الفصل 20
تَجَلٍّ لِلإرادةِ القويَّةِ والأُمنِيَّاتِ…
‘إذًا، هل يَعني هذا أنَّ المَشاعرَ التي أَحمِلُها عِندما أُغنِّي هي الأهمُّ؟’
في تِلْكَ اللَّحظةِ، تَرَدَّدَ صَوْتُ ديلفي الحزينُ مَرَّةً أخرى:
(لو لَمْ تَكُنْ هناكَ قُوَّةٌ لَكانَ أفضلَ… لو كانَ الأمرُ كذلكَ، لَكانَتِ السَّيْرِين الآنَ…)
تَوقَّفَتْ ديلفي عن الكلامِ فجأةً وكأنَّها فُزِعَتْ.
لكنَّ إيلين التَقَطَتْ بحسَّاسيَّةٍ المَعنى المَخفِيَّ خَلْفَ كلماتها.
السَّيْرِين التي ذَكَرَتْها ديلفي الآنَ لَمْ تَكُنْ تَقصدُ بها إيلين.
“هل لِـخَطيئةِ السَّيْرِين التي ذَكَرْتِها سابقًا علاقةٌ بالقُوَّةِ التي تَمْلكُها السَّيْرِين؟”
يَبدو أنَّها أَصابَتْ كَبِدَ الحقيقةِ.
عِنْدَ سماعِ كلماتِ إيلين، أَصْدَرَتْ ديلفي صَوْتَ أنينٍ حزينًا وأَغْلَقَتْ فَمَها مَرَّةً أخرى.
“ديلفي، أخبريني. هذا أمرٌ مُهِمٌّ جدًّا بالنِّسبةِ لي.”
بَعْدَ تَوَسُّلِها وإلحاحِها، جاءَ صَوْتُ ديلفي المُنكسِرُ:
(قُوَّةُ الأُغنيةِ التي تَمْلكُها السَّيْرِين… تَسَبَّبَتْ في مَوْتِ البَشَرِ.)
“.. قَتْلُ البَشَرِ عَبْرَ الأُغنيةِ؟ هل هذا مُمكِنٌ؟”
(لكنَّ ذلكَ لَمْ يَكُنْ بإرادةِ السَّيْرِين. لَقَدْ تَمَّ التَّحكُّمُ بها مِن قِبَلِ شخصٍ ما.)
أَضافَتْ ديلفي بسرعةٍ وكأنَّها تَنْفي أيَّ سُوءِ فَهْمٍ.
وبَدَتْ مُستاءةً جدًّا لدرجةِ أنَّها استمرَّتْ في هَزِّ رأسِها يَمينًا ويَسارًا، مِمَّا جَعَلَ إيلين تَبذلُ جُهدًا كبيرًا لتَهْدِئَتِها وهي في الماءِ.
“ديلفي، اهْدَئي. أرجوكِ…”
رُغمَ صَوْتِ إيلين المُلِحِّ، لَمْ تَتوقَّفْ ديلفي عنِ الاضطرابِ إلا بَعْدَ فترةٍ طويلةٍ.
وحتى بَعْدَ ذلكَ، لَمْ تَستطِعِ التَّخلُّصَ مِن حُزنِها، فجاءَ صوتُها خاليًا مِنَ القُوَّةِ:
(..صَوْتُ السَّيْرِين يَمْلكُ قُوَّةً تُحرِّكُ المَشاعرَ. وبسببِ تلكَ القُوَّةِ، انجَذَبَتْ سُفُنُ البَشَرِ نَحوَ الجزيرةِ التي كانتْ فيها، فاصطَدَمَتْ بالصُّخورِ وغَرِقَتْ.)
“ماذا…؟”
السَّيرِين في الأساطيرِ تَمْلكُ سِحْرًا يَفْتِنُ البحَّارةَ بصوتِها.
والسَّيرِين في هذا العالَمِ حَرَّكَتْ مَشاعرَ البَشَرِ وأَدَّتْ لِتَحطيمِ سُفُنِهم.
‘إنَّها تَمامًا مِثْلَ قِصَصِ الأساطيرِ.’
