الفصل 19
سأَلَتْ إيلين نَفْسَها؛ فبالتفكيرِ في الأمرِ، منذُ المَرَّةِ الأولى التي رَأَتْ فيها إيليوس، كانَ يَشغلُ بالَها باستمرارٍ.
ذلكَ الطِّفلُ الذي طَلَبَ منها بوجْهٍ بَريءٍ أنْ تُغنِّيَ لَهُ أُغنيَةً، بَيْنَما يَختبِئُ في داخلهِ أَلَمٌ لَمْ يَظهَرْ بَعْدُ إلى العَلَنِ.
“ربما لأنني… أَفهمُ وِحْدَةَ إيليوس؟”
“… ماذا؟”
استدارَ لوبروس، الذي كانَ مُحتارًا في كيفيَّةِ التَّوضيحِ، بسرعةٍ نَحوَها عِندما سَمِعَ تَمْتَمَتَها.
كانتْ تَنظرُ بشرودٍ إلى مِقعدٍ في جانِبِ الحديقةِ، ثم تابَعَتْ كلامَها بنبرةٍ مَريرةٍ قليلًا:
“قبلَ مَجيئي إلى هذا العالَمِ، فَقَدْتُ والِدَيَّ وأنا في السَّادسةِ عَشْرَةَ مِن عُمْري.”
سِتَّةَ عَشَرَ عامًا.
رُغمَ أنَّهُ عُمْرٌ أكبرُ بكثيرٍ مِن عُمْرِ إيليوس الآنَ، إلا أنَّهُ كانَ لا يزالُ عُمْرًا يَحتاجُ لرعايةِ الوالِدَيْنِ.
وبَدَا الحُزنُ الذي لا يُمكِنُ إخفاؤُهُ في عَيْنَيْ إيلين وكأنَّها تَتذكَّرُ تلكَ الأيامَ.
“عَمَّتي، التي رَعَتْني بَدلًا مِن والِدَيَّ الراحِلَيْنِ، لَمْ تكنْ شخصًا طَيِّبًا. لَمْ تَهجرْني، لكنَّها حاوَلَتْ قَمْعي واستغلالي وَفْقًا لِرغباتِها.”
لهذا السَّببِ، كانَ إيليوس يَشغلُ بالَها.
خَشِيَتْ أنْ يكونَ هو الآخَرُ لا يَتلقَّى الرعايةَ الحقيقيَّةَ مِثلَها.
“ليسَ سَببًا عَظيمًا. فقط أَرَدْتُ مُساعدتَهُ لِكَيْ لا يَمُرَّ بنَفْسِ الوِحْدَةِ التي عِشْتُها.. بما أستطيعُ فِعْلَهُ. أَلَا يُعتبرُ هذا سَببًا كافيًا؟”
“… أنا آسِفٌ.”
استدارَتْ إيلين لا شُعوريًّا تِجاهَ هذا الاعتذارِ الذي يَحملُ نبرةً مِنَ الأَسَى.
وفي اللَّحظةِ التي حَوَّلَتْ فيها نَظرَها، بَدَا وكأنَّها سَمِعَتْهُ يَتَمْتِمُ بصوتٍ خافتٍ “سُحقًا”.
بَدَا وكأنَّهُ يَمْسَحُ رَقبتَهُ مِنَ الخلفِ بارتباكٍ لفترةٍ طويلةٍ، ثم قالَ بصوتٍ مُنخفِضٍ وكأنَّهُ يُبَرِّرُ مَوْقفَهُ:
“.. يَبدو أنني أَيْقَظْتُ ذكرياتٍ سيِّئةً دونَ داعٍ.”
بَدَا لوبروس مُحرَجًا، فثَبَّتَ نَظرَهُ نَحوَ أحواضِ الزُّهورِ العامرةِ بالبتلاتِ الجَميلةِ.
‘ماذا دَهَى هذا الرَّجُلَ اليومَ؟’
بَدأَ بعَرْضِ المَشورةِ، ثم طَرَحَ أسئلةً غيرَ مُتوقَّعةٍ، والآنَ يَعْتذرُ..
