الفصل 11
مَسَحَتْ إيلين بِهدوءٍ على شَعْرِ الطفلِ الغارقِ في نَوْمِه، ثمَّ انْتَبَهَتْ فجأةً لِفكرةٍ خَطَرَتْ ببالِها.
«آه، لابُدَّ أنَّ هناكَ مَنْ يَبْحَثُ عنهُ الآن.»
فَقَدْ كانَ صغيراً جِدّاً لِيَبْقى وَحيداً دونَ مُرافق.
ومَهما كانَ المكانُ الذي أتى مِنه، فَرُبما هناكَ مَنْ يَشْعُرُ بالقَلَقِ لِفُقْدانِه.
وبينما كانتْ تَرْفَعُ رأسَها لِتَسْتَكْشِفَ المكانَ دونَ أنْ تُوقِظَ الطفل، رأتْ خَيالَ شَخصٍ يَقْتَرِبُ نَحوَ المِقعدِ مِنْ بَيْنِ الأشجار.
بشَعْرٍ أحمرَ داكنٍ يَلْمَعُ تحتَ ضَوْءِ الشَّمْس، وعَيْنَيْنِ بِنِّيَّتَيْنِ مُحْمَرَّتَيْن؛ كانَ الأميرُ لوبروس يَقِفُ أمامَها بزيِّه العسكريِّ غيرِ المُرَتَّب، وكأنَّه أنهى تَدريباتِه لِتَوِّه.
بَعْدَ انتهاءِ التدريبِ الصَّباحيِّ معَ الفُرْسان، تَوقَّفَ لوبروس ونَظَرَ نَحوَ قَصْرِ المَرْجانِ حيثُ تُقيمُ إيلين.
«…. لابُدَّ أنَّها لا تزالُ نائمة.»
كانَ يَعْلَمُ أنَّ نَوْمَ النساء يَمْتَدُّ لِوَقْتٍ أطولَ مِنَ الفُرْسان، ومعَ ذلك، وَجَدَ قَدَمَيْهِ تَقودانِه نَحوَ قَصْرِ المَرْجانِ دونَ وَعْي.
فَمُنذُ أنْ غَادرَ ليلةَ أمْسِ دونَ لِقائِها، لمْ يَسْتَطِعِ النَّومَ بِهدوء، وكانَ مِزاجُه حادّاً لِدَرجةِ أنَّ الفُرْسانَ الأبرياءَ عَانوا مِنْ غَضَبِه مُنذُ الصَّباحِ الباكر.
وعِنْدَ وصولِه لِقَصْرِ المَرْجان، التَقَطَتْ أُذناه الحَسَّاستَانِ صَوْتاً ما.
«… صَوْتُ غِناء؟»
كانَ الصَّوتُ خافتاً يَمْتَزِجُ معَ الرِّياح، لكنَّه قادمٌ بالتأكيدِ مِنَ الحديقة.
وكانَ لوبروس يَعرفُ جيداً صاحبةَ هذا الصَّوْت.
«هلِ اسْتَيْقَظَتْ بالفعل؟»
توجَّهَ نَحوَ مَصْدَرِ الغِناء، وسُرعانَ ما وَجَدَ إيلين تَجْلِسُ على مِقعدٍ وتُغني لِطفلٍ صغيرٍ يَنامُ على حِجْرِها، وقدْ غَطَّتْهُ بِمِعْطَفِها الخاص.
بَقِيَ لوبروس يَنْظُرُ إليها بِذُهولٍ قبلَ أنْ يَنْظُرَ لِوَجْهِ الطفلِ ويُصْعَق.
«إيلي…؟ كيفَ وَصَلَ هذا الطفلُ إلى هنا؟»
لمْ يَفْهَمْ لِماذا هُما في المَكانِ نَفْسِه، لكنَّ الأشدَّ غَرابةً هو أنَّ الطفلَ كانَ يَنامُ بِعُمقٍ على حِجْرِ إيلين.
«هلْ شُفِيَ مِنَ الأرَق؟ لا، لمْ يصِلْني تقاريرُ عنْ ذلك…»
وفي تلكَ اللَّحظة، رَفَعَتْ إيلين رأسَها والتَقَتْ عَيْناها بِعَيْنَيْه.
“… أوه؟”
اتَّسَعَتْ عَيناها دَهْشَةً، لكنَّها لمْ تَصْرُخْ كَيْ لا تُوقِظَ الطفل.
اقْتَرَبَ لوبروس بِهدوءٍ تام، وظلَّ الطفلُ في نَوْمٍ عَميقٍ دونَ حَرَاك.
“… ما الذي جاءَ بِكَ إلى هنا في هذا الصَّباحِ الباكر؟”
سألتْهُ بِهَمْس.