رُغمَ وُجودِ بَعضِ الاختلافاتِ، إلا أنَّ كِلْتَيْهِما تَسَبَّبَتْ في مَوْتِ البَشَرِ باستخدامِ الغناءِ.
“ولكنْ ماذا تَعنينَ بأنَّ ذلكَ لَمْ يَكُنْ بإرادةِ السَّيرِين؟”
عادَ الحُزنُ لِيَكسُوَ وَجْهَ ديلفي وكأنَّها تَتذكَّرُ أحداثَ ذلكَ اليومِ، وامتلأَتْ عيناها السَّوداوانِ بالدُّموعِ.
(.. في ذلكَ اليومِ، وعلى غيرِ العادةِ، لَمْ أَسْمَعْ غناءَ السَّيرِين وهي تَنْاديني.)
بَدلًا مِن ذلكَ، سَمِعَتْ صَوْتًا غريبًا ومُغريًا وكأنَّهُ يَجذبُ شخصًا ما.
انطلَقَتْ ديلفي المَذعورةُ نَحوَ الجزيرةِ الصَّخريَّةِ حيثُ تُوجَدُ السَّيرِين، وما رَأَتْهُ هناكَ كانَ…
(كانَتْ عَيْنَا السَّيرِين قد تَحوَّلَتْ تَمامًا لِلَّوْنِ الأَسودِ. وبوجهٍ شاردٍ لدرجةِ أنَّها لَمْ تَسْمَعْ نِدائي مَهما صَرَخْتُ… بَقِيَتْ تَنْظرُ إلى مَكانٍ واحدٍ وتُغنِّي باستمرارٍ.)
وفي اتِّجاهِ البحرِ الذي كانتْ تَنظرُ إليهِ السَّيرِين، كانتْ هناكَ سَفينةٌ تَقتربُ نَحوَ الجزيرةِ الصَّخريَّةِ، ثم اصطَدَمَتْ بالشِّعابِ المَرجانيَّةِ.
(بالتَّأكيدِ هناكَ مَنْ استَغَلَّ السَّيرِين. ذلكَ المظهرُ لَمْ يَكُنْ أبدًا مَظهرَ السَّيرِين المعتادَ.)
عِندَ سماعِ كلامِ ديلفي، تذكَّرَتْ إيلين الحديثَ الذي دارَ بَيْنَها وبَيْنَ ألكيرون بالأمسِ.
“ديلفي. هل السَّيرِين أيضًا… مِن تَقابيعِ الإلهِ أبِيس؟”
❁*صفا: عندما نقول “السيرين من تقابيع الإله أبيس”، فنحن نصفهن بأنهن انعكاس لجمال وسحر أعماق المحيط (أبيس). أي أنهن يحملن في ملامحهن وأصواتهن قدسية وغموض الإله الذي يحكم البحار.
باختصار: هي جملة شاعرية لوصف مدى جمال وغموض هؤلاء الكائنات وارتباطهن العميق بقوة البحر الإلهية.❁
(هذا صحيحٌ، ولكنَّ الإلهَ أبِيس لَمْ يَفْعَلْ ذلكَ أبدًا.)
“ماذا لو لَمْ يَكُنِ الإلهُ أبِيس، بل الإلهُ أنيما؟ قيلَ لي إنَّ تَقابيعَ الإلهِ أبِيس قد تَخْضَعُ لسيطرةِ الإلهِ أنيما.”
لكنَّ ديلفي هَزَّتْ رأسَها فقط:
(الإلهُ أنيما لا يُسيطرُ على الأرواحِ دونَ سَببٍ. لو حَدَثَ ذلكَ، فسيكونُ بسببِ البَشَرِ. ما لَمْ يَتَمَنَّ البَشَرُ ذلكَ مِنَ الإلهِ عَمْدًا، فإنَّ الإلهَ أنيما لَنْ يَتَدخَّلَ في شُؤونِ تَقابيعِ الإلهِ أبِيس أبدًا.)
عِندما سَمِعَتْ عنِ الإلهِ أنيما مِن لوبروس لأوَّلِ مَرَّةٍ، خَطَرَتْ لها فرضيَّةٌ واحدةٌ.
