كان سَطحُ الصُّندوقِ مليئاً بالخُدوش، وكأنَّه ارْتَطَم بالصخورِ يميناً ويساراً وهو يَطفو مع الأمواج.
ومع ذلك، لم يُفتَح الصُّندوقُ بسبب القفلِ القويِّ المُعلَّقِ عند مَفاصِلِه.
للوهلةِ الأولى، بَدا الصُّندوقُ فاخراً جداً ليكونَ مَوجوداً في مَكانٍ كهذه الجزيرةِ المهجورة.
لَحَظةً.
خَطَرَت كلمةُ “صُندوقُ كَنْز” في عَقْلِ إيلين، لكنها هَزَّت رأسَها بسخريةٍ من نَفْسِها، ثم مَشَت باتجاهِ الصُّندوق.
«رُبما ليست هذه الجزيرةُ مَهجورةً؟ إذا كان الغَرَضُ يَعُودُ لمالكٍ ما…»
اقتربت إيلين من جانبِ الصُّندوقِ ونَظَرَت حَوْلَها مرةً أخرى.
لكن، لم يَكُن هناك سِوى الرِّمالِ والصخورِ والبحرِ الذي لا نِهايةَ له.
فكَّرَت في الصُّراخِ قائلةً: “هل من أحدٍ هنا؟”، لكنها تَذَكَّرَت حالةَ حنجرتِها، فتنهَّدت تنهيدةً قصيرةً وأعادت نَظَرَها إلى الصُّندوق.
تفتحهُ… أم لا…
ظَلَّت إيلين في صراعٍ مع نَفْسِها لِفترةٍ وهي تُحدِّقُ في الصُّندوق.
ثم حَسَمَت أمرَها في النهاية.
«مَهما نَظَرتُ إليه، فمِنَ الواضحِ أنَّ الأمواجَ قد جَرَفَتْه إلى هنا. لا أعرفُ كيف سَقَط في البحر، لكنَّ الأرجحَ أنه لا يُوجَدُ مالِكٌ له في هذا المَكان.»
التقطت إيلين حَجراً كبيراً من الأرضِ لِكَسْرِ القفل.
ابتلعت إيلين ريقَها ببطء، ثم فَتَحَت الصُّندوقَ بِحَذَر.
بصراحة، رُبما كانت تَعقِدُ آمالاً بَسيطةً على مُحتوياتِه.
لكن بمجردِ أن فُتِحَ الغِطاءُ وانكَشَفَ ما بداخله تحت ضوءِ الشَّمس،
بَدَت ملامحُ الخيبةِ على وَجهِها.
«ما هذا… صُندوقُ ملابس؟»
ما كان يملأُ الصُّندوقَ لم يَكُن سِوى مَلابسَ مصنوعةٍ من أقمشةٍ مُلوَّنة.
وحتى تلك الملابسُ كانت حالُها سَيئةً لأنها كانت مُبَلَّلةً تماماً بماءِ البحر.
رَفَعَت إيلين قطعةَ مَلابسٍ بَدَت هي الأفضلَ حالاً.
كانت الأكمامُ والأكتافُ مَنفوخةً ومُزيَّنةً بالدانتيل في كلِّ مكان، مِمَّا جَعَلَها تُشبهُ فساتينَ سَيِّداتِ النُّبلاءِ في العصورِ الوسطى.
«.. هل هي مَلابسٌ تَمثيلية؟ مَن قد يرمي مثلَ هذا في البحر؟»
ومع ذلك، فقد كان أمراً مَشكوراً بالنسبة لـإيلين التي لم تكن تَمْلِكُ قِطعةَ قماشٍ واحدة.
بَدأت تَبحثُ في الصُّندوقِ بجديةٍ عن مَلابسَ تُناسِبُها.
ولحُسنِ الحظ، وَجَدت أيضاً بضعةَ أزواجٍ من الأحذية.
وبينما كانت تَمُدُّ يَدَها إلى عُمقِ الصُّندوقِ لإخراجِ الملابس، شَعَرَت بوَخزةٍ حادةٍ في طَرَفِ إصبعِها.
“آخ―!”
سَحَبَت إيلين يَدَها بسرعةٍ ونَظَرَت إلى كَفِّها الأيسر.