“هل أَكَلْتَ شيئًا خاطئًا اليومَ؟ أم أنَّ شَخصيتَكَ الجديدةَ هي (حِساءُ القَرعِ العسليِّ بالكريمةِ)… أو شيءٌ مِن هذا القَبيلِ؟”
“إلى مَتى سَتَستمرِّينَ في حديثِ القَرعِ العسليِّ هذا؟”
استدارَ نَحوَها بتعبيرٍ عابِسٍ عِندما ذَكَرَتِ القَرعَ العسليَّ.
ومع ذلكَ، تابَعَتْ هي كلامَها:
“أقولُ ذلكَ لأنَّكَ تَتصرَّفُ بغرابةٍ على غيرِ عادتِكَ. قُلْ لي، ما الذي تُريدُ قولَهُ لي بالضبطِ؟”
عِندها راقَبَ رَدَّةَ فِعلِها لِلَحْظةٍ، ثم تَمْتَمَ بصوتٍ خافتٍ كادَ لا يُسْمَعُ:
“خَشِيتُ أنْ تَشعُري… بضَغطٍ شديدٍ بسببِ كَوْنِكِ كاهنةً.”
“… ماذا؟”
‘ضَغطٌ؟… هذا الرَّجلُ، هل كانَ يَقلقُ بشأنِ ذلكَ؟ ولماذا؟’
نَظَرَتْ إليهِ إيلين بوجهٍ مَلِيءٍ بالارتباكِ.
شَعَرَتْ أنَّهُ غريبٌ جدًّا اليومَ.
“والدتي، الإمبراطورة الرَّاحلةُ، عاشَتْ بَعْدَ أنْ أصبَحَتْ كاهنةً لإمبراطوريَّةِ أوركا تحتَ وطأةِ ضَغطِ المَسؤوليَّةِ حتى وفاتِها. وحتى عِندما كانتْ تَحدُثُ أشياءُ لا يُمكِنُ حَلُّها بقُوَّةِ الكاهنةِ، كانتْ تَقلقُ باستمرارٍ وتَشعرُ بوجوبِ فِعْلِ شيءٍ ما.”
تذكَّرَتْ إيلين قِصَّةَ الإمبراطورة الرَّاحلةِ التي حَكاها لها لوبروس بالأمسِ.
‘في وقتٍ لا يُوجَدُ فيهِ فَرْدٌ إمبراطوريٌّ يَسمعُ صَوْتَ الإلهِ أبِيس، تَظهرُ كاهنةٌ مِن دَوْلةٍ أخرى في الوقتِ المناسِبِ..’
في الحقيقةِ، كانتْ هناكَ نِقاطُ تَشابُهٍ كثيرةٌ بَيْنَها وبَيْنَ الإمبراطوريَّةِ الرَّاحلةِ.
لكنَّ الإمبراطورة الرَّاحلةَ هي شَخصٌ آخَرُ، وإيلين هي إيلين.
شَعَرَتْ إيلين بالاستياءِ لأنَّهُ يُشَبِّهُها بها لمُجرَّدِ هذا السَّببِ.
واصَلَ هو حديثَهُ دونَ أنْ يُدرِكَ أنَّ وَجْهَها أصبَحَ باردًا:
“إذا كُنْتِ تَشعرينَ بالضَّغطِ بسببِ ذلكَ، فلا داعي للقَلَقِ. أنا مَنْ أَحْضَرَكِ إلى هنا بمُفردي، لذا فأنا مَنْ سَيتحمَّلُ المَسؤوليَّةَ…”
“ومَنْ قالَ إنَّني أُريدُ مِنْ أحدٍ أنْ يَتَحمَّلَ مَسؤوليَّتي؟”
قاطَعَتْ كلامَهُ بنبرةٍ حادَّةٍ.
وعِندما نَظَرَ إليها لوبروس بذُهورٍ، رَفَعَتْ إصبعَها ونَقَرَتْ على صَدْرِهِ قائلةً:
“اسْمَعْ يا سُمُوَّ الدُّوقِ العظيمِ لوبروس. لا تَمشِ في أَوْهامِكَ.”