هل طَلَبُ تَهْدِئَةِ غَضَبِ أنيما يَعني مَنْعَ عِقابِ الإلهِ أنيما الغاضبِ بسببِ أخطاءِ البَشَرِ؟
ولكنْ إذا كانَ كلامُ ديلفي صحيحًا، فإنَّ تلكَ الفرضيَّةَ خاطئةٌ.
علاوةً على ذلكَ، فإنَّ الإلهَ أنيما إلهٌ مُحايدٌ لا يُميِّزُ بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فلا يُوجَدُ سَببٌ لِيَسْعَى لمُعاقبةِ خَطايا البَشَرِ عَمْدًا.
إذًا، بَقِيَتْ فرضيَّةٌ واحدةٌ.
‘هل يُعقَلُ.. أنَّ هناكَ بَشَرًا في مَكانٍ ما هنا يَتَمَنَّوْنَ أُمنياتٍ مِنَ الإلهِ أنيما..؟’
سَرَتْ قُشَعْريرةٌ باردةٌ في عَمودِها الفَقَرِيِّ.
تَمَنَّتْ إيلين فقط أنْ تكونَ فرضيَّتُها خاطئةً.
فَهِمَتِ الآنَ لماذا تَكْرَهُ ديلفي البَشَرَ إلى هذا الحَدِّ.
السَّيرِين التي تَمَّ التَّحكُّمُ بها لِتُؤذِيَ الآخَرينَ، وديلفي التي فَقَدَتْ صديقتَها بسببِ ذلكَ.
رُغمَ أنَّها تَمْلكُ نَفْسَ رُوحِ السَّيرِين، إلا أنَّها لَا يُمكِنُ أنْ تكونَ السَّيرِين التي عَرَفَتْها ديلفي في الماضي.
‘إذًا مَنْ كانَ طِفلَ الإلهِ.. الذي رَفَعَ طَلَبًا لِيَمْنَحَ السَّيرِين فُرصةً أخرى..؟’
بالنظرِ إلى حالةِ ديلفي، بَدَا أنَّ سُؤالَها عن مَزيدٍ مِنَ التَّفاصيلِ اليومَ سيكونُ صَعْبًا.
❁❁❁
“أُوه… البَرْدُ…”
يَبدو أنَّها بَقِيَتْ في مياهِ البحرِ لِفترةٍ طَويلةٍ جدًّا.
رُغمَ أنَّ الفَصْلَ كانَ يقتربُ مِن بدايةِ الصَّيْفِ، إلا أنَّ جَسدَها الذي بَقِيَ في الماءِ طَويلًا فَقَدَ حرارتَهُ بسهولةٍ.
بَدأتْ تَنظرُ حَوْلَها بَحْثًا عنِ المِعْطَفِ ذي القُماشِ السَّميكِ الذي أَحْضَرَتْهُ لِتَسْتَخْدِمَهُ بَعْدَ الاستحمامِ.
ولكنْ لِسَببٍ ما، لَمْ تَجِدِ الملابسَ التي كانتْ ترتديها، ولا المِعْطَفَ الذي طَوَتْهُ ووَضَعَتْهُ معها.
“… هاه؟ غريبٌ. لَقَدْ وَضَعْتُهُ هنا بالتَّأكيدِ…؟”
هل يُعقَلُ أنَّ رِياحَ البحرِ قد طَيَّرَتْهُ؟
وبَيْنَما كانتْ تَنظرُ حَوْلَها بارتباكٍ، شَعَرَتْ بقُماشٍ ناعِمٍ ودافِئٍ يَلُفُّ جَسدَها مِنَ الخَلْفِ.
لقد كانَ المِعْطَفَ الذي أَحْضَرَتْهُ.
استدارَتْ لِتَرى ما الذي حَدَثَ، فوَجَدَتْ لوبروس يَقِفُ بوجْهٍ عابِسٍ، وهو يَحملُ ملابسَها على إحدى ذراعَيْهِ ويَنْظرُ إليها بحدةٍ.
“… هل كُنْتِ تَنْوِينَ أنْ تُصبحي حُوريةَ بَحْرٍ؟”
“آه…”
هل جاءَ للبحثِ عنها لأنَّهُ شَعَرَ بالقَلَقِ لِتَأَخُّرِها؟
بَدَا أنَّ وَجْهَهُ الغاضبَ كانَ لهذا السَّببِ.
