الفصل 23
بَعدَ ثلاثةِ أيام، جَاءت أخيراً لَيلةُ اكتمالِ القَمر، وهيَ اللَّيلةُ التي سَتُقامُ فيها مَراسيمُ الكَاهنة.
بَعدَ أن ذَهبت إيلين بَاكراً إلى قَصرِ اللؤلؤِ لتُنوِّمَ إليوس، أنهت كُلَّ استعداداتِها واتجهت نَحو جَزيرةِ لُوتشي، حيثُ يَقـعُ المـَعبدُ الإلهي.
رُغمَ وجودِ مَعبدٍ داخلَ القَصرِ الإمبراطوري، إلا أنَّ المـَعبدَ الإلهيَّ الذي يَضمُّ القَاعةَ الكُبرى كَان يَقعُ في جَزيرةِ لُوتشي المـُجاورةِ لِعَاصمةِ إيروا، وليست العَاصمةُ نَفسُها.
ويُقالُ إنهُ في يَومٍ وَاحدٍ فقط من السَّنة، يَنفتحُ طَريقٌ بَحريٌّ يَربطُ بَينَ جَزيرةِ إيروا وجَزيرةِ لُوتشي.
«هَل هوَ مِثلُ طَريقِ البَحرِ الغَامض الذي يُمكنُ رؤيتُهُ في البِحارِ الجَنوبيةِ والغَربيةِ في كُوريا؟»
هوَ طَريقٌ بَحريٌّ يَظهرُ نتيجةَ اختلافِ مُستوى مِياهِ البَحرِ بسببِ ظَاهرتَي المـَدِّ والجَزر.
رُغمَ أنها لم تَزرهُ مـِن قَبل، إلا أنها كَانت تَعرفُ المـَبدأ.
عِندما سَمعت هذا الشَّرحَ من الكيرون لأولِ مَرة، اعتقدت أنَّ هذا هوَ السَّببُ في وُجودِ المـَعبدِ في جَزيرةٍ أخرى.
«بِمـَا أنهُ قَصرٌ لِخِدمةِ الإله، فلا بُدَّ من التأكيدِ على تَميُّزهِ بـطريقةٍ مـَا.»
ورُبما لهذا السَّبب، كَانَت شُروطُ الدُّخولِ إلى جَزيرةِ لُوتشي صَارمةً جداً.
فبـاستثنـاءِ المـَرةِ الواحدةِ سَنوياً عِندما يَنفتحُ الطَّريقُ البَحري، لا يُسمحُ بدُخولِ الجَزيرةِ إلا لِرجالِ الدِّين، والكَاهنات، وأفرادِ العائلةِ الإمبراطورية.
والاسـتثنـاءُ الوحيدُ كَان لِلخدمِ المـَوثوقينَ الذينَ يَقومونَ بالأعمـالِ الشَّاقةِ في المـَعبد.
عِندما دَخلت إلى القَاعةِ الكُبرى بـإرشادِ الكَهنة، وجَدت هُناكَ كَبـيرَ الكَهنة، والإمبراطور، ووليَّ العَهد، ولُوبروس، الذينَ كَانوا قد أتَمُّوا استعداداتِهم.
ومع مُراقبةِ أفرادِ العائلةِ الإمبراطوريةِ والكَهنة، مَشت إيلين بـبُطءٍ نَحو كَبـيرِ الكَهنةِ الواقفِ عِندَ المـَذبح.
“أولاً، سَنمرُّ بإجراءاتٍ للتأكُّدِ من وُجودِ القوةِ الإلهية.”
بَعدَ أن انتهى كَبـيرُ الكَهنةِ من شَرحِه، اقتربَ كَاهنٌ يَحملُ كُرةً زَرقاءَ مَوضوعةً فوقَ وسـادةٍ نَاعمةٍ من المـَخملِ الأحمر.
كَانت الكُرةُ الزَّرقاءُ بحَجمِ وَجهِ الإنسان، ولَها لَونٌ غَامضٌ يَجمعُ بَينَ زُرقةِ سَمـاءِ الليلِ وزُرقةِ البَحر.
“… هَل هذا هوَ حَجرُ بَحرِ الإلهِ أبِيس؟”
بِمـَا أنها سَمعت الشَّرحَ سَابقاً من الكيرون، رَفعت الكُرةَ بهُدوءٍ بكِلتا يَدَيها ووضعتها أمامَ صَدرِها.
استمرَّ كَبـيرُ الكَهنةِ في الشَّرح:
“حَاولي إرسالَ دِفءِ جَسدكِ عبرَ يَديكِ إلى الكُرة، تَخيلي أنكِ تَنفخينَ قوتكِ الإلهيةَ داخلَها.”
