الفصل 18
هَزَّتْ إيلين رأسَها نَفْيًا لِسُؤالِ لوبروس.
لَمْ تَكُنْ قد فَكَّرَتْ في الأمرِ مِن قَبْلُ، ولكنْ بالنظرِ إلى الوراءِ، كانَ هناكَ جُزءٌ غريبٌ حقًّا.
وقبلَ أنْ تَسْتَفِيضَ إيلين في أفكارِها، قَدَّمَ هو الإجابةَ ببساطةٍ:
“لأنني تَنازَلْتُ عن حَقِّي في وِراثةِ عَرْشِ إمبراطوريَّةِ أوركا. كانتْ تلكَ رغبةَ والدتي أيضًا.”
وأَضافَ لوبروس والابتسامةُ المريرةُ تَرْتَسِمُ على وجهِهِ:
“قالتْ إنَّها لا تُريدُ أنْ تَراني أُسْتَغَلُّ لأغراضٍ سياسيَّةٍ مِثْلَها.”
بأيِّ مَشاعِرَ يا تُرى قالتِ الإمبراطورة الرَّاحلةُ لهُ مِثْلَ هذا الكلامِ؟
شَعَرَتْ إيلين بالشَّفقةِ عِندما فَكَّرَتْ في قَلْبِ تلكَ المرأةِ الذي لابُدَّ أنَّهُ كانَ مُثْقَلًا بالأَلَمِ.
“لذا، حتى لو أصبَحْتِ كاهنةً، فالأمرُ سِيَّانُ. رُبَّما سيُثيرُ الوزراءُ ضَجَّةً كما فَعَلوا حِينذاك، ولكنَّ جلالةَ الإمبراطورِ، ووليَّ العهدِ، وأنا أيضًا، قد مَرَرْنا بالتَّجربةِ ذاتِها. ليسَ لدَيْنا أيُّ نِيَّةٍ في جَرِّكِ إلى زواجٍ لا تَرغبينَ فيهِ.”
بسببِ كلماتِ لوبروس التي بَدَتْ وكأنَّها تَقْرأُ كُلَّ ما يَدورُ في خَلَدِها، أمالَتْ إيلين رأسَها والتَقَتْ عيناها بعَيْنَيْهِ.
قالَ هو، واضعًا ابتسامةً صغيرةً فوقَ ملامحِهِ القويَّةِ التي توحي بالثِّقةِ:
“بالطَّبعِ، لا يزالُ قانونُ مَنْعِ الهجرةِ وقُيودُ الزَّواجِ سارِيَةً. ولكنني سَمِعْتُ مِن ميساجيو أنَّكِ لا تَهتمِّينَ كثيرًا بهذهِ النُّقطةِ.”
“آه… حقًّا، هذا الرَّجلُ القرعُ العسليُّ الصَّلبُ…”
خَرَجَتِ الكلماتُ مِن فَمِ إيلين دُونَ قَصْدٍ.
لقد أَغْلَقَ كُلَّ الطُّرُقِ الجانبيَّةِ والخلفيَّةِ، ويَدفعُها الآنَ لِتَمشِيَ نَحوَ الأمامِ فقط.
والأغربُ مِن ذلكَ، هو أنَّها لَمْ تَكُنْ تَكْرَهُ هذا الشُّعورَ.
نَشَأَ بدَاخلِها نَوْعٌ مِنَ الثِّقةِ غيرِ المفهومةِ، وكأنَّها تَشعرُ أنَّ كلماتِ هذا الرَّجلِ يُمكِنُ تَصديقُها.
مِن جِهَةٍ أخرى، أمالَ لوبروس رأسَهُ عِندما سَمِعَ كَلِمَةَ (القرعِ العسليِّ الصَّلبِ) التي تَمْتَمَتْ بها.
“… لقد قُلْتِ هذا مِن قَبْلُ، ماذا تَعني هذهِ الكَلِمةُ بالضبطِ؟ هل هو شيءٌ جَيِّدٌ؟”
هل القرعُ العسليُّ… جَيِّدٌ؟ أهاها…
بالتَّأكيدِ هو لا يَسألُ وهو يَعرفُ المَعنى الحقيقيَّ، ولكنَّ النَّبْرَةَ كانتْ غريبةً بعضَ الشَّيءِ مِمَّا جَعَلَ حاجِبَيْ إيلين يَرْتجفانِ.
