الفصل 4
المكانُ الذي قادَ الجنودُ إيلين إليه كان واحداً من القصورِ المَهيبةِ الواقعةِ في مَركزِ الجزيرة.
ومَشَت لِفترةٍ طَويلةٍ عبرَ أروقةِ القصرِ التي كانت تَلْمَعُ مِثلَ حَجَرِ “الأوبال” تحت ضوءِ الشَّمس، حتى وَصَلَت أخيراً إلى قاعةٍ ضخمةٍ بَدَت وكأنها الوجهةُ النهائية.
عِندما فُتِحَ البابُ الثقيلُ الذي يَعلو بارتفاعِ طابقين، كان أوَّلُ ما لَمَحَتْه هو السَّجّادُ الأحمرُ الممتدُّ في المُنْتَصَف، والسَّقفُ العالي المُزيَّنُ بلوحاتٍ جداريةٍ فاخرة.
وعلى جَانِبَي الطريقِ الأحمر، اصْطَفَّت منصاتٌ عاليةٌ بطولِ قامَةِ الإنسان، جَلَسَ عليها رجالٌ يَرْتَدون مَلابسَ رَسميةً فاخرة، كانوا يَنْظرون إليها من الأعلى.
وفي نِهايةِ الطريق، فوقَ الدَّرجات، وُضِعَ عَرْشٌ بَدَا فاخراً للغاية.
«تُشبهُ قاعةَ احتفالاتٍ من العصورِ الوسطى… أو رُبما مَحكمة…»
تَحَرَّكت إيلين مَعَ الجنودِ عبرَ المَمَرِّ الأحمرِ وسطَ عَشراتِ النَّظراتِ التي تُراقبُها.
ورغمَ عَدَمِ فَهْمِها لِما يُقال، إلا أنَّ الهَمَساتِ التي مَلأتِ القاعةَ كان من الواضحِ أنها تَتحدَّثُ عنها.
“Megaleyotate erchetai!”
في تلك اللحظة، صَدَرَ صَوْتٌ قَوِيٌّ من أعلى الدَّرجات.
حينها، وَقَفَ الجَميعُ من أماكِنِهم والتَفَتوا نَحوَ السَّلالمِ حيثُ العَرْش.
انْفَتَحَ البابُ المَوجودُ خَلْفَ العَرْش، وخَرَجَ منه رَجُلٌ في مُنتصفِ الخمسينياتِ يَرْتدي تاجاً ذَهبياً.
«هل هذا… مَلِك؟»
كان له شَعْرٌ أبيضُ مائلٌ للذَّهبي، وبَشرةٌ مُجعَّدة، وعينانِ بلونِ البحرِ العميق.
مَلابسُه المُرصَّعةُ بالمُجوهراتِ والتاجُ فوقَ رأسِه جَعَلاها تَجزِمُ أنه صاحبُ أعلى مَنصبٍ في هذا المَكان.
«لا عَجَبَ أنَّ المبنى يُشبهُ القِلاعَ القديمة. يَبدو أنها دولةٌ يَحكُمُها مَلِك.»
وبينما كانت إيلين تَنْظرُ بذهولٍ نَحوَ الدَّرجات، لَمَحَت وَجهاً مألوفاً بين السائرين خَلْفَ المَلِك، فارتَجَفَت من الصَّدمة.
«أوه؟»
شَعْرٌ أحمرُ غامقٌ يَصِلُ للعُنُق، وعينانِ بُنِّيتانِ مائلتانِ لِلحُمْرة.
لم يَكُن يَرْتدي الزيَّ العسكريَّ الكُحلي، بل زِيّاً أحمرَ بوشاحٍ أسود، لكنه كان بكلِّ تأكيدٍ ذلك الرَّجُلُ الذي كان مَعها في السَّفينة.
كان إمبراطورُ أوركا، يَنْظرُ إلى المرأةِ الجاثيةِ على رُكبتَيْها أسفلَ القاعة.
كانت المرأةُ أمامَه تُشبهُ تَماماً وَصْفَ السيرين، كما قال لوبروس.
“… هل قُلْتَ إنَّ البحرَ هاجَ فَجأةً عِندما حاولتَ إيذاءَها؟”
“نَعَم، يا صاحبَ الجلالة.”
أجابَ لوبروس باختصار.
