استيقظ فيليب وهو مقيّدٌ إلى الكرسي. في زنزانة تحت الأرض لا يدخلها خيطٌ واحد من الضوء و لم يعد يعرف إن كان الوقت نهارًا أم ليلًا.
كان يتكيف بالكاد مع ضوء الشعلة حين يدخل أحدهم، ثم يعود ويتكيف مع الظلام حين يخرج.
“سيحضر جلالته قريبًا، فابقَ هادئًا.”
قال لوس ذلك ثم فك الحبال التي كانت تقيد فيليب. فابتسم فيليب بسخرية، ثم نهض من الكرسي وجثا على ركبةٍ واحدة أمام الإمبراطور،
“أرى شمس الإمبراطورية الوحيدة، جلالة الإمبراطور.”
“ارفع رأسكَ.”
“شكرًا لك.”
نهض فيليب وجلس مجددًا على الكرسي، ولم يبقَ موضعٌ واحد في ثيابه سالمًا.
بقايا الضرب الذي تلقّاه طيلة الأيام الماضية كانت ظاهرةً في كل مكان، وبين ثنايا الملابس الممزقة بدا الدم الذي جفّ عليها.
“أأنتَ لست من تلقّى قوة التنين؟ أراكَ بخير رغم ضربكَ لأيام، يبدو أن أختي أحسنت الاختيار.”
قال الإمبراطور ذلك ثم أصدر أمرًا بصوت عالٍ،
“هَيّا، سيصل قريبًا الدوق يوستيا الذي ننتظره، فلتُحضَر ثياباً جديدة لزوج أختي. لو رآك ابن أختي العزيزة بهذا الشكل لتمزق قلبه. أليس كذلك يا زوج أختي؟ لا ينبغي أن يُصدم حتى لا يقرر أن يمحو هذه البلاد تمامًا.”
عند كلام الإمبراطور، ضحك فيليب عاليًا وكأنه لا يستطيع إخفاء فرحه.
“أخيرًا سيأتي زينوس. نعم، نعم. يجب أن أستقبله بأبهى صورة. لا يمكن أن أقابله بهذا الشكل، خصوصًا أنه سيأتي مع شخصٍ ثمين.”
و واصل فيليب كلامه متحديًا،
“سيأتي مع زوجته الثمينة، شريكة حياته، رفيقة دربه. لن يشعر جلالتك بالغيرة من أنه تزوج قبل ولي العهد، صحيح؟ إن كان ابنكَ يشبه أباه، فسيكون شديد الغيرة. يغار إن حصل زينوس على القوة، ويغار إن حقق النصر في الحرب، ويغار حتى إن وجد رفيقته.”
“كيف تجرؤ! لمن تقول هذا الكلام؟!”
صرخ الإمبراطور وضرب فيليب بقبضته التي يزينها الخاتم. فسال الدم من جرحٍ على وجهه لكن فيليب لم يبالِ، بل ابتسم.
“جلالتك…..يبدو أنكَ شخت. قوتكَ أضعف من قبضة طفل. أيها الحرس، أحضروا لجلالته بعض المقويات، وليمارس بعض الرياضة كي…..كهه!”
لم يكمل كلامه حتى عاجله الإمبراطور بلكمةٍ جديدة، لكن لوس أوقفه.
“جلالتك، لا يجوز! إن واصلت هذا فستعطي الدوق يوستيا سببًا لرفع راية العصيان. تمالك نفسكَ يا جلالتكم!”
“سواءً كان دوقًا أو دوقة…..سأقتلهم جميعًا! سأقتلهم!”
صرخ الإمبراطور بغضب، بينما فيليب المتهالك على الكرسي أطلق ضحكةً ساخرة،
“تقتلهم؟ وكيف؟ جلالتك، دعني أقول هذا بصدق. قوة التنين تُظهر أول ظهور لها عندما يجد صاحبها رفيقه. وعندما يرتبطان، تبدأ المرحلة الثانية من الظهور. وقد سمعت هذا من كريستا مباشرة.”
تلألأت عينا فيليب وكأنه يرفض الخسارة.
“وبعد الظهور الثاني، يصبح مستوى القوة أعلى بكثير من الأول.”
فسخر الإمبراطور منه،
“وماذا إذًا؟ هل تظن أن مجرد اختفائهما ثلاثة وعشرين يومًا وسفرهما سرًا إلى أطراف الإمبراطورية يجعل زواجهما حقيقيًا؟ أنا إمبراطور سيفايا، وإن لم أعترف بزواجهما فلن يُعتبَر زواجًا.”
“حتى لو لم تعترف، فهما متزوجان. زواجٌ وفق القانون، وعليكَ الاعتراف. فهما بالفعل اعترفا ببعضهما كزوجين-كهك!”
لم يستطع فيليب متابعة حديثه بسبب ضرب الإمبراطور المتواصل.
“تابع كلامكَ إن استطعت! ما دمتُ أنا لا أقر، فزواجهما لاغٍ!”
“جلالتك، إن زدتَ أكثر من هذا ستفسد ثيابكَ، وأنتَ مقبلٌ على حضور الحفل. تمالك نفسك.”