“بَلْ أنتِ، ماذا تَفْعَلينَ هنا في هذا الوقت؟”
“لقدِ اسْتَيْقَظْتُ مُبَكِّراً وخَرَجْتُ لِلتَّنَزُّه، فوَجَدْتُ هذا الطفلَ وَحيداً في الحديقة.”
“….إيليوس كانَ هنا؟ في هذا الوقتِ مِنَ الفَجْر؟”
تَجَعَّدَ مابينَ حاجبَيْ لوبروس وسُمِعَ صَوْتُ صريفِ أسنانِه غَضَباً.
“… وأينَ الخادمات؟ ألمْ يكنْ مَعَهُ أحَد؟”
“لا، كانَ وَحيداً.”
هَزَّتْ إيلين رأسَها ثمَّ نَظَرَتْ إليهِ وكأنَّها وَجَدَتْ حَلاً:
“أنتَ تَعرفُ مَنْ هذا الطفل، أليسَ كذلك؟ هذا جَيّد، فَقَدْ غَرِقَ في النَّوم…”
“يا إلهي! سُموُّ الحَفيدِ الإمبراطوري!”
قاطعَ كلامَ إيلين صُراخٌ مُفاجئٌ مِنْ خَلْفِ لوبروس.
«سُموُّ الحَفيدِ الإمبراطوري؟»
نَظَرَتْ إيلين بِذُهولٍ لِتَرى خادمةً تَضَعُ يَدَيْها على فَمِها.
وعِنْدما رأتِ الخادمةُ الأميرَ لوبروس، انْحَنَتْ بِرُعْب:
“سُموُّ الأميرِ الدوق، اعتذرُ…!”
“.. اصْمُتي.”
قالَ لوبروس بِصَوْتٍ مُهَدِّد.
ارْتَعَبَتِ الخادمةُ عِنْدما رأتْ إيليوس نائماً على حِجْرِ إيلين وكأنَّها تَرى مُعجزة:
“كيفَ… حَدَثَ هذا؟”
“أَمْنُ قَصْرِ اللُّؤلؤِ في حالةٍ فَوْضَوِيَّة. كيفَ يَخْرُجُ الحَفيدُ الإمبراطوريُّ الوحيدُ دُونَ أنْ يَعْلَمَ أحَد؟”
“أنا… أنا اعتذرُ! الحقيقةُ أنَّ…”
أسْكَتَها لوبروس بِنَظرةٍ واحدةٍ وأَمَرَهَا:
“سأُحَاسِبُكُم لاحقاً. خُذي سُموَّ الحَفيدِ الآن.”
اقْتَرَبَتِ الخادمةُ بِحَذَرٍ لِتَحْمِلَ الطفلَ وسألتْ بِتَرَدُّد:
“ولكن… هلْ غَرِقَ سُموُّ الحَفيدِ في النَّومِ حقاً؟”
“نَعَم، ولكنْ هلْ كانَ يُفْتَرَضُ ألا يَنَام؟”
سألتْ إيلين بَعْدَمَا رأتِ ارتباكَ الخادمة.
نَظَرَتِ الخادمةُ نَحوَ لوبروس فَقَالَ بِحَزْم:
“أنا سأتولَّى الأمر، قُومي بِعَمَلِكِ فقط.”
حَمَلَتِ الخادمةُ إيليوس الذي ظلَّ نائماً بِهدوءٍ على كَتِفِها وغادَرَتِ الحديقة.
نَظَرَ لوبروس إلى إيلين وسألَ:
“… كيفَ فَعَلْتِ ذلك؟”
“ماذا تَقصد؟”
“أقصدُ إيليوس.”
«كيفَ فَعَلْتُ ماذا؟»
أرادتْ إيلين توبيخَهُ على أسلوبِه الجاف، لكنَّها كَتَمَتْ غَضَبَها وقالتْ بِسُخرية:
“أنا لا أفْهَمُ ما تَقُولُه يا سُموَّ الأمير، هلْ يُمكِنُكَ التحدثُ بِلُغةٍ أفْهَمُها؟”
“إيليوس يُعاني مِنَ الأرَق.”
“… ماذا؟”
صُدِمَتْ إيلين؛ طفلٌ في هذا العُمْرِ يُعاني مِنَ الأرَق؟ بَدَا الأمرُ غَيْرَ مَنطقيّ.
“لقدْ كانَ نائماً بِشَكلٍ جَيّدٍ جِدّاً!”
تنهَّدَ لوبروس وأضافَ:
“هذا ما أُريدُ مَعرفتَه. ماذا حَدَثَ بَيْنَكُمَا؟”
“لمْ يَحْدُثْ شيءٌ خاص…”
تَرَدَّدَتْ إيلين في إخبارِه عنِ الحُلُمِ وعنِ اسْمِ “سيرين” الذي ذَكَرَه الطفل.