رَغمَ أنها كانت لَحَظاتٍ بَسيطة، إلا أنَّ الجَميعَ شَهِدوا تَقَلُّبَ البحرِ في اللحظةِ التي خَنَقَ فيها عُنُقَ المرأة.
“وأيضاً، عِندما نَقَلْتُموها بالسَّفينة، قُلْتَ إنَّ رَسولَ الإلهِ أبِيس هاجَمَ السَّفينة؟”
“… هذا صحيح.”
“هُمم…”
الدلافينُ التي تَعيشُ في أرخبيلِ أنديموس لم تَكُن مُجردَ كائناتٍ بَحرية، بل كانت كائناتٍ مُقدَّسةً تَنْقُلُ إرادةَ الإله.
وفي الإمبراطورية، كانوا يُسمُّونها “رُسُلَ الإلهِ أبِيس”.
قِيامُ دُلفينٍ بمهاجمةِ السَّفينةِ دونَ سَببٍ لم يَكُن أمراً طبيعياً.
«هل يَعني هذا أنَّ رَسولَ الإلهِ كان يُحاولُ حمايةَ هذه المرأة؟»
بَعدَ صَمْتٍ لِترتيبِ أفكارِه، سَألَ الإمبراطورُ المرأة:
“ما اسمُكِ؟”
لكنها اكْتَفَت برَمْشِ عينَيْها الزرقاوَينِ المائلتينِ لِلسَّوادِ بصَمْت.
حينها أضافَ لوبروس الواقفُ بجانبِ الإمبراطورِ بِتنهيدة:
“لا يُمكِنُ التَّفاهُمُ مَعها. إنها تَتحدثُ لُغةً غريبةً لا نَعرفُ أصْلَها.”
“هُممم…”
قَطَبَ الإمبراطورُ مابينَ حاجبَيْه بأسَف، ثم وَجَّهَ كلامَه لِلمسؤولينَ المُصطَفِّين:
“ماذا تَرَوْنَ أن نَفْعَلَ بهذه المرأة؟”
سادَ الهَمْسُ بينَ المسؤولين، ولم يَتجرَّأ أحدٌ على الإجابةِ بسهولة.
فهي امرأةٌ حماها رَسولُ الإلهِ أبِيس، ومَسُّها بسُوءٍ دونَ مَعرفةِ حقيقتِها قد يَجْلِبُ غَضَبَ الإلهِ وكارثةً لا قِبَلَ لهم بها.
حينها، تَقَدَّمَ الكاهنُ الأكبر موربي وقال:
“يا صاحبَ الجلالةِ الحكيم. إذا كانت هذه المرأةُ تَحظى ببركةِ الإلهِ أبِيس، فلا يَحقُّ لأحَدٍ مُعاقبتُها.”
لكنَّ نائبَ الكاهن ليبيدو اعْتَرَضَ فوراً:
“ولكن، ألا يُمكِنُ أن تكونَ مُجردَ صُدفة؟ لَقَد هاجَ البحرُ كثيراً مؤخراً، ورُبما تزامَنَ ذلك بالصُّدفة.”
“وكيف تُفسِّرُ هجومَ رَسولِ الإلهِ على السَّفينة؟”
سَخِرَ نائبُ الكاهنِ من ردِّ الكاهنِ الأكبر، ونَظَرَ للمرأةِ باحتقار:
“السيرينُ كائناتٌ تَغوي البَشَرَ بأصواتِها. ومَن يَدْري، فَلعلَّها أغْوَتِ الدُّلفينَ أيضاً.”
“أيها النائب! احْذَر كَلامَك! كيف تَجرؤُ على اتهامِ رَسولِ الإله…”
“… كَفى!”
أوْقَفَ الإمبراطورُ نِقاشَهُم، وسَألَ الرَّجُلَ ذا الشَّعرِ الأشقرِ الواقفَ على يَمينِه:
“تشيركي، ما رأيُك؟”
“كِلا الرَّأيينِ له وَجاهتُه. لِذا، لماذا لا نَسألُ الإلهَ أبِيس مباشرةً؟ إذا كان الإلهُ يُريدُ حمايةَ هذه المرأة، فسيُعطينا الجواب.”
“… هل تَقصدُ إرسالَها إلى غُرفةِ المُحاكمة؟”
قَطَبَ الإمبراطورُ جَبينَه.
