُؤذيها.”
“ألن تَصِفَ لها أيَّ دواء؟”
سألَ لوبروس.
انحنى الطبيبُ وقال:
“لا يُوجَدُ دواءٌ مٌعينٌ لانخفاضِ الحرارة، السَّبيلُ الوحيدُ هو مُساعدتُها على استعادةِ قُوَّتِها بنَفْسِها.”
“فَهِمْت…”
في تِلك اللحظة، سُمِعَ صَوْتُ شَهقةٍ مَذعورةٍ من الخادماتِ اللاتي كُنَّ بجانبِ السَّرير.
اتَّسعت عينا لوبروس والطبيبِ وهُما يَنْظرانِ نَحوَ السَّرير.
كان جَسدُ المرأةِ المستلقيةِ تحتَ الأغطيةِ يَنْبَعِثُ منه ضَوْءٌ أزرقُ خافِت.
التعليقات لهذا الفصل " 5"