لعلَّ شَيئاً حاداً كان في قاعِ الصُّندوق.
كانت قطراتُ الدَّمِ الحَمراءِ تَتساقطُ من طَرَفِ سَبَّابتِها اليُسرى.
وبينما كانت تُحرِّكُ يَدَها الأخرى لتَضْميدِ الجُرْح، تَوقَّفت فَجأة.
“.. هاه؟”
اليَدُ اليُمنى التي كانت تَتَّجِهُ نَحوَ الإصبعِ المَجروحِ غَيَّرَت اتجاهَها وارْتَفَعَت نَحوَ حَنجرتِها.
كانت أطرافُ أصابعِها تَرْتَجِفُ وهي تَتلمَّسُ عُنُقَها ببطء.
“أستطيعُ.. الكلام؟”
كيف يُمكِنُ ذلك؟
لَقَد كانت مَتأكدةً أنها فَقَدَت صَوْتَها قبلَ السُّقوطِ في البحر…
وَسَطَ ارتباكِها، تَبادَرَ إلى ذِهْنِها ذلك الصَّوتُ النقيُّ الذي سَمِعَتْه.
°… يمكنكِ الغناءُ مجدداً.°
“تلك الكلماتُ… كانت حقيقية؟”
❁❁❁
“سعادةُ الأمير لوبروس. سَنَصِلُ قريباً إلى مَنطقةِ الحادث.”
كان لوبروس يُراقبُ البحرَ من مُقدِّمةِ السفينة، واكْتَفَى بإيماءةٍ بَسيطةٍ رداً على تقريرِ مُساعِدِه.
بَدَتِ السَّماءُ صافيةً اليومَ وكأنَّ العواصفَ العنيفةَ التي هَبَّت قبلَ أيامٍ لم تَكُن مَوجودة.
تَحتَ ضوءِ الشَّمسِ الساطع، كان شَعْرُه المائلُ إلى الحُمْرةِ يَنْعَكِسُ مِثلَ تَمَوُّجاتِ الماء.
لقد مَضَت ثلاثةُ أشهرٍ منذ بَدأوا البحث، لكنهم لم يَعثُروا حتى الآن على حُطامِ السَّفينةِ الغارقة، ولا حتى على قِطعةِ خَشَبٍ واحدةٍ منها.
في تِلك اللحظة، صاحَ بَحّارٌ كان يُراقبُ الأفقَ من فوقِ الساريةِ الرئيسية:
“جزيرة―! لا يَبدو أنَّ هناك سُفُناً حَوْلَها، يَبدو أنها جَزيرةٌ مَهجورة.”
في المِياه المحيطة بأرخبيل أنديموس، كانت تَظهَرُ جُزرٌ كَبيرةٌ وصغيرةٌ باستمرارٍ بسببِ النشاطِ البركانيِّ النَّشِط.
لذلك، كان من المعتادِ اكتشافُ جُزرٍ مَهجورةٍ لا تَظهَرُ على الخرائط.
ولأنَّ المَكانَ الذي يَتواجَدون فيه يَبْعُدُ نحو ثلاثةِ أيامٍ بالسَّفينةِ عن عاصمةِ الإمبراطورية، كان من الصَّعبِ اكتشافُ الجُزرِ الجديدةِ وتَسجيلُها في الوقتِ المناسب.
سَمِعَ لوبروس صِيحةَ البَحّارِ وسَألَ مُساعِدَه:
“ما مِقدارُ الفَرْقِ عن مَسارِ البحثِ السابق؟”
“نَحنُ الآن على بُعْدِ مِيلٍ بَحريٍّ واحدٍ تقريباً نَحوَ الجنوب.”
“… إذاً، رُبما لم نَلْحَظْها خلالَ عَمَليةِ البحثِ الماضية.”
نَظَرَ المُساعدُ إلى وَجْهِ لوبروس الغارقِ في التفكير وسَألَ بِحَذَر:
“سَيِّدي، ماذا سَنَفْعَل؟”
“… سَنَنْزِلُ إلى اليابسة.”
بما أنها جَزيرةٌ قريبةٌ من مَوقِعِ الحادث، فَقَد تُوجَدُ فيها بَعضُ الأدلة.
