الفصل 3
عِندما رَكَضَ لوبروس نَحوَ صَيْحةِ الجُندي، وَجَدَ امرأةً ذاتَ شَعْرٍ أسودَ مائلٍ للزُّرقة تَرْتَدي فُستاناً أبيض.
بَدَت وكأنها بَلَغَت سِنَّ الرُّشْدِ للتو؛ فتاةٌ في أواخرِ سِنِّ المراهقة، ذاتُ وَجْهٍ شابٍّ وبِنْيَةٍ صغيرة، ولها شَعْرٌ طَويلٌ يَنْسَدِلُ حتى خَصْرِها، وبَشْرَةٌ بَيضاءُ لِدَرَجةِ الشُّحوب.
وزادَ الفُستانُ ذو الثَّنياتِ الذي يَصِلُ إلى كاحِلَيْها من إبرازِ ضَعْفِ جَسَدِها الرقيق.
كانت تَنْظُرُ إلى الجنودِ بعينَينِ واسعتَينِ لَهُما لَوْنُ شَعْرِها نَفْسُه، وعلى وَجْهِها ملامحُ الذُّهولِ وكأنها لا تَفْهَمُ سَببَ رَدِّ فِعْلِهم.
اقْتَرَبَ لوبروس من الفتاةِ ببطء.
وعن قُرْب، بَدَت وكأنها طِفلةٌ صَغيرةٌ تَقِلُّ عنه بطولِ رَأسٍ كامل.
“مَنْ أنتِ؟”
ارْتَبَكت الفتاةُ لِلَحظةٍ من سُؤالِه، ثم نَطَقَت بكلماتٍ بِلغةٍ غَيْرِ مَفهومة.
«بأيِّ لغةٍ تَتحدثُ هذه؟ لا تَبدو كَلغةِ إمبراطوريةِ بانديرا…»
تَفَحَّصَ لوبروس مَظهَرَها لِيَرى إنْ كانت غريبةً تائهة، لكنه سُرعانَ ما لَحَظَ نوعَ الملابسِ التي تَرْتَديها، فقَطَبَ مابينَ حاجِبَيه.
فُستانٌ على طِرازِ بيبلوس بَحوافَّ ذَهبيةٍ عِندَ الأكمامِ والحِزام.
هذا هو الزيُّ الذي لا تَرْتَديه إلا كاهناتُ إمبراطوريةِ أوركا.
والمشكلةُ هي أنَّ صاحبَ هذا الزيِّ الذي تَرْتَديه، كان شَخصاً يَعرفُه لوبروس حَقَّ المَعرفة.
في تِلك اللحظة، تَذكَّرَ لوبروس ما قاله له نائِبُ القائدِ قبلَ مُغادرةِ هذا المَكان:
°يُقالُ إنَّ هناك سيرين تَغوي البحارةَ في مِياهِ أنديموس مؤخراً. وبسببِ غَضَبِ الإلهِ ماري من ذلك، أصْبَحَ البحرُ هائجاً باستمرار، لِذا يُرجى الحَذر.°
شَعْرٌ أسودُ مُزرقٌّ يَصِلُ للخَصْر، بَشرةٌ تَميلُ للزُّرقة، ومَظهرٌ طفوليٌّ يُشبهُ الفتياتِ الصغيرات.
كانت المرأةُ أمامَه تُشبهُ تَماماً وَصْفَ السيرين المذكورِ في الكُتُبِ القديمة.
صَرَّ لوبروس على أسنانِه وزَأَرَ بصوتٍ مُنخفض:
“هل كان هذا من فِعْلِكِ حقاً، أيتها السيرين؟”
بَدَت المرأةُ مَرَّةً أخرى وكأنها لا تَفْهَمُ ما يَحدث، وهَزَّت رأسَها وهي تَنْطِقُ بتلك اللغةِ الغريبة.
بسببِ الغَضَبِ الذي اجتاحَه، أمْسَكَ لوبروس بعُنُقِها ورَفَعَها.
لم يَخْنُقْها بقوةٍ لِيقتُلَها، لكنَّ ذلك كان كافياً لِجَعْلِها تَتخبطُ وهي تُحاولُ التَّنفس.
ولأنَّ مَنظرَها لم يُعْجِبْه، صَرَخَ بنبرةٍ أقوى:
“سألتُكِ، هل أنتِ مَنْ فَعَلَ هذا؟”
لكنَّ المرأةَ ظَلَّت تَتخبَّطُ لِتُفْلِتَ من يَدِه دونَ رَد.
ومع تَصاعُدِ غَضَبِه، زادت قُوَّةُ يَدِه على عُنُقِها.
وبينما كان يُصارعُ نَفْسَه حولَ ما إذا كان سَيَقضي عليها أم لا، هَبَّت عاصفةٌ مُفاجئةٌ وارتَفَعَ صَوْتُ الأمواجِ الغاضبة.