رُغمَ أنهُ كَان شَرحاً مـُجرداً، إلا أنَّ إيلين قد جَرَّبت وجودَ القوةِ الغَامضةِ عبرَ الغِناء.
لم تَرتبك ورَكزت على الكُرةِ بَينَ يَدَيها.
في تلكَ اللحظة، شَعرت بمَوجةٍ من القوةِ تَنطلقُ من قَلبِها وتَنتقلُ عبرَ يَدَيها إلى الكُرة.
وفي ذلكَ الوَقت:
“أوه…!”
“يَا لَلهول…!”
تَحولت الكُرةُ التي بَينَ يَدَي إيلين تَدريجياً إلى لَونٍ سَمـاويٍّ يَقـتربُ من الأبيض، ثُمَّ انبعثَ مـِنها ضِياءٌ مُـبهر.
اتسعت عُيونُ الكَهنةِ مـِن حَولِها بصَدمة.
وكَذلكَ كَبـيرُ الكَهنةِ الواقفُ أمامَها لم يَستطع إخفاءَ دَهـشته.
«هوو، هذا… أمرٌ مـُذهل. قوتكِ الإلهيةُ تُعادلُ قوتي ككَبيرٍ لِلكَهنة. بل رُبما تَملكينَ قوةً أقوى مـِني.»
أومأ كَبـيرُ الكَهنةِ بـرأسهِ وتَعابـيرُ الرِّضا على وَجهِه.
بَعدَ التأكد، أخذَ الكَاهنُ الكُرةَ مـِنها، فَعادت لِلونها الكُحليِّ المـُعتاد.
“لَقَد تَمَّ التأكُّدُ من أنكِ امرأةٌ تَملكُ مـُؤهلاتِ الكَاهنة. الآن سَنبدأُ المـَراسيمَ الفِعليةَ لِتلقِّي إرادةِ الإلهِ أبِيس داخلَ جَسدكِ. اخلعي رِداءكِ الخَارجيَّ وادخلي إلى المـَحرابِ الذي يَحتوي على المـَاءِ الطَّاهر الخاصِّ بالإلهِ أبِيس.”
في الجزءِ الدَّاخليِّ من القَاعةِ الكُبرى، كَان هُناك حَوضٌ دائريٌّ يـَصلُ عُمقهُ إلى الفَخذ، مـَليءٌ بالمـَاءِ الطَّاهر.
كَان السَّقفُ مـَفتوحاً، مـِما جَعلَ ضَوءَ القَمرِ يَسقطُ مـُباشرةً على سَطحِ المـَاء.
بمـُساعدةِ الوَصـيفات، خَلعت إيلين رِداءَها الخَارجي، ودَخلت بـبُطءٍ إلى المـَحراب.
كَان المـَاءُ الطَّاهرُ الذي يُقالُ إنهُ يَحملُ قوةَ الإلهِ بَارداً لِدَرجةِ أنَّ جَسدها ارتجفَ تِلقائياً.
لكنها تَحملت بـقوةٍ ومَشت حتى مـَركزِ الحَوضِ حيثُ يَسقطُ ضَوءُ القَمر.
عِندما استقرت إيلين في المـَركز، أحاطَ بها كَبـيرُ الكَهنةِ والكَهنةُ الآخرونَ وشَكلوا دَائرةً حَولها.
ثُمَّ جَثوا على رُكبهم فوقَ أرضيةِ المـَعبد وبدأوا بالصَّلاةِ للإلهِ أبِيس.
وكَان الإمبراطورُ وأفرادُ العائلةِ الإمبراطوريةِ يُراقبونَ كُلَّ ذلكَ كشُهودٍ على المـَراسيم.
سُرعَانَ مـَا تَرَدَّدَ صَوتُ صَلاةِ كَبـيرِ الكَهنةِ المـَهيبِ داخلَ القَاعةِ الهَادئة.
“يا إلهَنا أبِيس، حَامي بَحرِ إيديل وإمبراطوريةِ أوركا. هُنا تَقـفُ الحَمـَامةُ الصَّغيرةُ التي سَتتلقى إرادتكَ. نَرجوكَ أن تَمنحَها حِمـايتك، لِتقودَنا نَحنُ الضُّعفاءَ إلى الطَّريقِ الصَّحيح.”
ومع نِهايةِ صَلاةِ كَبـيرِ الكَهنة، بدأ ضَوءُ القَمرِ المـُنبعثُ من السَّقفِ يزدادُ سُطوعاً.