بَدأ لوبروس يُحدِّقُ باهتمامٍ في مَعالِمِ الجزيرةِ التي بدأت تَتَّضِحُ تَدريجياً.
ولأنَّ المِياهَ القريبةَ من الجزيرةِ كانت ضَحْلةً ولا تَسْمَحُ بدخولِ السُّفُنِ الضخمة، نَزَلوا في قَواربَ صغيرةٍ حتى وَصَلوا إلى الشاطئِ الرملي.
وهناك، عَثَرَ لوبروس على أحدِ الآثارِ التي كان يَبحثُ عنها طويلاً.
“ذلك الصُّندوقُ الخشبيُّ… هل يُمكِنُ أن يكون…”
كان هناك صُندوقٌ خَشبيٌّ أثري، يَبدو أنه كان يَحتوي على مَلابسَ ومُجوهرات، مَتروكاً على الشاطئِ وغِطاؤُه مَفتوح.
كانت هناك آثارٌ تَدُلُّ على أنَّ أحداً قد عَبِثَ بمحتوياتِه.
كانت إيلين تُرَتِّبُ الملابسَ التي أخْرَجَتْها من الصُّندوقِ حينَ فَزِعَت من صَوتِ الضَّجيجِ القادمِ من جِهةِ الشاطئ، فَنَظَرَت إلى الجانبِ الآخرِ من الجزيرة.
لم تَكُن الكلماتُ واضحةً بسببِ المَسافة، لكنها كانت بكلِّ تأكيدٍ أصواتَ بَشر.
«هذا الاتجاهُ هو بالتأكيدِ الشاطئُ الذي وَجَدتُ فيه الصُّندوق… هل جاءَ أحدٌ للبحثِ عنه؟»
تَسارَعَت دقاتُ قَلبِها وتَوجَّهَت نَحوَهم بسرعة.
لَقَد مَضَت ثلاثةُ أيامٍ منذ بَدأت تَعِيشُ في هذه الجزيرةِ المهجورة.
ولِحُسنِ الحظ، كان في عُمْقِ الجزيرةِ جَدولُ مَاءٍ عذبٍ وأشجارُ فاكهةٍ حَمَتْها من الجُوع، لكنَّ صَبْرَها بَدأ يَنْفَد.
إذا ضاعت هذه الفرصة، فلن تَعرفَ مَتى سَتتمكَّنُ من الخروجِ من هنا، لِذا كانت خَطواتُها تَتسارعُ وهي تَرْكُضُ نَحوَ الجانبِ الآخر.
وأخيراً، رأت سَفينةً راسيةً في الشاطئِ أسفلَ التَّل.
وبَدَا أنَّ الرِّجالَ الذين نَزَلوا منها يَبحثون عن شَيءٍ ما.
«… لَقَد نَجَوْت. أخيراً سأخرُجُ من هنا.»
رَكَضَت إيلين نَحوَهم وهي تَشعُرُ بفرحةٍ غامرة.
لو كانت أكثرَ هُدوءاً، لَلَاحَظَت أنَّ مَلابسَهم وشَكْلَ السَّفينةِ كان غريباً، لكنَّ عَزْلَتَها ووِحْدَتَها في الجزيرةِ مَنَعَتْها من ملاحظةِ هذه التفاصيل.
وأخيراً، انْتَبَهَ الذين يَبحثون إلى وجودِ إيلين وهي تَرْكُضُ نَحوَهم.
لكنَّ رَدَّ فِعْلِهم كان عكسَ ما تَمَنَّتْه تماماً.
استَلُّوا سُيوفَهم التي كانت مَعلقةً على خُصورِهم ووجَّهوها نَحوَها، وكأنهم يَحذرون من غَريبٍ مُعادٍ.
«ماذا، سُيوف؟»
تَوقَّفت إيلين في مَكانِها مَذعورة.
حينها فقط، اتَّسَعَت عيناها وهي تُلاحظُ غَرابةَ مَلابسِهم.
كان الرِّجالُ الذين يُصوِّبون السُّيوفَ نَحوَها يَرْتَدون دُروعاً لا تُرى إلا في أفلامِ العصورِ الوسطى.