لم يَبْدُ تشيركي مقتنعاً تماماً، لكنه قال:
“لا نَستطيعُ استجوابَها لأنَّ اللغةَ عائق. ولا نَستطيعُ استبعادَ أنها سيرين. هذا هو الحلُّ الوحيدُ حالياً.”
كان يَخشى أنه إذا كانت سيرين حقاً، فقد تَغويهِم بصوتِها أثناءَ التحقيق.
نَظَرَ الإمبراطورُ للمرأةِ مَرَّةً أخرى.
بَدَت رقيقةً وضَعيفةً جداً، وبَشرتُها الشاحبةُ المائلةُ للزُّرقةِ جَعَلَتْها تَبدو مريضة.
«هل سَيَتَحَمَّلُ جَسدُها الضَّعيفُ ذلك الاختبار…؟»
خُصوصاً وأننا في مَوسِمِ الجَفاف.
إذا لم يُجِبِ الإلهُ أبِيس، سَتَظلُّ مَحْبوسةً في غُرفةٍ حَجريةٍ باردةٍ ومُظلمةٍ لثلاثةِ أيامٍ دونَ شَرْبةِ مَاء.
شَعَرَ الإمبراطورُ بأنَّ هذا قاسٍ على امرأةٍ مِثلِها، لكنه سَألَ لوبروس لِيَتأكد:
“هل تُوافِقُ على هذا يا لوبروس؟”
كان لوبروس هو مَنْ شَهِدَ كلَّ شَيء، وهو الأقدرُ على تَقْديرِ الموقف.
لكنه تَرَدَّدَ في الإجابة، رُبما لأنه شَعَرَ أيضاً بالقَسوةِ في هذا القرار.
وبينما كان الإمبراطورُ يَهُمُّ بالحديث، جاءَ رَدُّ لوبروس المتأخر:
“… أرى أنَّ هذا هو الأفضل.”
تَفاجأ الإمبراطورُ، ونَظَرَ لـلوبروس الذي كان يُثبِّتُ نَظَرَاتِه على المرأةِ بملامحَ مَزيجةٍ من الغَضَبِ والذَّنْب.
تذكَّرَ الإمبراطورُ السَّببَ الحقيقيَّ لِبحثِ لوبروس في تِلك المِياه، فَهَزَّ رأسَه بموافقة.
الحقيقةُ كانت أهَمَّ من العَطَف.
أعلَنَ الإمبراطورُ قَرارَه:
“سأُصْدِرُ الحُكم. تُحْبَسُ هذه المرأةُ في غُرفةِ المُحاكمة لِمدةِ ثلاثةِ أيام.”
❁❁❁
«آه…»
تنهَّدت إيلين بعُمقٍ وهي تَجْلِسُ في زاويةِ تِلك الغُرفةِ المبنيَّةِ بالكاملِ من الحِجارةِ الثقيلة.
شَعَرَت بحدسٍ سَيِّئٍ منذ بَدأوا بالحديثِ بتلك اللغةِ الغريبة، لكنها لم تَتخيَّل أنَّ الأمرَ سَيَنتهي بحَبسِها هكذا دونَ مَحاولةِ فَهْمِها.
«هل كان يَجِبُ أن أهرُبَ مَعَ دلفي بَدلاً من مَنْعِه؟»
تَذكَّرت ما حَدثَ في القاعة.
في البداية، بَدَا المَلِكُ وكأنه يُحاولُ التحدثَ مَعها، لكن بمجردِ أن نَطَقَ الرَّجُلُ ذو الشَّعرِ الأحمرِ بكلماتِه، تَغيَّرَ الموقف.
ورأت رَجُلينِ بملابسَ تُشبهُ ثِيابَ القساوسةِ يَصرخانِ بكلمةِ سيرين.
من الواضحِ أنهم كانوا يَتحدثون عنها.
وبَعْدَ عِدَّةِ حِوارات، انتهى بها المَطافُ هنا.
“آآآهـ! أيُّها الإلهُ أبِيس أو أيّاً كان اسمُك، إن كُنتَ مَوجوداً فَقُلْ شيئاً! لَقَد طَلَبْتُم مني إخمادَ غَضَبِ أنيما! كَيْفَ سأفعلُ ذلك وأنا مَحْبوسةٌ هنا؟”
انفجَرَت مَشاعرُ إيلين وصَرَخَت بقوةٍ حتى تَرَدَّدَ صَدَى صَوْتِها في الغُرفةِ الحجرية، لكن لم يُجِبْها أحَد.