ارتبكَ الجنودُ وبدأوا يَتحدثون بضجيجٍ وهم يَنْظرون نَحوَ الشاطئ، وصَرَخَ أحَدُهم:
“إنه غَضَبُ الإلهِ أبِيس! البحرُ يَهيج!”
عندَ سَماعِ صَرخةِ الجُندي، أرْخَى لوبروس قَبضتَه ونَظَرَ نَحوَ البحرِ بسرعة.
كانت الأمواجُ العاتيةُ عندَ الشاطئِ تَكادُ تَقْلِبُ السَّفينة.
“ما هذا…!”
لقد كان البحرُ هادئاً تماماً قبلَ لَحَظات.
وقبلَ أن يَخْطُوَ خُطوةً واحدة، سَقَطَت المرأةُ التي تَرَكَ عُنُقَها على الأرضِ دونَ حِراك.
تَوجَّهَت نَظراتُه نَحوَها لِلَحظة.
بَدَت وكأنها فَقَدَتِ الوَعْي، لكنَّ صَدْرَها الذي يَرْتَفِعُ ويَنْخَفِضُ كان يَدُلُّ على أنها لا تزالُ حَيَّة.
وبينما كان يَنْظرُ إليها بوَجْهٍ مُرتبك، هَدَأت الأمواجُ الثائرةُ فَجأةً وكأنَّ شَيئاً لم يَكُن. حينها، ازدادَ ارتباكُ لوبروس.
«ألم يَقُولوا إنَّ غَضَبَ الإلهِ أبِيس هو بسببِ السيرين؟ ولكن بمجردِ أن حاولتُ قَتْلَها هاجَ البحر، ما مَعنى هذا…»
وكأنَّ مُساعدَه شَعَرَ بحيرتِه، اقْتَرَبَ منه وسألهُ بِحَذَر:
“ماذا تَنْوي أن تَفْعَلَ بهذه المرأة؟”
“….”
لم يُجِب لوبروس لِفترة، وظَلَّ يَنْظُرُ إلى المرأةِ وإلى البحرِ بالتناوب، ثم قال أخيراً:
“… سَنأخذُها إلى القلعة. يَبدو أننا بحاجةٍ لِتَحقيقٍ أدق.”
عادت ملامحُ التعقيدِ لِتَرتَسِمَ على وَجْهِ لوبروس وهو يَنْظرُ إليها.
كانت مياه البحر الزرقاء تحيط بها من كل جانب.
وكانت إيلين تقف على حافة جرف يطل على البحر وهي تغني.
«آه، هذا…»
أدركت إيلين غريزياً أنها تحلم.
ربما لأن ذكرى ما حدث في اليوم التالي
لوصولها للجزيرة كانت قوية جداً.
في ذلك اليوم، عندما غنت فوق الجرف لتتغلب على خوفها ووحدتها، اقترب منها كائن أبيض من أعماق البحر.
جسم انسيابي أبيض وناعم يلمع تحت ضوء الشمس، وزعانف مسطحة.
كان ذلك الكائن الجميل ذو العينين السوداوين هو دلفين أبيض.
«… لقد جئتِ، أيتها السيرين.»
صوت غامض تردد في عقلها وليس في أذنيها.
وسط المياه الزرقاء، أخرج الدلفين الأبيض رأسه فوق السطح.
“أنت… ذلك الذي رأيته قبل أيام…؟”
لكن الدلفين لم يفهم كلامها، وأصدر صوتاً بسيطاً.
تذكرت أن الصوت الذي سمعته في عقلها كان مختلفاً؛ لم يكن صوت امرأة بل صوت صبي صغير.
“هل أنت من أحضرني إلى هنا؟”
على الرغم من أن التحدث مع دلفين أمر غير واقعي، شعرت إيلين أنه يفهمها.
حينها، تردد الصوت في عقلها مجدداً:
«… لست أنا من ناداكِ. لقد جئت لمقابلة السيرين بطلب من الإله أبِيس.»
«الإله أبِيس؟»
توقفت إيلين عند الكلمة الغريبة، لكنها سألت عما يهمها:
“أين أنا أصلاً؟ كنت على شاطئ جزيرة جيجو…”
«هذا بحر إيديل. المكان الذي يسميه البشر أرخبيل أنديموس.»
أرخبيل أنديموس؟
لم تسمع به قط.
طرحت سؤالها الثاني:
“هل هذا الإله أبِيس هو من أحضرني؟ لماذا؟”
أجاب الدلفين بصوت منخفض:
«… السيرين ارتكبت ذنباً. أراد الإله أبِيس عقابها، لكن ابن الإله توسل إليه ليعطيها فرصة أخرى.»
“اسمي ليس سيرين، بل سيو إيلين.”
«الأرواح واحدة. لهذا استطعتِ المجيء إلى هنا.»
لم تفهم إيلين شيئاً.