شَعرت إيلين الجَالسةُ في المـَحرابِ بدِفءٍ غَامضٍ يَنتشرُ بَينَ جَسدها والمـَاءِ البَارد.
بدأ ذلكَ الدِّفءُ من قِمةِ رَأسِها وسُرعَانَ مـَا أحاطَ بجَسدها كُلِّه، مُصْدِراً ضِياءً سَمـاوياً رَقـيقاً.
وفي تلكَ اللحظة، تَرَدَّدَ صَوتٌ عظيمٌ في كُلِّ أنحاءِ القَاعة.
『يا طِفلتي. أهلاً بكِ في حُضنِ البَحر.』
كَان صَوتاً لا يَسمعهُ الإمبراطورُ أو أفرادُ عائلتِه، لكنَّ كَبـيرَ الكَهنةِ والكَهنةَ المـَوجودينَ في القَاعةِ استطاعوا سَمـاعَه.
وكَذلكَ كَان الأمرُ بالنسبةِ لـإيلين.
«هذا… صَوتُ الإلهِ أبِيس…»
صَوتٌ رَخيمٌ ومـُنخفضٌ تَرَدَّدَ في ذِهنها.
كَان مُختلفاً تَماماً عن صَوتِ ديلفي المـَرح، وصَوتاً مَهيباً لا يُشبهُ صَوتَ المـَرأةِ الذي سَمعتهُ قبلَ مـَجيئها إلى هُنا.
أرادت إيلين سُؤالَ الإلهِ عن أشياءَ كَثيرة، لكنها لزمت الصَّمتَ احـتراماً لِلحاضرينَ مـِن حَولِها.
«بمـَا أنني أصْبحتُ قادرةً على سَمـاعِ صَوتِ الإلهِ أبِيس… فيُمكنني سُؤالهُ في أيِّ وَقت.»
بَعدَ انـتهاءِ المـَراسيمِ بـسلام، قَامت إيلين وخَرجت من المـَحراب.
سارعت الوَصـيفاتُ بـوَضعِ رِداءٍ ثَقيلٍ على جَسدها.
اقتربَ مـِنها كَبـيرُ الكَهنةِ وقال:
“أهلاً بكِ ككَاهنةٍ رَسـمية. أيتها الكَاهنةُ إيلين. الآن تَبقى المـَراسيمُ الأخيرة.”
كَان كَبـيرُ الكَهنةِ يَستخدمُ صـيغةَ الاحـترامِ مع إيلين منذُ البداية.
وقَد تذكرت أنَّ كَاهنةَ إمبراطوريةِ أوركا تَملكُ مـَكانةً تُساوي مَكانةَ كَبـيرِ الكَهنة.
بينما كانت إيلين غَارقةً في أفكارِها، اقتربَ كَاهنٌ يَحملُ شيئاً مـِن فوقِ المـَذبح.
عِندما رأت إيلين ذلكَ الشيء، أمَـالت رَأسَها بـتساؤل.
«… بَيضةُ نَعامة؟»
فوقَ وسـادةٍ مـَخمليةٍ حَمراء، تُشبهُ تلكَ التي وُضعَ عليها حَجرُ البَحرِ قـبلَ قَليل، وُضعت بَيضةٌ لَونها أبيضُ حَليبـيٌّ بحَجمِ بَيضةِ النَّعامة.
لا يُعقلُ أن تكونَ هذهِ هيَ…؟
“هذهِ بَيضةُ الحَيوانِ المـُقدس، التي بَقـيت تَحتَ حِمـايةِ المـَعبدِ منذُ اكتشافِها في جَزيرةِ غُورنا قبلَ 25 عَاماً.”
نَظرت إيلين إلى البَيضةِ بنَظراتٍ مـَليئةٍ بالشَّك.
اعتقدت أنَّ بَيضةَ حَيوانٍ مُقدسٍ سَيكونُ لها مَظهرٌ غَامض، لكنها كَانت تَبدو تَمـاماً مِثلَ بَيضةِ النَّعامة.
«إذا كَان هذا حَجمُ البَيضة، فهل يَعني هذا أنَّ الحَيوانَ المـُقدسَ سَيكونُ ضَخماً جداً؟»
بينما كَانَت تُفكرُ في ذلك، أكملَ كَبـيرُ الكَهنةِ شَرحَه:
“رُبما سَمعتِ عن هذا، لكنَّ هذا الحَيوانَ المـُقدسَ يَنتظرُ بشَوقٍ منذُ عُقودٍ الشَّريكَ الذي سَيدعوه. كَما فَعـلتِ مع حَجرِ البَحر، ضَعي يَديكِ على البَيضةِ وانفخي فيها قوتكِ الإلهية.”