لم تأكل سِوى الخُبزِ الجافِّ والقليلِ من الماءِ طَوالَ الأيامِ الماضية.
كانت الغُرفةُ باردةً جداً ومُظلمة، وشَعَرَت بجوعٍ شديد.
كادَت الدُّموعُ تَنْزِلُ من عينَيْها، فَعَضَّت على شَفَتِها السُّفلى.
وبحثت عن زاويةٍ يَدخُلُ إليها القليلُ من الضَّوءِ لِتَدْفئةِ جَسدِها المرتجف.
ولاحَظَت أنَّ هناك فَتْحةً في السَّقفِ يَتسلَّلُ منها ضوءُ الشَّمس.
«أظنُّ أنني في القبو، فكيف يَدخلُ الضَّوءُ من السَّقف؟»
لكنها كانت مُمْتنَّةً لِذلك الضَّوء.
جَلَسَت تَحتَه وشَعَرَت ببعضِ الدِّفء.
ورأت تَحتَ الفتحةِ حُفرةً صَغيرةً مُصمَّمةً لِتَجميعِ المَاء، لكنها كانت جافَّة.
«بَرْد… جُوع…»
بَدأ وَعْيُها يَغيبُ بسببِ انخفاضِ حرارةِ جَسدِها.
كانت تَعلمُ أنَّ النومَ في هذه الحالةِ خَطَر، لكنَّ جَسدَها المنهك طَلَبَ الراحة.
وبينما كانت تُغلقُ عينَيْها، سَمِعَت صَوْتَ قَطَراتٍ تَسقُطُ على الأرض:
تُوك، تُوك.
❁❁❁
“أليس هذا الحُكمُ قاسياً جداً على امرأةٍ رقيقة؟”
سألَ الإمبراطورُ لوبروس في مَكتبِه بَعْدَ انتهاءِ المحاكمة.
كان لوبروس يَبدو مُنزعجاً، لكنَّ صَوْتَه كان حازماً:
“لو كانت هي المَسؤولةَ عن غَرَقِ السُّفُن، فَيَجِبُ أن تُعاقَب. وإذا كان الإلهُ يَحميها، فَسيُعطينا إشارة.”
“لكنَّ الإلهَ أبِيس نادراً ما يُعطي إشارةً عبرَ غُرفةِ المُحاكمة. أنت تَعرفُ ذلك.”
لم يُجِب لوبروس.
لم يَكُن يَتوقعُ إشارةً حقاً، لكنَّ مَشهدَ هيجانِ البحرِ عِندما خَنَقَها جَعَلَه يَتساءلُ: “ماذا لو؟”.
فَجأة، طَرَقَ رئيسُ المَراسمِ البابَ ودَخَلَ بانفعال:
“يا صاحبَ الجلالة! إنها تُمْطِرُ خارجَ القصر!”
“ماذا؟ أَمَطرٌ في هذا الوَقْت؟”
تَبادَلَ الإمبراطورُ ولوبروس النَّظراتِ بصدمة.
مَطَرٌ في مَوسِمِ الجفاف!
كان هذا أمراً لا يُصدَّق.
كان الجفافُ هذا العامِ قاسياً جداً في الإمبراطورية، ورغمَ الاحتياطات، لم يَكُن المَاءُ وفيراً.
هَمَّ الإمبراطورُ بالخروج، لكنَّ المَراسميَّ أضاف:
“لكنَّ الغريبَ هو أنَّ الشَّمسَ لا تزالُ ساطعةً رغمَ المَطَر! مَطَرٌ في جَوٍّ صَافٍ… كيف يُمكِنُ ذلك؟”
أسْرَعَ الإمبراطورُ إلى الشُّرفة، وذُهِلَ عِندما رأى المَطَرَ الغزيرَ يَنْهمرُ بَيْنَما تَنْعَكِسُ عليه خُيوطُ الشَّمسِ الساطعة.
كان مَشهداً مَهيباً جَعَلَ الجَميعَ في القصرِ يَنْظرون من النوافذِ بذهول.
صَرَخَ الإمبراطورُ آمراً:
“الكاهن…! نَادوا الكاهنَ الأكبرَ فوراً!”
التعليقات لهذا الفصل " 4"