أَمَامَ صَوْتِها الحازِمِ، اكْتَفَى بالنَّظرِ إليها بوجهٍ مَذهولٍ.
بَدَا مُتَفاجِئًا جدًّا وكأنَّهُ رَدُّ فِعْلٍ لَمْ يَتوقَّعْهُ أبدًا.
تابَعَتْ هي كلامَها بصوتٍ واضحٍ وهي تَنْطِقُ كُلَّ حرفٍ بدِقَّةٍ وكأنَّها تُعَلِّمُ شخصًا جاهِلًا:
“صحيحٌ أنَّكَ أنتَ مَنْ أَحْضَرْتَني إلى هنا، ولكنَّ إرادتي كانتْ جُزءًا مِن ذلكَ أيضًا. لولا ذلكَ، لَكُنْتُ قد قَفَزْتُ مِنَ السَّفينةِ وهَرَبْتُ منذُ زَمَنٍ.”
كانَ كلامُ إيلين حقيقيًّا.
طَوالَ رِحلتِها إلى هنا، لَمْ تكنْ هناكَ قُيودٌ جَسديَّةٌ كبيرةٌ، وكانَتْ ديلفي تُراقبُ السَّفينةَ باستمرارٍ وهي قلقةٌ عليها.
لذا، لو أرادَتْ إيلين، لَكانَ بإمكانِها الهروبُ مع ديلفي في أيِّ وقتٍ.
لكنَّها اختارَتِ المجيءَ معهُ بدَلًا مِنَ الهروبِ.
لِكَيْ تَعرفَ السَّببَ الذي جَعَلَ الإلهَ يَدعُوها إلى هنا، كانتْ بحاجةٍ إلى أيِّ خَيْطٍ.
والبقاءُ وحيدةً في جزيرةٍ مَهجورةٍ دُونَ شخصٍ تَسألُهُ لَمْ يَكُنْ سَيُقَدِّمُ أيَّ حَلٍّ.
‘رُغمَ أنني نَدِمْتُ على تَبَعِيَّتي لَكَ عِندما حُبِسْتُ في الغُرفةِ الحجريَّةِ المُظلمةِ فجأةً…’
أما الآنَ، بَعْدَ أنْ وَجَدَتْ بَعضَ الخُيوطِ، فهي لا تَنْدمُ على قرارِها بَعَدَمِ الهروبِ.
والأمرُ نَفْسُهُ يَنطبقُ على قَرارِها بأنْ تُصبحَ كاهنةً.
“أَعلمُ أنَّ المَوْقفَ مُتشابِهٌ، ولكنْ لا تَنْظرْ إليَّ وكأنَّكَ تَرى الإمبراطورة الرَّاحلةَ وتَشفقَ عَلَيَّ. أنا لستُ ضَعيفةً إلى هذا الحَدِّ، كما أنني أَكْرَهُ أنْ أُقَارَنَ بأحدٍ.”
تحدَّثَتْ إيلين بحَزْمٍ وكأنَّها تَأخذُ مِنهُ مَوْثِقًا.
بَعْدَ أنْ نَظَرَ إليها لوبروس وهي تَتنفَّسُ بغَضَبٍ ووَجْهٍ مَذهولٍ في البدايةِ، تَغيَّرَ تعبيرُهُ تَدريجيًّا إلى شيءٍ غريبٍ، ثم بَدأَ يَضحكُ بصوتٍ مكتومٍ.
‘ماذا.. هل يَضحكُ الآنَ؟’
هذا الرَّجلُ.. هل يُعاني مِنِ اضطرابٍ في المِزاجِ؟
وبَيْنَما كانتْ إيلين تَنظرُ إليهِ بنظراتٍ مَلِيئةٍ بالشَّكِّ، تَوقَّفَ عن الضَّحِكِ وأَخِيرًا فَتَحَ فَمَهُ:
“… هكذا إذًا. يَبدو أنني ارتكَبْتُ وقاحةً أخرى في حَقِّكِ.”