نَظَرَتْ إليهِ وهو لا يزالُ يَنْظرُ إليها بوجهٍ مَلِيءٍ بالتَّساؤلاتِ، ثم قالتْ وهي تُصْدِرُ صَوْتَ (هُمْف):
“هناكَ شيءٌ كهذا. كائنٌ غريبٌ، يَبدو في الظَّاهرِ قاسيًا ومُستبدًّا لدرجةِ أنَّ نَصْلَ السَّيْفِ لا يَنفذُ إليهِ، ولكنَّهُ مِنَ الدَّاخلِ حُلْوٌ وناعمٌ…”
طَلَبَ مِنها تَوضيحَ المَعنى مَرَّةً أخرى، لكنَّ إيلين اكْتَفَتْ بالضَّحِكِ وأَسْرَعَتْ في خُطواتِها.
قَبْلَ مُغادرتِها لِقَصْرِ اللُّؤلؤِ، كانَ صَدْرُها ضَيِّقًا، ولكنَّها الآنَ تَشعرُ بالرَّاحةِ قليلًا.
❁❁❁
“اليومَ، سأُحدِّثُكِ عنِ الآلهةِ المَوْجودينَ في هذا العالَمِ.”
تَفَحَّصَ ألكيرون وَجْهَ إيلين، الذي بَدَا أحسنَ بكثيرٍ مُقارنةً باليومِ السَّابقِ، ثم أَعْلَنَ عن مُحتوى دَرْسِ اليومِ.
في الأصلِ، كانَ مِنَ المُفترضِ أنْ تَنْقُلَ هي إليهِ مَعارفَ كَوْكَبِ الأرضِ، ولكن لَمْ يَتَبَقَّ سِوى أربعةِ أيامٍ على طُقوسِ الإلهِ.
لذا، استأْذَنَتْ ألكيرون في تأجيلِ ذلكَ الوقتِ إلى ما بَعْدَ الطُّقوسِ.
“في هذا العالَمِ، هناكَ خَمْسَةَ عَشَرَ إلهًا كَشَفَ البَشَرُ عن وُجودِهم. ويَنْقسمونَ حَسَبَ خَصائصِهم إلى: آلهةِ السَّماءِ، وآلهةِ الأرضِ، وآلهةِ العالَمِ السُّفليِّ.”
“هل تَقصدُ الآلهةَ الذينَ يَحكمونَ السَّماءَ، والأرض، وتَحْتَ الأرضِ؟”
“تقريبًا. أوَّلًا، آلهةُ الأرضِ الذينَ يَرتبطونَ بالبَشَرِ بشكلٍ وثيقٍ هُمْ: إلهُ البحرِ أبِيس، وإلهُ النَّارِ إينيس، وإلهُ الرِّياحِ فينتو، وإلهُ الأرضِ تيرا، وأخيرًا إلهُ الأشجارِ لِينيو.”
‘الماءُ، والنَّارُ، والرِّياحُ، والأرضُ، والأشجارُ… يُشبهُ الأمرُ نَظريَّةَ العَناصرِ الخَمْسَةِ.’
وَجَدَتْ إيلين نِقاطَ تَشابُهٍ بَيْنَ هذا العالَمِ وعالَمِها الأصليِّ، مِمَّا جَعَلَها تَستمعُ للشَّرحِ بتركيزٍ وراحةٍ أكبرَ.
“يُطْلَقُ عليهم الآلهةُ الطَّيِّبون لأنَّهم يَحمونَ البَشَرَ ويَحكمونَ على الباطِلِ. في إمبراطوريَّةِ أوركا المُحاطةِ بالبحرِ مِن كُلِّ جانِبٍ، نَعْبُدُ الإلهَ أبِيس، ولكنَّ هناكَ دُولًا تَعْبُدُ إلهَ الأرضِ. مِثلَ إمبراطوريَّةِ بانديرا، وهي دَوْلةٌ داخليَّةٌ تَقَعُ في الشَّمالِ الشَّرقيِّ مِن أرخبيلِ أنديموس.”