في تلك اللحظة، صاحَ رَجُلٌ كان يَقِفُ على اليمينِ وهو يَنْظُرُ إلى الخَلْف:
“Kyrios! Einai edo!”
«بأيِّ لغةٍ يَتحدثون؟»
ارْتَبَكت إيلين لسماعِ لغةٍ لم تَسمعْها من قَبْل.
لكنها شَعَرَت أنه يُنادي شَخصاً ما.
ورأت رَجُلاً يَرْتدي زِيّاً عَسكرياً كُحلياً يَقْتَرِبُ ببطءٍ من خَلْفِهم.
على عَكسِ الآخرين المُدجَّجين بالدُّروع، كان هذا الرَّجُلُ يَرْتدي زِيّاً مُزيَّناً بخُيوطٍ ذَهبيةٍ وسَلاسلَ وجواهر، مِمَّا يَدُلُّ على مَنزِلَتِه الرفيعة.
كان ذا بِنْيَةٍ قويةٍ وبَشرةٍ بْرونزيةٍ صِحِّيَّة.
وشَعْرُه المائلُ إلى الحُمْرةِ الذي يَصِلُ إلى عُنُقِه، مع عينَيه البُنِّيتين المائلتين للحُمْرةِ تَحتَ رُموشٍ كثيفة، كلُّ ذلك كان يُعطي انطباعاً بالقوة.
كانت تَنْظُرُ إليه وهو يُحدِّقُ فيها بجديةٍ وعيناهُ مَخفيَّتانِ تَحتَ ظِلالِ الشَّمسِ الساطعة.
رَفَعَت إيلين رأسَها ببطءٍ لِتَرى وَجهَه.
«كم يَبلغُ طولُه؟ يَبدو أطولَ مني برأسٍ كامل.»
عندما نَظَرَ إليها هذا الرَّجُلُ الطويلُ الذي يتجاوزُ طولُه 180 سَم بنظراتِه المَهيبة، شَعَرَت إيلين بضغطٍ غريبٍ وتَراجَعَت للخَلْفِ دونَ وَعْي.
ولكن قبلَ أن تَتَراجَعَ أكثر، مَشَى الرَّجُلُ بخطواتٍ واسعةٍ حتى صارَ أمامَها مباشرةً.
ثم فَتَحَ شَفَتَيْه المُنقبضتين ببطء:
“Poios eisai?”
بطبيعةِ الحال، لم تَفْهَم إيلين ما قاله.
حاولت ألا تَرتبك وتَحَدَّثت إليه:
“Umm… Can you speak English?”
لكن لم يأتِ أيُّ رَد.
شَعَرَت إيلين بالإحراجِ وظَلَّت تَنْظُرُ إليه بذهول.
وبعد أن تَفحَّصَها الرَّجُلُ من الأعلى إلى الأسفل، أصْبَحَت نَظراتُه حادةً فَجأة.
كان يَنْظُرُ بتركيزٍ إلى الملابسِ التي تَرْتَديها.
نَظَرَت إيلين إلى فُستانِها الأبيضِ بارتباك.
«هل هناك شَيءٌ غريبٌ في هذا الفُستان؟»
كان الفُستانُ الذي تَرْتَديه على طِراز بيبلوس الذي يُذَكِّرُ بِنِساءِ اليونانِ القديمة، وهو الذي وَجَدَتْه في الصُّندوق.
اختارت هذا الفُستانَ الأبيضَ المُزيَّنَ بأشرطةٍ ذَهبيةٍ لأنه كان الأكثرَ راحةً للحركةِ مقارنةً بالفساتينِ الأخرى الفاخرة.
فهل لهذا الفُستانِ مَعنًى خاص؟
في تلك اللحظة، سَمِعَت صَوْتَ صريرِ أسنانِه، ثم قالَ الرَّجُلُ بغضبٍ كأنه يَزْأر:
“Einai ayto pou kaneis, سيرين؟”
لم تَفْهَم الجُملةَ الأولى، لكنها فَهِمَت الكلمةَ الأخيرةَ بوضوح.
«سيرين؟ هل يَسألُني إذا كنتُ سيرين؟»
حتى الدُّلفينُ الذي رأته في البحرِ ناداها بهذا الاسم.
التعليقات لهذا الفصل " 2"