مَهمـا كَان مَظهرُها الخَارجي، فهيَ بَيضةُ حَيوانِ الإله.
أفرغت عَقلها ورَفعت البَيضةَ بحَذرٍ بـكَفَّيها.
ثُمَّ بدأت تَنفخُ فيها القوةَ الإلهيةَ بـبُطء.
بَقـيت هكذا لِفترة، وبدأ الدِّفءُ يَنتشرُ من كَفَّيها المـُتلامستينِ مع البَيضة.
وفي تلكَ اللحظة، اهتزَّت عَيناها.
ـ دُم دُم.
شَعرت بـاهتزازٍ يُشبهُ نَبضاتِ القَلبِ عبرَ القِشرةِ الصَّلبة.
ـ دُم دُم. دُم دُم.
بدأ النَّبضُ الذي تَشعرُ بهِ في يَدها يزدادُ تَدريجياً.
وبدأت السـرعةُ تزدادُ أيضاً.
وفي اللحظةِ التي شَعرت فيها أنَّ البَيضةَ التي كانت دَافئةً أصْبحت سَاخنة…
ـ طَق.
تَرَدَّدَ صَوتُ صَدعٍ في القِشرةِ داخلَ القَاعةِ الهَادئة.
ومع سَمـاعِ ذلكَ الصَّوت، انطلقت صـيحاتُ الدَّهشةِ من أفواهِ الكَهنة.
حتى الإمبراطورُ الذي كَان يُراقبُ بصَمت، فَتـحَ عَينيهِ بوُسـعهما.
“هَل يُعقل…؟”
“بَيضةُ الحَيوانِ المـُقدس… هَل تَستيقظ؟”
ـ طَق طَق طَق!
أصبحَ الشَّـرخُ في البَيضةِ كَبـيراً لِدَرجةِ أنهُ يـُمكنُ رؤيتُهُ بالعَينِ المـُجردة.
ركزَ الجميعُ نَظراتِهم المـَصدومةَ على البَيضةِ التي بَينَ يَدَيها.
بدأ ضَوءٌ خَافتٌ يَتسربُ من بَينِ شُقوقِ القِشرةِ التي بدأت تَهتز.
وفي اللحظةِ التالية.
ـ فـلاش!
مع ضَوءٍ سَاطعٍ جداً، سُمِـعَ صَوتُ تَنـاثرِ القِشرة.
لم يَستطع الحَاضرونَ فَتـحَ أعيُنِهم بسبـبِ الضَّوءِ القويِّ المـُنبعثِ من البَيضة.
وعِندما بدأ الضَّوءُ الذي مَلأ القَاعةَ يَتلاشى تَدريجياً…
“بـيـروروت!”
فوقَ كَفِّ إيلين، أصْدَرَ طَائرٌ أصفرُ صَغيرٌ بحَجمِ الكَفِّ زَقزقةً مَرحة.
«… فـقط هذا؟»
تَمتمت إيلين في نَفسِها وهيَ تَنظرُ إلى الطَّائر.
جَسدٌ أصفرُ انسيابيٌّ من الرَّأسِ حتى الذَّيل.
وعَينانِ سَوداوانِ صَغيرتانِ ولطيفتان.
رُغمَ أنَّ شَكلَ المـِنقارِ كَان حاداً مـِثلَ الطُّيورِ الجَارحة، إلا أنَّ هذا الحَيوانَ المـُقدسَ الصَّغيرَ الذي يُزقزقُ فوقَ يَدِ إيلين كَان يُذكرُها تَماماً بطائرِ الكنـاري.
وحتى وهوَ فَرخٌ صَغيرٌ وُلدَ لِلتو، لم يَكن يُغـطيهِ الزَّغبُ النَّاعم، بل كَان يَمـلكُ رِيشاً نَاعماً ولامعاً وكأنهُ طَائرٌ بَالغ.
«من تِلكَ البَيضةِ الكَبيرة… يَخرجُ طَائرٌ بهذا الحَجمِ فقط؟»
أليسَ هذا خِداعاً في التغليف؟
كَادت إيلين تصرخُ بذلك، لكنها تَمـالكت نَفسها.
لَقَد تَحطمت تَوقعاتُها بأنها سَتـرى طائراً أسطورياً مـِثلَ العنـقاء، وبدلاً من ذلك رأت هذا الطَّائرَ الصَّغير.