ما معنى أن الأرواح واحدة؟
وماذا يقصد بأنها استطاعت المجيء؟
شعرت أن الأمر أكبر من مجرد غرقها ووصولها للجزيرة.
وبينما كانت تنظر إليه بذهول، سمعت صوتاً متوسلاً:
«أرجوكِ، يا سيرين. أخمدي غضب أنيما. أنتِ الوحيدة التي تملك روحاً بشرية وتستطيع فعل ذلك.»
تذكرت إيلين فوراً ذلك الصوت النسائي النقي الذي سمعته على شاطئ جيجو:
«أرجوكِ… أخمدي غضب أنيما…»
«ما هي أنيما؟ وماذا علي أن أفعل؟»
لكن قبل أن تسأل، بدأ المحيط يزداد سطوعاً وتلاشت صورة الدلفين تدريجياً.
❁❁❁
“آه… متى سنصل إلى اليابسة؟”
كانت إيلين تستند إلى سياج السفينة وتنظر إلى البحر بملل.
لقد مضت ثلاثة أيام منذ غادرت الجزيرة المهجورة.
في البداية كان البحر ممتعاً، لكن مع غياب اليابسة، بدأ الحماس يتلاشى، خاصة مع إصابتها بدوار البحر الذي جعل رأسها يدور ومعدتها تضطرب.
كل ما أرادته هو أن تلمس قدماها الأرض.
لحسن الحظ، لم يسجنوها أو يجوعوها، لكنهم لم يقدموا لها سوى الخبز الجاف والقليل من الماء.
«لو لم يكن دلفي موجوداً، ربما لم يكونوا ليعاملوني بهذا القدر من الاحترام…»
نظرت إيلين إلى جانب السفينة.
كان الدلفين الأبيض الذي رأته في الجزيرة يتبع السفينة منذ أيام.
بعد أن خنقها ذلك الرجل الغريب وفقدت الوعي، استيقظت في مستودع مظلم داخل السفينة.
والفضل في خروجها يعود لهذا الدلفين.
لقد ضرب الدلفين الأبيض جانب السفينة بقوة وكأنه يحتج على أخذها، مما أربك الرجال وجعلهم يخرجونها إلى السطح.
ولم يتوقف الدلفين عن الهجوم إلا بعد أن سمع صوت إيلين.
«يبدو أنه كائن مقدس، فهم لم يحاولوا إيذاءه.»
بدا أن إيلين هي الوحيدة القادرة على التواصل معه.
والدليل أنه بعد أن هدأت إيلين الدلفين، لم يعودوا يسجنونها في المستودع، وحتى نظراتهم القاسية تراجعت قليلاً.
«لكن ذلك الرجل… لماذا هاجمني فجأة؟»
لم يقصد قتلها حقاً، لكن عنقها كان لا يزال يؤلمها ومن المؤكد أن هناك كدمة زرقاء.
لا تزال تتذكر شعره الأحمر الغامق وبنيته المهيبة، وعينيه التي تحولت للحدة بمجرد رؤية ملابسها.
يبدو أنه يتجنبها عمداً منذ أن هدأت الدلفين.
«لو كان بإمكاننا التفاهم بالكلمات فقط…»
تنهدت بضيق، وفي تلك اللحظة سُمع صوت بوق السفينة الطويل:
بوووووه―! بووووه―!
كانت تلك الإشارة لصعود الجميع من الغرف إلى السطح.
تبعتهم إيلين إلى مقدمة السفينة.
في الأفق، بدأت تظهر جزر صغيرة واحدة تلو الأخرى، وكلما اقتربت السفينة، زاد عدد الجزر.
«واو… كم عدد هذه الجزر؟ هل هي دولة جزرية مثل الفلبين؟»
من جزر صغيرة مثل التي كانت فيها، إلى جزر ضخمة لا يظهر آخرها.
كانت تنظر حولها بذهول.
تحركت السفينة بمهارة بين الجزر حتى اتجهت نحو الجزيرة الأكبر والأكثر ارتفاعاً.
كان من الواضح أنها وجهتهم؛ فمن مسافة بعيدة، برزت مبانٍ مبنية من الطوب الأبيض.
كانت الجزيرة تشبه مدينة “سانتوريني” اليونانية، حيث ترتفع المباني نحو المركز.
لم تستطع رؤية كل شيء، لكن طريقاً من الطوب الأبيض كان يلتف حول الجزيرة بشكل حلزوني صاعداً للأعلى.
بدت الجزيرة بأكملها كمدينة واحدة ضخمة.
«هل كان من الصواب اتباعهم؟»
لو أرادت الهرب لطلبت مساعدة دلفي، لكنها عرفت أن الهرب ليس حلاً جذرياً.
قررت أن تواجه ما سيحدث.
«حسناً… أسوأ ما قد يحدث هو الموت.»
لقد واجهت الموت مرتين بالفعل، ولم يعد لديها ما تخسره.
التعليقات لهذا الفصل " 3"