أينما وَجَّهَت بصرَها، لم يكن هناك سِوى مِياه البحر.
كان البحرُ هادئاً، لا تَعصِفُ به الرِّياح، يتباهى بِلونِه الأزرقِ تحت ضوءِ شمسِ الظهيرة، لكنَّ عقلَ إيلين كان يَعُجُّ بالاضطراب.
«تُرَى… أين أنا؟»
❁*صفا : «…» هذا القوس الصغير معناها تتكلم في داخلها.❁
حاولت إيلين جاهدةً أن تتذكَّر ما حدث قبل أن تفتحَ عينَيها هنا.
كانت بكل تأكيدٍ تَقِفُ على أحد شواطئ جزيرة “جيجو” تراقِبُ البحر.
ولعلَّه بسبب الأمطار الغزيرة التي هطلت بالأمس، كانت الأمواجُ تتلاطَمُ بشراسةٍ قُبالة الشاطئ.
> [المُغنِّية الأوبرالية الصاعدة “سيو إيلين”، التي كان يُطلَقُ عليها “صوتُ الإله”، تفقِدُ صوتَها بسبب سرطان الحنجرة…]
> [صوتٌ يَسحَرُ الألباب.. الملقَّبة بـ “سيرين”، هل ستتحوَّل هذه المرة إلى “حورية بحر”؟]
> [النجمة “سيو إيلين”، التي بَرَزت في برنامج “أنا أيضاً مُغنِّية أوبرا”، تغرَقُ في عزلتِها بسبب سرطان الحنجرة.]
بعد أن فقدت صوتَها إثرَ جراحةِ استئصالِ السرطان، فقدت إيلين كلَّ رغبةٍ في الحياة وكلَّ أمل، فهربت من نظرات الناس ولجأت إلى جزيرة “جيجو” دون خِطَّةٍ مُسبَقة.
لكن حتى “جيجو” المزدحمة بالسُّيَّاح لم تمنحها السكينة.
بينما كانت تبحث عن مكانٍ خالٍ من البشر، وَجدت شاطئاً مُحاطاً بالصخور.
وبسبب سوء الأحوال الجوية، لم يكن هناك أثرٌ لإنسانٍ في ذلك المكان الذي عادةً ما يرتادُه السُّيَّاح.
وكأنَّ تلك الأمواج الهائجة تَعكِسُ حالَ قلبِها المضطرب، ظلَّت إيلين تُحدِّقُ في البحر بذهولٍ لفترة، ثم رَفعت وجهَها نحو السماء بملامحَ مليئةٍ بالعتاب.
كانت يداها المقبوضتان ترتجفان بشدة، وعيناها اللتان تملأهما الكسرةُ توشِكان على ذرفِ الدموع في أيِّ لحظة.
«…ما الخطأُ الذي ارتكبتُه؟ ماذا تريدُ مني أن أفعلَ أكثر من ذلك؟»
كانت تلومُ السماء، وتلومُ القَدَر.
في العام الذي التحقت فيه بمدرسة الفنون الثانوية حاملةً حلمَ أن تصبحَ مُغنيةَ أوبرا، فقدت والدَيها في حادثِ سَير.
اعتنَت بها عَمَّتُها، قريبتُها الوحيدة، لكنَّ عَمَّتَها وعائلتها المنتمية لوسط الأطباء عارضوا بشدة أن تُصبحَ إيلين مُغنية.
أُجبِرَت إيلين على الانتقال إلى مدرسةٍ عامة، والتحقت بالمسار العلمي تنفيذاً لرغبة عَمَّتِها.
لكنها لم تَستطِع التخلي عن حلمِها، فواصلت التدريب على الغناء بعيداً عن أعينِها.
كانت تُشارِكُ في جوقة الكنيسة وتَقومُ بأعمالٍ تطوعية، ولم تتقاعس يوماً عن الغناء.
وفي عامِها الأخير من الثانوية، قدَّمت إيلين أوراقَها لكلية الموسيقى سِرّاً.
وكانت النتيجةُ قَبولَها في مرحلة مراجعة الوثائق.
لكنَّ فرحتَها لم تَدُم، إذ عَلِمت عَمَّتُها بالأمر من مُعلِّم صَفِّها، فأرسلت مَن يُراقِبُها، ولم تَتَمكَّن إيلين حتى من الاقتراب من المدرسة في يوم المقابلة.
ولم يَنتهِ الأمرُ عند هذا الحد، فبعد أن تشاورت العَمَّةُ مع المُعلِّم بشأن درجاتِها، قدَّمت لها أوراقَ الالتحاق بقسم التمريض بشكلٍ أحادي، بما يتناسب مع درجاتِها التي كانت أقلَّ بقليلٍ من متطلبات كلية الطب؛ بسبب انشغالِها بالغناء سِرّاً.
فكرت إيلين في إفسادِ الامتحان عَمداً كنوعٍ من التمرد، لكنَّ عَمَّتَها كانت تُمسِكُ بزمام حياتِها بالكامل.
كان من الواضح أنَّ العَمَّةَ لن تتركَها وشأنَها حتى لو رَسَبَت.
قررت إيلين التظاهرَ بالانصياع مع انتظارِ فرصةٍ أخرى، فخضعت للامتحان بهدوء.
كانت تُخطِّطُ للاعتماد على نفسِها بمجرد أن تُصبحَ طالبةً جامعية عبر العمل في وظائفَ جُزئية.
وجاءت الفرصةُ غيرُ المتوقعة عندما تخرَّجت وبدأت حياتَها المهنية في المستشفى.
التعليقات لهذا الفصل " 1"