وعلى وَجْهِهِ بَقايَا ابتسامةٍ لَمْ تَخْتَفِ بَعْدُ، أَضافَ:
“بالتفكيرِ في الأمرِ، لَقَد كُنْتِ هكذا منذُ البدايةِ. لَقَد نَسيتُ لِلَحْظةٍ أنَّكِ شَخصٌ يُعبِّرُ عن رأيهِ بصراحةٍ بَدلًا مِنَ الخَوْفِ مِنِّي، حتى بَعْدَ وُقوعِ ذلكَ الأمرِ”
لَمْ يَكُنْ بحاجةٍ لِتَوْضيحِ ما يَعنيهِ بـذلكَ الأمرِ.
كانَ يَقصدُ بالتَّأكيدِ حِينما خَنَقَها عِندَ لِقائِهِما الأوَّلِ.
“استمرِّي في التَّصرُّفِ بثقةٍ هكذا في المُستقبلِ. لا أَعرفُ ما الذي يُقلقُكِ، ولكنَّ رؤيتَكِ ذابلةً مِثلَ دَجاجةٍ مريضةٍ هو أَمْرٌ لا يُريحُني أبدًا.”
‘إييييـه! هذا الرَّجلُ حقًّا…! ماذا؟ دَجاجةٌ مريضةٌ؟’
في تِلْكَ اللَّحظةِ، تَحوَّلَ (حِساءُ القَرعِ العسليِّ) إلى (جاك أو لانترن) بوَجْهٍ لَئيمٍ.
❁*صفا : جاك أو لانترن هو الاسم الذي يُطلق على اليقطينة (القرع) التي يتم تجويفها ونحت وجه مخيف عليها ووضع شموع بداخلها، وهي الرمز الأشهر لعيد “الهالوين”.❁
أرادَتْ إيلين الاعتراضَ، ولكنَّ رُؤيتَهُ وهو يبتسمُ برِضًا جَعَلَها تَشعرُ بغَيْظٍ غريبٍ.
حقًّا… إنَّهُ رَجُلٌ لا يُمكِنُ التَّهاوُنُ مَعَهُ أبدًا، بمعانٍ كثيرةٍ.
❁❁❁
في صَباحِ اليومِ التَّالي، وبَيْنَما كانتْ مُتوجِّهةً إلى الشَّاطئِ لِمُقابلةِ ديلفي، اسْتَمْتَعَتْ إيلين بمناظرِ الجزيرةِ مِن نَافذةِ العَرَبةِ وهي تَسْتَنِدُ بذراعِها.
وكانَ لوبروس يُرافقُها هذهِ المَرَّةَ أيضًا على مَتْنِ حِصانِهِ، يَحرسُ العَرَبةَ.
نَظَرَتْ إليهِ إيلين بشرودٍ وخَطَرَتْ لها فِكرةٌ مُحيِّرةٌ:
‘رُغمَ كُلِّ شيءٍ، هو دُوقٌ عظيمٌ في الإمبراطوريَّةِ… هل يُمكِنُني استغلالُ شَخصٍ مِثْلِهِ كحارسٍ هكذا؟’
مِن نَافذةِ العَرَبةِ، بَدَا لوبروس وقد عادَ إلى تعبيرِهِ الصَّارمِ المعتادِ.
تذكَّرَتْ إيلين الكلماتِ التي قالَها اللَّيلةَ الماضيةَ واحدةً تِلْوَ الأخرى.
‘بالحديثِ عن ذلكَ، كيفَ تُوفِّيَتِ الإمبراطوريَّةُ الرَّاحلةُ؟’
لَمْ تَجرُؤْ على سُؤالِهِ مباشرةً فظَلَّتْ صامتةً، لكنَّ مَوْقفَهُ الغريبَ معها اللَّيلةَ الماضيةَ ظَلَّ يَشغلُ بالَها.
‘هل يَجِبُ أنْ أَسألَ ألكيرون…؟’
وبَيْنَما كانتْ غارقةً في تَفكيرِها، وصَلَتِ العَرَبةُ إلى الشَّاطئِ.
بَعْدَ أنْ أَدْرَكَ لوبروس أنَّ ديلفي تَكْرَهُهُ، قَرَّرَ الانتظارَ عِنْدَ العَرَبةِ بَدلًا مِن مُرافقتِها إلى الرَّصيفِ.