ومهما كانَ السَّببُ، فالحقيقةُ أنَّها جَعَلَتْهُ يَنتظرُ، لذا قامتْ إيلين بتعديلِ المِعْطَفِ واعتذَرَتْ إليهِ بسرعةٍ:
“أنا آسِفةٌ. لَقَد فَقَدْتُ الإحساسَ بالوقتِ وأنا أَتحدثُ مع ديلفي…”
ولكنْ عِندما رَفَعَتْ رَأْسَها لِتَنْظُرَ إليهِ، ازدادَ وَجْهُ لوبروس تَجَهُّمًا عَمَّا كانَ عليهِ قبلَ قليلٍ.
“لَوْنُ شَفَتَيْكِ…”
“…؟ آه…”
أَدْرَكَتْ إيلين الأمرَ مُتأخِّرةً وغَطَّتْ فَمَها بِيَدِها لا إراديًّا.
يَبدو أنَّ لَوْنَ شَفَتَيْها قد أصبَحَ أزرقَ بسببِ فُقْدانِ حرارةِ جَسدِها بَعْدَ البقاءِ طَويلًا في الماءِ.
‘يَبدو الأمرُ هكذا فقط، لكنَّهُ ليسَ خَطيرًا…’
حتى قبلَ مَجيئِها لهذا العالَمِ، عندما كانتْ في جَسدِ إيلين، كانتْ حرارةُ جَسدِها مُنخفضةً نِسبيًّا، وكانَ لَوْنُ شَفَتَيْها يَتَحوَّلُ للأزرقِ بسرعةٍ بمُجرَّدِ انخفاضِ الحرارةِ قليلًا.
ولهذا السَّببِ، كانَ مَنْ حَوْلَها يَنْزعجونَ ويُبالغونَ في رَدَّةِ فِعلِهم أكثرَ منها.
أرادَتْ أنْ تَنْطقَ لِتَقولَ إنَّها بخيرٍ، لكنَّها ارتبَكَتْ أمامَ تنهيدتِهِ العميقةِ التي بَدَتْ وكأنَّها سَتَهُزُّ الأرضَ.
“.. سَنَتحدَّثُ ونحنُ في الطريقِ.”
قاطَعَ لوبروس حديثَها بكلماتٍ مُقتضبةٍ، ثم أَمْسَكَ بمِعْصَمِها وبَدأَ يَمشي بخُطواتٍ واسعةٍ نَحوَ العَرَبةِ.
وعَبْرَ مِعْصَمِها المُتَّصِلِ بِيَدِهِ، انْتَقَلَتْ إليها حرارةُ جَسدِهِ الدافِئةُ، مِمَّا جَعَلَها تَشعرُ بالقُشَعْريرةِ التي نَسِيَتْها فجأةً.
في تلكَ اللَّحظةِ، خُيِّلَ إليها أنَّ قَبْضَتَهُ على مِعْصَمِها قد زادَتْ قُوَّةً قليلًا.
‘صحيحٌ أنَّني جَعَلْتُهُ يَقلقُ، ولكنْ لماذا هو مُكْتَئِبٌ إلى هذا الحَدِّ؟’
بَدأتْ تَمشي بشِبْهِ رَكْضٍ لِتُواكبَ خُطواتِهِ السَّريعةِ، وهي تَتذَمَّرُ في داخِلِها دونَ أنْ تَجْرُؤَ على إخراجِ صَوْتِها.
بِمُجرَّدِ وُصولِها للعَرَبةِ، دُفِعَتْ إيلين لِلدَّاخلِ بَيْنَما كانَ هو يُعطي التَّعليماتِ لِلفرسانِ.
ولكنْ على عكسِ تَوقُّعِها بأنَّهم سَيَنْطلقونَ فَوْرًا، انْفَتَحَ بابُ العَرَبةِ مَرَّةً أخرى، ودَخَلَ لوبروس بخُطواتٍ ثابتةٍ بَعْدَ أنْ سَلَّمَ حِصانَهُ لِفارسٍ آخَرَ.