“إمبراطوريَّةُ بانديرا…؟”
سأَلَتْ إيلين بَعدَ أنْ سَمِعَتِ الاسمَ المألوفَ.
لقد كانَ هذا هو اسمُ وَطَنِ الإمبراطورة الرَّاحلةِ الذي ذَكَرَهُ لوبروس بالأمسِ.
“يَبدو أنَّكِ سَمِعْتِ بالاسمِ مِن قَبْلُ. نَعَمْ، إمبراطوريَّةُ بانديرا، وهي مَسْقَطُ رأسِ الإمبراطورة الرَّاحلةِ وعائلةِ الدُّوقِ لوبروس مِن جِهةِ أُمِّهِ، تَتَّخِذُ مِن إلهِ الأرضِ تيرا إلهًا لها.”
“مِنَ المذهلِ أنْ تَتَمَكَّنَ امرأةٌ مِن دَوْلةٍ تَعْبُدُ الإلهَ تيرا مِن أنْ تُصبحَ كاهنةً للإلهِ أبِيس…”
أومأَ ألكيرون برأسِهِ وأَكْمَلَ الشَّرحَ:
“ذلكَ لأنَّ آلهةَ الأرضِ يَحترمونَ مَجالاتِ بَعضِهم البعضِ. تَمامًا كما تَختفي قُوَّةُ مَنْ يَمْلكُ القُوَّةَ الإلهيَّةَ عِندما يُغادرُ أرخبيلَ أنديموس (مَجالَ الإلهِ أبِيس)، فإنَّ أيَّ شَخصٍ كانَ في مَجالِ إلهٍ آخَرَ يُمكِنُهُ الحُصولُ على القُوَّةِ الإلهيَّةِ إذا نَالَ اعترافَ الإلهِ أبِيس داخلَ مَجالِهِ.”
‘حَسَنًا، في حالتي، رُغمَ أنني مُجَرَّدُ رُوحٍ، إلا أنني جِئْتُ مِن بُعْدٍ آخَرَ وليسَ مُجَرَّدَ دَوْلةٍ أخرى.’
وافَقَتْ إيلين على كلامِهِ بسهولةٍ وهي تُفَكِّرُ في نَفْسِها.
وتابَعَ هو شرحَهُ:
“وعلى العكسِ، هناكَ (الآلهةُ الأشرارُ) وهُمْ آلهةُ العالَمِ السُّفليِّ: إلهُ المرضِ مورباس، وإلهُ الكوارثِ مالوم، وإلهُ الظَّلامِ بويو، وإلهُ العالَمِ السُّفليِّ هاديس، وإلهُ الفَوْضى كايوس. هؤلاءِ الآلهةُ الخمسةُ يُسَمَّونَ أشرارًا لأنَّهم يَتَدخَّلونَ في آلامِ البَشَرِ ومَوْتِهم.”
كانتْ هذهِ المُصطلحاتُ غريبةً جدًّا، لذا دَوَّنَتْها إيلين على وَرقةٍ وهي تَستمعُ، ثم سأَلَتْهُ بفضولٍ:
“إذا كانَ آلهةُ الأرضِ هُمُ الأخيارُ، وآلهةُ العالَمِ السُّفليِّ هُمُ الأشرارُ، فكيفَ نُعَرِّفُ آلهةَ السَّماءِ؟”
“آلهةُ السَّماءِ لا يُوجَدُ لَدَيْهم خَيْرٌ أو شَرٌّ. إلهُ الشَّمسِ سولي، وإلهُ القَمَرِ ميناس، وإلهُ الأبعادِ راتيو، وإلهُ المكانِ تراكتوس، وأخيرًا إلهُ الأرواحِ أنيما. هؤلاءِ الخمسةُ يُسَمَّونَ (الآلهةَ المُحايدين).”
