في اليوم العاشر لعودة سيلينا وزينوس إلى العاصمة، أصدر زينوس تعليماته للعمل ووجّه أوامر خاصة لويل.
[الليلة الساعة العاشرة، اذهب إلى هذا المكان والتقِ بخادمة الدوقة هناك.]
بعد أن تأكد ويل من الأمر، أحرق المذكرة بالشمع وبدأ يستعد للتحرك في الوقت المحدد.
في الوقت نفسه، كانت كاشي تستعد أيضاً للتواصل المقرر لهذا اليوم.
‘من أجل هذا اليوم قامت سيدتي بتدريبي.’
لو كانت خادمةً عادية، لكان يكفيها تعلم طرق صنع الشاي أو معرفة أثاث سيدتها المفضل، وأنماط الفساتين والوجبات الخفيفة التي تحبها، لكن سيلينا كانت دائماً تطلب من كاشي ما هو أكثر من ذلك.
وبفضل أوامر تلك الآنسة غريبة الأطوار، اضطرت كاشي إلى خوض تدريباتٍ بدنية لا تحلم بها أي خادمة أخرى.
تعلمت القراءة من أجل سيدتها، وتدرّبت على تسلّق الأسوار من أجلها.
“تعالي معي، هذا ليس مكانكِ.”
كانت كاشي متشرّدةً في الشوارع قبل أن تلتقي بسيلينا وتحصل على هوية خادمةٍ في قصر الكونت.
سيلينا هي من منحت كاشي حياتها الحالية.
‘لذلك، مهما حصل، يجب أن أطيع أوامر سيدتي.’
كانت كاشي إنسانةً تعرف الوفاء.
عندما وصلت إلى المكان المقرر قبل العاشرة، سمعت طرقاً على الباب بالشفرة المتفق عليها.
“ظلمة هذا الوقت هي….”
لكن لم يأتِ الردّ بالشفرة.
‘ما هذا؟’
“ظلمة هذا الوقت هي….”
و عندما لم يأتِ الرد مرة أخرى، أدركت كاشي أن هناك خطباً ما. وحين حاولت الهرب عبر الباب الخلفي للمنزل المهجور، انطلقت فجأة سهامٌ نحوها.
بفارق 3 سنتيمترات فقط، أفلتت من سهم كان سيخترق رأسها، لكنها لم ترتبك ورأت السهم مغروساً في الباب، ثم تراجعت فوراً خلف الباب المفتوح لتتفادى السهم التالي.
وبينما كانت سهامٌ أخرى تنطلق، ظهر رجل مجهول من الظلام،
“من هذه الجهة!”
وبحدسها، أدركت كاشي أن هذا الرجل ليس من الطرف الذي يهاجمها. لذلك ركضت فوراً باتجاهه دون تردد.
‘إن نجوتُ هنا…..ستنجو سيدتي أيضاً.’
لم تشعر بالمرارة لأنها تؤدي عملاً يهدد حياتها، رغم أنها كان يمكنها أن تعيش بهدوءٍ كخادمة في القصر.
كانت مقتنعةً أن هذا هو الوقت الذي يجب أن تخدم فيه سيدتها حقاً وهي على قيد الحياة.
***
كان ويل قد جاء للقاء كاشي، لكنه رأى رجالاً يرتدون السواد يقتربون من المكان قبله، فراقب الوضع من مسافة.
كان أولئك الرجال يحيطون بالمبنى ثم يطرقون الباب بحذر.
‘هذه هي شفرة الطرق التي اتفقنا عليها.’
تفاجأ للحظة، لكن ما أثار شكه حقاً هو أنهم لم يعرفوا الرد عندما طُلب منهم من الداخل.
وحين رأى رجلاً عند الباب الخلفي يطلق سهماً، أدرك أنه لا يمكنه الانتظار أكثر وتدخّل لإنقاذ كاشي.
هرب الاثنان فوراً. فلم يكن لديهم سلاح، وكان عدد الأعداء أكبر، لذا كان الهروب الخيار الأنسب.
كان ويل جندياً. وكان يعرف غريزياً ما هو أهم شيء في مثل هذه الظروف.
“هل هناك مكانٌ للاختباء؟”
“لدي مكان أقيم فيه. فلنذهب إليه.”
ركضت كاشي بسرعة دون أن تلهث، وتوجها نحو مخبئها المؤقت.
‘ليست سيئة بالنسبة لخادمة….إنها تركض بسرعة.’
ثم وصلا إلى المكان الذي كانت تقيم فيه كاشي مؤقتاً.
“ما هذا….؟”
من أمام البوابة بدا واضحاً أن أحدهم قد سبقهم ودخل المكان.
“تراجعي. سأدخل أولاً.”
دخل ويل وهو يحمي كاشي ويتفقد الأصوات. و كان الداخل في حالة فوضى ولم يكن هناك أحد.
“يبدو أن هذه هي المشكلة.”
تنهدت كاشي وهي تنظر إلى ورقة نصف محترقة.