“… هاه؟ لماذا…؟”
“سَنَنْطلقُ.”
وقبلَ أنْ تَسألَ إيلين المَذهولةُ عنِ السَّببِ، بَدأتِ العَرَبةُ تَتَحرَّكُ ببطءٍ بناءً على أَمْرِ لوبروس.
‘ماذا…؟ لماذا فجأةًـ؟’
*نُقْطَةُ التَّحوُّلِ
بَيْنَما كانتْ إيلين تُقابلُ ديلفي، التَقَى لوبروس بالفرسانِ المتمركزينَ على الشَّاطئِ وتَلَقَّى تَقاريرَهم، وبِمُجرَّدِ انتهاءِ التَّقريرِ، عَادَ مُسرِعًا إلى حيثُ تُوجَدُ العَرَبةُ.
ولكنَّهُ لَمْ يَجِدْ هناكَ سِوى العَرَبةِ وبَعضِ الفرسانِ، ولَمْ يَكُنْ لإيلين أَثَرٌ.
سأَلَ لوبروس سيريانو الذي كانَ يَحرسُ العَرَبةَ:
“أَلَمْ تَعُدِ الكاهنةُ إيلين بَعْدُ؟”
“نَعَمْ يا سَيِّدي.”
نَظَرَ نَحوَ الرَّصيفِ بَعْدَ سَمَاعِ رَدِّ سيريانو، لكنَّهُ لَمْ يَرَ شَيْئًا سِوى الرَّصيفِ الحجريِّ الطَّويلِ، ولَمْ يَكُنْ لها أَثَرٌ في أيِّ مَكانٍ.
‘أينَ ذَهَبَتْ بالضبطِ؟’
رَكَضَ نَحوَ الرَّصيفِ وبَدأَ يَتفحَّصُ المَكانَ، فوَجَدَ ملابسَها والمِعْطَفَ مَوْضوعَيْنِ بعنايةٍ فوقَ إحدى الصُّخورِ.
فُستانُ البِبلوس الذي يَحملُ الشَّريطَ الأزرقَ رَمْزَ الكاهنةِ، ورِباطُ الشَّعْرِ الأبيضُ.
في تلكَ اللَّحظةِ، اهتَزَّتْ نَظرةُ لوبروس وكأنَّهُ تذكَّرَ شيئًا.
بَدَا وكأنَّ صَوْتَ الفارسِ الذي نَقَلَ إليهِ الأنباءَ الحزينةَ في الماضي يَتَرَدَّدُ في أُذُنَيْهِ مَرَّةً أخرى:
°بَلاغٌ عاجِلٌ. السَّفينةُ التي انطلقَتْ نَحوَ إمبراطوريَّةِ بانديرا قبلَ ثلاثةِ أيامٍ اصطَدَمَتْ بصخورٍ مَرجانيَّةٍ…°
°وكانَتِ السَّيِّدةُ الإمبراطورة على مَتْنِها..°
°.. رُبَّما هي الآنَ في أَعماقِ البحرِ..°
تَرَنَّحَ جَسدُ لوبروس لِلَحْظةٍ أمامَ صَوْتِ الفارسِ الذي يَرِنُّ في أُذُنَيْهِ، ثم حَوَّلَ نَظرَهُ بسرعةٍ نَحوَ البحرِ.
وسُرعانَ ما وَجَدَها تَطْفو فوقَ الماءِ في نُقْطةٍ ليستْ بَعيدةً عَنِ الشَّاطئِ.
بشَعْرِها الأَسودِ المائِلِ لِلزُّرقةِ الذي يَبدو أدكنَ مِن مياهِ البحرِ الضَّحْلةِ، كانتْ تَستندُ إلى ظَهْرِ دلفينٍ أبيضَ وتَطْفو بوجهٍ هادئٍ.
“.. هاه.”
شَعَرَ لوبروس بالرَّاحةِ تَمْتَزِجُ بالإحباطِ بمُجرَّدِ رُؤيتِها.
لَقَد جَعَلَتْهُ يَقلقُ إلى هذا الحَدِّ، بَيْنَما هي تَلعبُ هناكَ بكُلِّ هُدوءٍ.