… أنيما؟
استجابَتْ إيلين فَوْرَ سَمَاعِ الاسمِ المألوفِ.
“أنيما هو إلهٌ سَماويٌّ؟”
“نَعَمْ، هذا صحيحٌ… ولكن، هل تَعرفينَ شيئًا عن إلهِ الأرواحِ؟”
إلهُ الأرواحِ أنيما.
وَفْقًا لكلامِ ديلفي والسَّيرِين، كانَ هو الكِيانَ الذي يَجِبُ عليها تَهْدِئَةُ غَضَبِهِ.
سأَلَتْ إيلين بتَوَتُّرٍ:
“ماذا تَعني بالضبطِ بكونِهِ لا يَمْلكُ خَيْرًا أو شَرًّا؟”
“يَعني حرفيًّا أنَّهُ لا يَمْلكُ تَمييزًا بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ الذي يُعَرِّفُهُ البَشَرُ. بعبارةٍ أخرى، يُمكِنُ أنْ يُصْبِحَ خَيِّرًا أو شَرِّيرًا حَسَبَ رغبةِ البَشَرِ.”
‘السَّيرِين… البَشَرُ… وأنيما…’
بَيْنَما كانتْ إيلين تُفَكِّرُ في العَلاقةِ بَيْنَ هؤلاءِ الثَّلاثةِ، خَطَرَتْ لها فرضيَّةٌ.
“هل هناكَ دُولٌ تَعْبُدُ أنيما كإلهٍ لها؟”
“… كانتْ موجودةً في الماضي، ولكنَّها لم تَعُدْ موجودةً الآنَ. بدِقَّةٍ أكبرَ، يُمكِنُ القَوْلُ إنَّها انْدَثَرَتْ.”
“انْدَثَرَتْ؟”
إذا كانتْ مَوْجودةً في الماضي، فلا بُدَّ أنَّ هناكَ سَببًا لاندثارِها.
سأَلَتْ مَرَّةً أخرى ظَنًّا مِنها أنَّ ذلكَ قد يكونُ خَيْطًا مُهمًّا:
“لماذا انْدَثَرَتْ؟”
“بسببِ الطَّبيعةِ التي يَمْلكُها الآلهةُ المُحايدونَ. إلهُ الأرضِ، مَهما تَمَنَّى البَشَرُ، فإنه لَنْ يَسْتجيبَ إذا كانَ الطَّلَبُ خاطئًا بمعاييرِ الإلهِ.”
لهذا السَّببِ، جَميعُ مَنْ في إمبراطوريَّةِ أوركا، بِمَن فِيهم الكاهنُ الأكبرُ، يَعْبُدون الإلهَ أبِيس ويَخافونَهُ في الوقتِ ذاتِهِ، خَشْيَةَ أنْ يُثيروا غَضَبَهُ ويَنالوا عِقابَهُ.
“ولكنَّ آلهةَ السَّماءِ مُختلِفونَ. إنَّهم يَسْتجيبونَ لِلأُمنيةِ بِناءً على صِدْقِ وُجْدَانِ مَنْ يَدْعُو، بَغْضِ النَّظَرِ عن كَوْنِها خَيْرًا أو شَرًّا. فماذا سيَحدُثُ إذا نَشَبَ صِراعٌ داخليٌّ في دَوْلةٍ تَعْبُدُ مِثْلَ هذا الإلهِ؟”
“سَيَدْعُو كُلُّ طَرَفٍ بِهَلاكِ الآخَرِ.”
أَدْرَكَتْ إيلين السَّببَ وراءَ سُؤالِ ألكيرون.
السَّببُ في اندثارِ الدَّولةِ التي كانتْ تَعْبُدُ أنيما كانَ على الأرجحِ التَّدميرَ الذَّاتيَّ الناتجَ عن أنانيَّةِ البَشَرِ.
وبَيْنَما كانتْ تَمْسَحُ ذراعَيْها مِنَ القُشَعْريرةِ، أَضافَ ألكيرون وكأنَّهُ تذكَّرَ شيئًا:
“آه، وبما أننا تَحدَّثنا عنِ الإلهِ أنيما، فإنَّ الإلهَ أنيما يُعتبرُ إلهًا أعلى مِنَ الإلهِ أبِيس والإلهِ تيرا.”