عِندما وصَلَتْ إيلين إلى نِهايةِ الرَّصيفِ المُطِلِّ على البحرِ، غَنَّتْ لِتَدعُوَ ديلفي كالمعتادِ.
وفجأةً دَهِشَتْ لِحقيقةٍ أَدْرَكَتْها؛ على عكسِ عِندما كانتْ تُغنِّي لِتَنْوِيمِ إيليوس، لَمْ تَشعرْ بأيِّ شيءٍ عِندما دَعَتْ ديلفي.
‘هل هذا يَعني أنَّ القُوَّةَ لا تَكْمُنُ في كُلِّ الأغاني؟ هل توجدُ قَواعِدُ لاستخدامِ هذهِ القُوَّةِ؟’
رُغمَ مُرورِ وقتٍ طَويلٍ على بَدْءِ غنائِها، إلا أنَّ ديلفي لَمْ تَظهرْ.
نَظَرَتْ حَوْلَها مُتَسائلةً إنْ كانَتِ الأُغنيَةُ التي غَنَّتْها خاطئةً.
وفي تِلْكَ اللَّحظةِ، لَمَحَتْ جَسدًا أبيضَ يَبْرُزُ مِن بَيْنِ أَمواجِ البحرِ الأَزرقِ الهادئِ.
كانَتْ ديلفي.
“… ديلفي؟”
لكنَّ ديلفي لَمْ تَقتربْ رُغمَ نِدائها، بل اهتَزَّ جَسدُها قليلًا فقط.
وعِندما نادَتْها إيلين مَرَّةً أخرى، جاءَ الرَّدُّ بصوتٍ مُتَذَمِّرٍ قليلًا:
(لَمْ تَأْتِي لِرُؤيَتِي لِفترةٍ طَويلةٍ….)
‘هل هذا… مَعقولٌ؟’
هل هي غاضبةٌ؟ لأنَّها لَمْ تَزُرْها كثيرًا؟
كادَتْ إيلين أنْ تَنْفجرَ بالضَّحِكِ دونَ قَصْدٍ.
شَعَرَتْ بالأسَفِ تِجاهَ ديلفي الغاضبةِ، لكنَّ رُؤيَتَها وهي مُتَذَمِّرةٌ هكذا لأنَّ إيلين لَمْ تَأْتِ كانتْ في غَايةِ اللَّطافةِ.
ومِن جِهةٍ أخرى، شَعَرَتْ بالذَّنْبِ؛ فديلفي تَرَكَتْ مَوْطِنَها مِن أجلِ إيلين وجاءَتْ إلى هنا.
وهي قَدْ نَسِيَتْ صَديقتَها الغاليةَ لِفترةٍ بسببِ انشغالِها.
لِتُصالِحَ ديلفي، بَدأتْ إيلين في خَلْعِ ملابسِها واحدةً تِلْوَ الأخرى.
تَحْتَ فُستانِها، كانَتْ ترتدي ملابسَ أخرى داكنةَ اللَّونِ لا تَشِفُّ، كانَ ميساجيو قد أَعَدَّها لها خِصيصًا.
رُغمَ أنَّها لَمْ تكنْ مِن مادةٍ مَرِنَةٍ مِثْلِ مَلابسِ السِّباحةِ، إلا أنَّ هذهِ الملابسَ المَصنوعةَ مِن خُيوطِ نَباتٍ ناعِمٍ يَجِفُّ بسرعةٍ كانتْ هي ما يرتديهِ النَّاسُ هنا عِندَ دُخولِ الماءِ.
ارْتَدَتْ إيلين سِروالًا قصيرًا يَصِلُ لِفَوْقِ الرُّكبةِ مع قَميصٍ رقيقٍ بَحَمَّالاتٍ، ورَبَطَتْ شَعْرَها بإحكامٍ، ثم قَفَزَتْ في البحرِ دُونَ تردُّدٍ.
طَشْـ!