لكن يبدو أنها كانت الوحيدةَ المـُحبَطة، فـقد كَان الكَهنةُ يَنظرونَ إلى الطَّائرِ بـتعبـيراتٍ تَملؤها الدَّهشةُ والتقديس.
تحدثَ كَبـيرُ الكَهنةِ مَرةً أخرى، وكَان صَوتهُ يَهتزُّ من شِـدةِ الانفعال:
“يا إلهي… بَعدَ أن أصْبحتِ كَاهنة، أصْبحتِ أيضاً شَريكةً لِلحَيوانِ المـُقدس. هذا حَدثٌ عظيمٌ يُعتبرُ بَركةً لإمبراطوريةِ أوركا. نـُباركُ لكِ.”
ثُمَّ قالَ لـإيلين التي كَانت لا تَزالُ مـَذهولة:
“بِمـَا أنكِ أصْبحتِ شَريكةَ الحَيوانِ المـُقدس، فيُرجى تـسـمـيتُه.”
«اسـم…؟»
رمشت بعَينيها من العَرضِ المـُفاجئ.
«مَاذا يَجبُ أن أُسـمـيه؟»
بَقـيت تَنظرُ إلى الطَّائرِ الصَّغيرِ الذي يُراقبُها بعَينيهِ السَّوداوينِ اللَّامعتين، ثُمَّ قَالت وهـيَ تـُتمتـم:
“كـانـا… سَـأدعوهُ كـانـا.”
بـما أنهُ يُشبهُ الكنـاري، فلا بأسَ بهذا الاسم.
بمـُجردِ أن سَمـته، أصْدَرَ الحَيوانُ المـُقدسُ زَقزقةً سَعيدةً وكأنهُ فَهـمَ الاسم.
لكنَّ تَعابيرَ إيلين كَانت تَمـتلئُ بالتساؤلات.
«بَعدَ أن أصْبحتُ كَاهنة، هل يَجبُ عليَّ الآن أن أكونَ صَاحبةً لِطائرٍ أيضاً؟»
انتشرَ خَبرُ فَقسِ إيلين لبَيضةِ الحَيوانِ المـُقدسِ في جَمـيعِ أنحاءِ العَاصمةِ خِلالَ لَيلةٍ وَاحدة.
رُغمَ أنها كَانت حَديثَ الناسِ كـ “طِفلةِ الإله” المـَحمـيةِ من أبِيس، إلا أنَّ خَبرَ كونِها شَريكةً لِلحَيوانِ المـُقدسِ الذي يَظهرُ مـَرةً كُلَّ مِائةِ عَام، كَان كافياً لِيَطغى على كُلِّ الأخبارِ الأخرى.
وبمـُجردِ سَمـاعِ الخَبر، جَاء زَائرٌ صَغيرٌ لِرؤيتِها.
في الصَّبـاحِ البَاكر، كَسـرَ صَوتُ طِفلٍ مَرحٍ هُدوءَ قَصرِ المـَرجان.
“أختي!”
التفتت إيلين، التي كَانت تَتناولُ الفُطورَ بمـُساعدةِ سـينوي، نَحو المـَدخلِ عِندَ سَمـاعِ الصَّوتِ المـألوف.
“… إليـوس؟”
صَاحبُ الصَّوتِ كَان بـالتأكيدِ إليوس.
يَبدو أنهُ رَكضَ دُونَ تـوقف، فقد كَان وَجهُهُ مـُحمراً وهوَ يَبتسمُ بـاتساع.
وبَعدَ قَليل، جَاء صَوتُ ميسـاجيو التي بَدت وكأنها تـجري خَـلفه:
“سُـموَّ الحَفيد الإمبراطوري! لَقَد أخـبرتكَ مـِراراً ألا تـركضَ هكذا…!”
“ميسـاجيو. أنتِ تـتعبـينَ كَثيراً منذُ الصَّـباح.”
استقـبلت إيلين إليـوس الذي ارتـمى في حُـضنِها، ورحبت بـميسـاجيو.
عِندما رأت ميسـاجيو إيلين جَالسةً على الأريكةِ في غُرفةِ الاستقبال، انـحنت بسرعة:
“أعتذرُ عَن هذا المـَظهرِ منذُ الصَّبـاح، أيتها الكَاهنةُ إيلين.”
“لا بأس. ولكن، هل انتهى إليوس من تـناولِ فُطورِه؟”
بمـُجردِ أن أنهت كَلامَها، سُمِـعَ صَوتُ قَرقرةِ مـَعدةِ إليوس.
التعليقات لهذا الفصل " 23"