“… هل تُوجَدُ طَبَقيَّةٌ بَيْنَ الآلهةِ أيضًا؟”
رَدًّا على سُؤالِها، حَكَّ ألكيرون ذَقنَهُ وأَضافَ:
“هممم… هل تَتذكرينَ ما قُلْتُهُ قبلَ قليلٍ عن أنَّ آلهةَ الأرضِ يَحترمونَ مَجالاتِ بَعضِهم؟”
أومأَتْ برأسِها إيجابًا.
“بمعنى آخَرَ، آلهةُ الأرضِ لا يُمكِنُهم اختراقُ أو رُؤيةُ مَجالِ إلهٍ آخَرَ. ولكنْ هناكَ إلهٌ يُمكِنُهُ فِعْلُ ذلكَ، وهو الإلهُ الأعلى لَهم.”
كانَ شرحُهُ أنَّ الإلهَ أنيما هو إلهُ الأرواحِ، وبالتالي فإنَّ كُلَّ كائنٍ حَيٍّ يَمْلكُ رُوحًا في البحرِ أو على الأرضِ يَنْتمي لإلهِ الأرواحِ.
“لهذا السَّببِ، يُمكِنُ للإلهِ أنيما رُؤيةُ مَجالِ الإلهِ أبِيس والإلهِ تيرا، ولكنَّ العَكْسَ غيرُ صَحيحٍ.”
شَعَرَتْ أنَّ خَيْطًا مُهمًّا قد مَرَّ الآنَ مِن أمامِ عَيْنَيْها.
العلاقةُ بَيْنَ الإلهِ أبِيس والإلهِ أنيما كانتْ مَجالًا لَمْ تُفَكِّرْ فيهِ إيلين بَعْدُ.
سأَلَتْ وهي تَتساءَلُ إنْ كانَ ذلكَ مُمكِنًا:
“إذًا… هل يُمكِنُ لِتَابِعِ الإلهِ أبِيس أنْ يَخْضَعَ لِسَيْطرةِ الإلهِ أنيما؟”
“يَبدو ذلكَ مُمكِنًا، فَتَابِعُ الإلهِ أبِيس هو في النِّهايةِ كائنٌ حَيٌّ.”
قُشَعْريرةٌ.
عِندما تَبيَّنَ أنَّ الفرضيَّةَ التي خَشِيَتْها كانتْ حقيقةً، شَعَرَتْ إيلين ببرودةٍ تَسْرِي في عَمودِها الفَقَرِيِّ.
❁❁❁
“… يَبدو أنَّكِ كُنْتِ غارقةً في أفكارٍ أخرى اليومَ أيضًا.”
في طَريقِ العودةِ بَعْدَ تَنْويمِ إيليوس، رَافَقَها لوبروس وكأنَّهُ أمرٌ طَبيعيٌّ، ويَبدو أنَّ لدَيْهِ ما يَقولُهُ.
مَشَتْ بصَمْتٍ عَبْرَ مَمَرِّ الحديقةِ دُونَ رَدٍّ.
عَقَدَ هو حاجِبَيْهِ أمامَ صَمْتِها وسأَلَ:
“ما المُشكلةُ هذهِ المَرَّةَ؟ سَمِعْتُ أنَّ حديثَكُم اليومَ كانَ عنِ الآلهةِ. هل لَهُ علاقةٌ بالإلهِ أنيما الذي ذَكَرْتِهِ سابقًا؟”
“.. هل تَعرضُ عليَّ مَشورةً؟”
“إذا أَرَدْتِ.”
يا لَهُ مِن رَجُلٍ لا يَفوتُهُ شَيْءٌ، ونَبِيهٌ جدًّا.
لدرجةِ أنَّها بَدأتْ تَتساءَلُ إنْ كانَ هناكَ شَيْءٌ واحدٌ تَفعلُهُ ولا يَصِلُ إلى مَسامِعِهِ.