انْدَهَشَتْ ديلفي مِن تَصَرُّفِ إيلين المُفاجئِ واقتَرَبَتْ منها بسرعةٍ وكأنَّها نَسِيَتْ غَضَبَها.
(سَيْرِين!)
“بُوهـا!”
خَرَجَتْ إيلين لِسطحِ الماءِ وهي تَتنفَّسُ بِمَرَحٍ قَبْلَ أنْ تَصِلَ ديلفي إليها.
كانَتْ واثقةً جدًّا مِن مَهاراتِها في السِّباحةِ.
نَظَرَتْ إلى ديلفي التي تقتربُ منها وقالتْ بابتسامةٍ:
“إذًا؟ أَلَنْ تَتوقَّفي عنِ الغَضَبِ؟”
(أنا، أنا لَسْتُ غاضبةًـ! فقط…!)
تَحرَّكَتْ ديلفي بارتباكٍ يَمينًا ويَسارًا.
مَسَحَتْ إيلين على رأسِ ديلفي وقالتْ بِنبرةٍ مُهَدِّئَةٍ:
“أنا آسِفةٌ يا ديلفي. لقد كُنْتُ مُشَتَّتَةَ الذِّهْنِ بالأمورِ الكثيرةِ مُؤخَّرًا ولَمْ أَستطعِ الاهتمامَ بكِ.”
(أنا مَنْ يَجِبُ أنْ يَعْتذرَ. السَّيْرِين تَمُرُّ بوقتٍ عَصيبٍ بَيْنَما أنا كُنْتُ أَتَذَمَّرُ.)
أَصْدَرَتْ ديلفي صَوْتًا ناعِمًا وكأنَّها تَعْتذرُ، فاحتَضَنَتْ إيلين رأسَها بقُوَّةٍ.
ثم اسْتَمْتَعَتْ بالوقتِ وهي تَسبحُ معها لِفترةٍ لِتَستريحَ قليلًا.
❁❁❁
بَعْدَ جَوْلةٍ مِنَ اللَّعِبِ في الماءِ، كانَتْ إيلين تَطْفو فوقَ البحرِ مُستنِدَةً إلى جَسدِ ديلفي.
وبَعْدَ أنْ لاحظَتْ أنَّ مِزاجَ ديلفي قد تَحسَّنَ كثيرًا، سأَلَتْها بحَذَرٍ:
“ديلفي. هل السَّيرِين… أَعني السَّيرِين الأخرى التي تَمْلكُ نَفْسَ رُوحي، كانَتْ تُغنِّي لَكِ باستمرارٍ؟”
(نَعَمْ. غناءُ السَّيرِين رائعٌ حقًّا.)
أجابَتْ ديلفي بصوتٍ مُشرقٍ وكأنَّها سَعيدةٌ حقًّا.
تردَّدَتْ إيلين لِلَحْظةٍ قَبْلَ أنْ تَطرَحَ مَوْضوعَها الأساسيَّ:
“إذًا… هل تَعرفينَ أنَّ لِغناءِ السَّيرِين قُوَّةً ما؟”
في تِلْكَ اللَّحظةِ، شَعَرَتْ بجَسدِ ديلفي وهو يَتَصَلَّبُ.
أَدْرَكَتْ بحَدْسِها أنَّ ديلفي تَعرفُ شيئًا، فسأَلَتْ مَرَّةً أخرى:
“… ديلفي؟ إذا كُنْتِ تَعرفينَ شيئًا، فأخبريني.”
(هل السَّيرِين… أصبَحَتْ قادرةً على استخدامِ القُوَّةِ؟)
بَدَا صَوْتُ ديلفي حزينًا نوعًا ما.
ولأنَّها لَمْ تَفهمِ السَّببَ، قالتْ إيلين بصراحةٍ:
“نَعَمْ. ولكنني لا أَعرفُ مَتى وكيفَ تُسْتَخدَمُ هذهِ القُوَّةُ. هل تَعرفينَ ذلكَ يا ديلفي؟”
(قُوَّةُ السَّيرِين هي… تَجَلٍّ لِلإرادةِ القويَّةِ والأُمنِيَّاتِ.)
التعليقات لهذا الفصل " 19"