ثمَّ قَرَّرَتِ الصِّدْقَ باستثناءِ جُزْئِيَّةِ السيرين:
“قالَ إنَّه رأى في مَنَامِه أنَّني أُغني له، وقالَ إنَّني أُشْبِهُ شُعورَ أُمِّه… لِذا وَضَعْتُ رأسَه على حِجْري وغَنَّيْتُ له أُغنيةً لِلنَّوم.”
بَدَا لوبروس مُهْتَمّاً جِدّاً:
“… رآكِ في المَنَام؟”
“نَعَم. أمْرٌ غريب، أليسَ كذلك؟”
“هلْ رأى رُؤْيَا مَرَّةً أخرى؟”
ذُهِلَتْ إيلين:
“رُؤْيَا؟ هلْ تَقصدُ أنَّ ما رآهُ كانَ حقيقياً؟ كيفَ لِطفلٍ أنْ يَمْلِكَ مِثْلَ هذهِ القُدرة؟”
شَرَحَ لَهَا لوبروس بِهدوء:
“بَعْضُ مَنْ يَمْلِكونَ سُلطةَ الإلهِ أبِيس يَرَوْنَ المُسْتَقْبَلَ في أحلامِهِم، وإيليوس أحَدُهُم.”
«يَرى المُسْتَقْبَل!»
لمْ تَسْتَطِعْ إيلين تَخيُّلَ ذلك.
ثمَّ تابعَ لوبروس بِنَبرةٍ حَزينة:
“ونحنُ نَعْتَقِدُ أنَّ هذهِ القُدرة هي سَبَبُ أرَقِه.”
“الرُّؤْيَا هي سَبَبُ الأرَق؟”
جَعَلَتْ إجابةُ لوبروس قَلْبَ إيلين يَنْقَبِض:
“إيليوس… يَبْدو أنَّه رأى وَفاةَ أُمِّه في مَنَامِه.”
شَحَبَ وَجْهُ إيلين ولمْ تَسْتَطِعِ النُّطْق.
«طِفلٌ يَرى مَوْتَ أُمِّه في حُلُمِه…»
وبما أنَّها رُؤْيَا، فَقَدْ أصْبَحَ الحُلُمُ حقيقة.
“أُمُّ إيليوس…”
“تُوفِّيَتْ قبلَ نِصْفِ عامٍ بِمَرَضٍ مجهول. عَانَتْ مِنْ ضيقِ التَّنَفُّسِ والتشنُّجات، ثمَّ انْتَهى بها الأمرُ بالانهيارِ بَعْدَ تَقَيُّؤِ الدَّم.”
وأخْبَرَهَا أنَّ الطفلَ رأى ذلكَ قبلَ وَفاتِها بِيَوْمٍ واحد.
اسْتَيْقَظَ الطفلُ صارِخاً وباكياً، وفي اليَوْمِ التالي وَصَلَ خَبَرُ وَفاةِ زَوْجةِ وَلِيِّ العَهْد.
“يا إلهي…”
انْهَمَرَتِ الدُّموعُ مِنْ عَيْنَيْ إيلين.
لمْ تَتخيَّلْ أنَّ الطفلَ الذي كانَ يَبتسمُ لَهَا قدْ مَرَّ بِكُلِّ هذا.
«ذلكَ الحُزْنُ الذي شَعَرْتُ بهِ فيه… كانَ لهذا السَّبب.»
ارْتَبَكَ لوبروس عِنْدما رأى دُموعَها ولمْ يَعرفْ كيفَ يُواسِيها:
“إيليوس لا يزالُ صغيراً، رُبما لا يَفْهَمُ مَعنى المَوْتِ تماماً، بلْ يَشْعُرُ بهِ فِطرياً فقط.”
“أعتقدُ ذلك…”
قالتْ وهي تَمْسَحُ دُموعَها.
لابدَّ أنَّ المَشهدَ الصَّادِمَ تَرَكَ جُرْحاً عَميقاً في عَقْلِ الطفلِ الباطن.
“بَدأ أرَقُه مُنذُ ذلكَ الحين. حَاولنا مَعَ أفضلِ الأطباءِ والكَهنة، ولكنَّ النتائجَ كانتْ مؤقتةً فقط.”
“الأرَقُ غَالباً ما يكونُ سَبَبُه نَفْسِيّاً.”
قالتْ إيلين.
فَهِيَ تَعْلَمُ أنَّ الأرَقَ ليسَ لهُ عِلاجٌ نهائيٌّ خَاصةً عِنْدما يُصْبِحُ مُزْمِناً، ولا يُمكِنُ إعطاءُ مُنَوِّماتٍ قويةٍ لِطفلٍ لمْ يَنْضَجْ جَسدُه بَعْد.
نَظَرَ إليها لوبروس وقَالَ:
“…. يَبْدو أنَّكِ تَعرفينَ الكثيرَ عَنِ الأرَق.”
التعليقات لهذا الفصل " 11"