“أُريدُ الذَّهابَ لِمُقابلةِ ديلفي غَدًا صباحًا. لقد كُنْتُ مَشغولةً جِدًّا في الأيامِ الماضيةِ ولَمْ أَتَمَكَّنْ مِن زِيارتِها.”
“.. حَسَنًا.”
رغمَ عِلْمِهِ أنَّها تُغيِّرُ الموضوعَ عَمْدًا، إلا أنَّ لوبروس لَمْ يُعَلِّقْ على ذلكَ، بل سأَلَ شَيْئًا آخَرَ:
“لَدَيَّ سُؤالٌ.”
“هل بَقِيَ شَيْءٌ لا تَعرفُهُ عَنِّي؟”
“… هل تَسخَرينَ مَنِّي؟”
بسببِ صوتِهِ المُتَذَمِّرِ، أَدْرَكَتْ إيلين مُتأخرةً ما قَالَتْهُ.
‘لَقَد خَرَجَتْ مَشاعري الحقيقيَّةُ دونَ قَصْدٍ.’
تَجاهَلَتْ نَظرتَهُ التي تَبدو وكأنَّها مَظلومةٌ، وتَنَحْنَحَتْ لِتُلطِّفَ الجَوَّ:
“ذلكَ لأنَّكَ تَعرفُ كُلَّ ما فَعَلْتُهُ فَوْرَ قِيامي بهِ دُونَ أنْ أَنْطِقَ بكلمةٍ. ما الذي تُريدُ مَعرفتَهُ؟”
تَرَدَّدَ لِلَحْظةٍ بَعْدَ سُؤالِها الذي طَرَحَتْهُ وكأنَّها تَمُنُّ عليهِ، ثم فَتَحَ فَمَهُ بحَذَرٍ:
“… لماذا تَهتمِّينَ بإيليوس إلى هذا الحَدِّ؟”
“ماذا؟”
كانَ سُؤالًا غيرَ مُتوقَّعٍ تمامًا.
تَوقَّفَتْ إيلين في مَكانِها ونَظَرَتْ إليهِ بوجهٍ يَمْلؤُهُ التَّعجُّبُ:
“هل يِحتاجُ الاهتمامُ بطفلٍ إلى سَببٍ؟”
“.. بالطَّبعِ أَعلمُ أنَّ نِيَّتَكِ طيِّبةٌ. ولكنْ، أَلَا تَعتقدينَ أنَّ هذا الاهتمامَ مُبالَغٌ فيهِ نَوْعًا ما بالنسبةِ لِطِفلٍ لَمْ تَلْتَقِي بهِ إلا منذُ فترةٍ قصيرةٍ؟”
عَقَدَتْ إيلين حاجِبَيْها فورَ سَمَاعِ ذلكَ:
“هل تَقصدُ أنَّ لدَيَّ نَوايا خَفِيَّةً؟”
“لَمْ أَقْصِدْ ذلكَ…!”
حاوَلَ التَّبريرَ بسرعةٍ، ثم أَمْسَكَ برأسِهِ بإحباطٍ وكأنَّهُ لَا يَسْتطيعُ التَّعبيرَ عن أفكارِهِ بشكلٍ صَحيحٍ.
وبما أنَّ علاماتِ الارتباكِ كانتْ واضحةً عليهِ، بَدَا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذلكَ شَكًّا في صِدقِها.
فَكَّرَتْ إيلين في كلماتِهِ مَرَّةً أخرى.
بالتَّأكيدِ، كانَ الذَّهابُ لِلقَصْرِ كُلَّ مَساءٍ لِتَنْوِيمِ الطِّفلِ وغناءِ الأُغنيةِ يَتطلَّبُ جُهْدًا ومَشَقَّةً.
هل بَدَا تَصَرُّفُها في مُساعدةِ الطِّفلِ دُونَ أيِّ مُقابِلٍ غريبًا جدًّا في نَظرِهِ؟
‘بالتَّفكيرِ في الأمرِ، لماذا أُعامِلُ إيليوس بكُلِّ هذا اللُّطْفِ؟’
التعليقات لهذا الفصل " 18"