كانت سيلينا ترسل تعليماتها لكاشي عبر رسائل ورقية. وكانت كاشي عادةً تحرص على حرق الرسائل بعد أخذ التعليمات، لكنها فشلت في حرق آخر واحدة بشكل كامل، فبقيت فيها الشفرة الخاصة بالطرق.
“يبدو أن مكاننا قد انكشف.”
أومأت كاشي لكلام ويل ثم جمعت الأشياء الضرورية.
“يمكنني تغيير المكان في أي وقت. كل ما أحتاجه معي. هذا المكان لم يعد آمناً، فلنذهب للاختباء في مكانٍ آخر.”
“لن يكون أي مكانٍ آمناً حقاً. لماذا لا تأتين معي مباشرةً إلى قصر الدوق؟”
كان من الطبيعي لويل أن يقترح ذلك. فمن أجل حماية خادمة الدوقة الموثوقة، يجب أخذها إلى مكانٍ ذي حراسة مشددة.
لكن كاشي كانت لديها أمورٌ أخرى يجب أن تضعها في الأولوية.
“ذهابي إلى قصر الدوق ليس أمراً صعباً. لكن إن فعلت ذلك، فسيصبح ذهابي وإيابي إلى الجناح الشرقي أكثر صعوبة.”
“…….”
“وكما اكتشف أحدهم مخبئي اليوم، فسوف يكتشف أحدهم أيضاً أنني ذهبت إلى قصر الدوق. وإذا شاع خبر أن خادمةً من قصر الكونت تتردد بين قصر الدوق والجناح الشرقي، فستسوء سمعة سيدتي أكثر. وحينها لا يمكننا ضمان متى سيتم رفع الإقامة الجبرية عنها.”
بعد سماع هذا الكلام، فكر ويل قليلاً ثم ارتسم على شفتيه خطٌ رقيق من الابتسام.
“لا، كاشي. علينا في الواقع استغلال هذا الأمر.”
“نعم؟”
“لنذهب الآن معاً إلى القصر. سأشرح لكِ هناك. على الأرجح، سيدتي….لا، سمو الدوقة نفسها ستثني عليكِ وتقول أنكِ أحسنت التفكير.”
***
“فشلتم؟”
أظهرت إنغريد هايزل غضبها على وجهها الصغير وهو يلتوي بالكامل.
“هل نقابتكم عاجزةٌ حتى عن فعل شيء بهذا القدر من البساطة؟ هل طلبت منكم قتل شخصيةٍ مرموقة؟ كل ما طلبته هو قتل خادمة! أهذا صعبٌ إلى هذا الحد؟”
“آنسة، انتبهي لكلامكِ. صحيحٌ أننا نعمل من أجل المال، لكن لصبرنا حدود.”
“صحيح، وهذه الحدود…..لديّ أنا أيضاً مثلها.”
حدقت إنغريد بحدة في زعيم النقابة أمامها.
“أنتم تتقاضون المال، إذاً قوموا بعملكم. هذا هو الغرض من دفع المال.”
“حسناً، إذا كانت تلك رغبتكِ، فسأعيد لكِ المال. هل يرضيكِ هذا؟”
قال الرجل ذلك وكأنه يتفاخر، ثم سحب خنجره ولعق حافة النصل بلسانه الأحمر متحدياً.
“وبهذا، لن تكوني عميلتي بعد الآن. ومهما فعلتُ، فلن تتمكني من قول كلمة واحدة.”
“هكذا إذاً تتصرف نقابتكم؟”
ضحكت إنغريد بسخرية وهي تنقر إصبعها.
حدث الأمر في لحظة. شعر زعيم النقابة بأن الدنيا قد انقلبت قبل أن يدرك أن جبهته ارتطمت بسجادة الأرض.
“ما….ما هذا؟”
“هشش….ستفقد وعيك خلال لحظات. لذلك سأخبركَ شيئاً واحداً فقط قبل ذلك. هل تعرف لماذا وكلتك رغم أن لديّ هذه القوة؟”
انحنت إنغريد نحو أذنه وهي ترتكز على ركبةٍ واحدة.
“لأن الوقت لم يحن بعد لأكشف قوتي. لذلك كل ما كان عليكَ فعله هو تقاضي المال والقيام بالعمل جيداً.”
بعد أن تأكدت من توقف أنفاسه، سحبت إنغريد الحبل.
و دخل البارون هايزل، لا الخادم، وكأنه كان أمراً بديهياً، ثم اتسعت عيناه خوفاً عندما رأى الرجل ملقى على الأرض.
‘مـ….مات؟’
تنهدت إنغريد عندما رأت وجه البارون وقد تجمد من الرعب، ولوّحت بيدها بكسل.
“خذه واختفِ به.”
“أأ….أختفي….بالجثة؟”
رغم أن البارون هايزل اعتاد السير تبعاً لمال ابنته، وشاركها في تزوير بعض الأوراق، إلا أنه لم يسبق له أن رأى جثة، فضلاً عن أن يُطلب منه التخلص منها.
فبدأ العرق البارد يتصبب منه وهو لا يعرف ماذا يفعل.
“لماذا؟ هل ينقصكَ المال؟ هل تريد المزيد كي تتحرك؟”
التعليقات لهذا الفصل " 29"