شَعَرَ وكأنَّ الأمرَ مُثيرٌ للاستياءِ قليلًا.
‘بماذا كُنْتُ أُشَبِّهُها؟’
حَكَّ لوبروس رأسَهُ بعُنْفٍ وكأنَّهُ لا يُصدِّقُ نَفْسَهُ.
°لا تَنْظرْ إليَّ وكأنَّكَ تَرى الإمبراطورة الرَّاحلةَ وتَشفقَ عَلَيَّ. أنا لستُ ضَعيفةً إلى هذا الحَدِّ، كما أنني أَكْرَهُ أنْ أُقَارَنَ بأحدٍ.°
لَمْ يَمُرَّ يَوْمٌ كاملٌ منذُ أنْ سَمِعَ منها تِلْكَ الكلماتِ.
وكما قالتْ، لا يُوجَدُ شَبَهٌ بَيْنَها وبَيْنَ الإمبراطورة الرَّاحلةِ سِوى كَوْنِهِما كاهنَتَيْنِ مِن دَوْلةٍ أخرى.
رُغمَ ذلكَ، استمرَّ وُجودُ إيلين في إثارةِ قَلَقِهِ بطريقةٍ غريبةٍ.
نَظَرَ إلى ملابسِها التي خَلَعَتْها بتعبيرٍ غيرِ راضٍ، ثم رَفَعَ طَرَفَ شَفَتِهِ وكأنَّهُ تذكَّرَ شيئًا:
‘رُغمَ أنَّ الأمرَ قد يَبدو دَنِيئًا، إلا أنَّ عليها دَفْعَ ثَمَنِ جَعْلِي أَقلقُ دونَ داعٍ.’
أرادَ أنْ يَجعلَها تَرتبكُ قليلًا كما أَفْزَعَتْهُ هي.
“… هاه؟ غريبٌ. لَقَدْ وَضَعْتُهُ هنا بالتَّأكيدِ…؟”
تَمامًا كما تَوقَّعَ، عِندما صَعِدَتْ مِنَ البحر نحو اليابسة ولَمْ تَجِدْ شيئًا في مَكانِ الملابسِ، بَدأتْ تَرتبكُ وتَنظرُ حَوْلَها بوضوحٍ.
أرادَ أنْ يَنتظرَ لفترةٍ أطولَ لِيُراقبَ ارتباكَها، لكنَّ الملابسَ التي كانتْ ترتديها كانتْ تَشغلُ بالَهُ بشِدَّةٍ.
سِرْوالٌ قَصيرٌ وقَميصٌ رقيقٌ بَحَمَّالاتٍ يَكشفانِ بَشرتَها البيضاءَ النَّقِيَّةَ دُونَ ساترٍ.
ولِحُسْنِ الحَظِّ، كانَ اللَّوْنُ داكنًا لدرجةِ أنَّهُ لَا يَشِفُّ، لكنَّ الملابسَ المُلْتَصِقةَ بجَسدِها بسببِ الماءِ كانتْ تُبْرِزُ تَفاصيلَ جَسدِها بوضوحٍ.
‘سُحْقًا…!’
حاوَلَ لوبروس تحويلَ نَظرِهِ لِمَكانٍ آخَرَ وهو يَلُفُّ جَسدَها بالمِعْطَفِ الذي كانَ يَحملُهُ.
وبَعْدَها استدارَ نَحوَها وقالَ بصوتٍ أَجَشَّ عَمْدًا:
“.. هل كُنْتِ تَنْوِينَ أنْ تُصبحي حُوريةَ بَحْرٍ؟”
بَدَا أنَّ لدَيْها إدراكًا بأنَّها أَفْزَعَتْهُ، فاعتذَرَتْ لَهُ ببساطةٍ.
ولكنْ عِندما نَظَرَ إليها لوبروس وهي ترفعُ رأسَها، لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ الغَضَبِ مَرَّةً أخرى.
فَتَحْتَ وَجْهِها الأبيضِ النَّقِيِّ، كانتْ شَفتاها قد تَلوَّنَتَا باللَّوْنِ الأَزرقِ الشَّاحبِ.
التعليقات لهذا الفصل " 20"