استعاد الإمبراطور هدوءه إثر تدخل لوس، ومسح الدم العالق على يده،
“يا زوج أختي العزيزة، تلك الكنة التي تعتز بها كثيرًا…..سأصادرها أنا. ستصل غدًا إلى العاصمة، وقد أعددتُ من يستقبلها. ومن يجرؤ على عرقلة الطريق…..سيُمحَ من الوجود. لذا، فلتكفّ عن أي حماقة.”
وعند إشارة الإمبراطور، رفعا فيليب فارسان كانا يحرسان الباب.
“أعيدوه إلى قصر الدوق.”
وهكذا، وبعد عشرين يومًا من السجن منذ أن أُخذ إلى القصر الإمبراطوري، أُفرِج عن فيليب.
ورغم أنه لم يستطع المشي جيدًا وحده، كان يبتسم طوال طريق عودته.
‘غدًا…..أخيرًا غدًا سأراكَ أقوى يا ابني.’
***
ما إن انتهى الإمبراطور من حضور الحفل حتى ذهب إلى الغرفة التي يقيم فيها الكونت آرسين.
كانت الغرفة مختلفةً تمامًا عن ظلام السجن السفلي. لكن قلب الكونت آرسين لم يكن قادرًا على الراحة.
“أرى شمس الإمبراطورية الوحيدة، جلالة الإمبراطور.”
“ارفع رأسكَ.”
جلس الإمبراطور وتحدّث فوراً،
“لا أدري إن كنتَ سمعت، لكن ابنتكَ ستعود إلى العاصمة غدًا.”
“هل ذلك صحيح؟”
“أتدري لماذا أبقيتكَ محتجزًا هنا؟”
“كيف لي أن أجرؤ على توقّع نوايا جلالتك.”
“أنت بارعٌ في الكلام المنمّق، لكن حسنًا…..سأكون صريحًا. أبقيتكَ هنا كي لا تذهب وتعبث في الخارج محاولًا استعادة سمعة ابنتكَ.”
قال الإمبراطور ذلك وهو يسكب الخمر في الكأس الموضوعة على الطاولة،
“ابن زوجتكَ غير قام بعملٍ رائع. لقد نشر شائعاتٍ جعلت من سيلينا شريرة. هل تدرك كم صُدمت عندما سمعتُ هذا لأول مرة؟ وعندما بحثت عمّن ابتكر هذه الحيلة المدهشة، فإذا به ابن زوجتكَ وزوجتكَ نفسها هما من روّجا لها. هاهاها.”
أمام الإمبراطور الذي كان يضحك وكأنه مستمتع، اكتفى الكونت آرسين بإحناء رأسه بصمت.
“لابد أنكَ تتعذب كثيرًا وأنت ترى ابنتكَ تُهان وتُشتم بلا توقف، ومع ذلك لا تستطيع فعل شيء. لكن أليس هذا أفضل من موتها؟”
انقبض جبين الكونت آرسين وكأن مجرد التفكير بالأمر يوجعه. لكن الإمبراطور واصل حديثه،
“كنتُ أخطط أساسًا لإرسال الدوق مباشرةً إلى الحدود ليفترق عن سيلينا، ثم أستدعيها إلى القصر لأزوجها من إيريك كما كان مقررًا. لكن بالنظر لما يحدث الآن…..لا حاجة لتدخلي. الناس سيعارضون الدوق وسيلينا بأنفسهم. الإمبراطورية كلها ترفضهما، فماذا عساها تلك الفتاة أن تفعل؟”
وقد ظل الكونت آرسين صامتًا بينما يستمع لحديث الإمبراطور.
“وبالطبع لا يمكنني تزويجها فورًا لإيريك في هذه الحالة. لو أحضرتها مباشرةً بعد أن لحقت برجلٍ إلى خارج العاصمة دون إذن والدها، فماذا سيقول الناس عني؟ لكن…..إن بدا الأمر كأن العائلة الإمبراطورية تنتشل ابنة صديقي القديم المسكينة بعدما دمرها الجميع، فذلك مختلف. سنظهر بمظهر المنقذين لسيلينا.”
فتنهد الكونت آرسين داخليًا بعمق،
“جلالتك، هل لابد من فعل كل هذا؟”
“أليست فتاةً تجرأت على الموازنة بين ابني والدوق؟ أليس هذا العقاب أقل ما تستحقه؟”
“سيلينا لم تفعل شيئًا من هذا.”
“أجل، أنا أعلم ذلك، وأنتَ تعلم، وزوجتكَ وابنها يعلمان أيضًا. لكن الآن….هذا هو ‘الحق’ الجديد. إنها الفتاة التي وضعت ولي العهد والدوق في ميزانٍ واحد، ورأت أن الدوق أسهل، فلحقت به حتى خارج العاصمة وجلبت العار لأسرتها. هذه هي سيلينا الآن.”
“هذا ليس صحيحًا.”
لكن الإمبراطور لم يتوقف،
“فتاةٌ وقحة لا تعرف مكانها وارتكبت فعلتها دون خجل. وهل هذا كل شيء؟ لقد آذت حتى الفتاة التي يحبها ولي العهد لكي تظفر به. مدّت يدها نحوه مهددةً حياة الآخرين. إنها سيلينا الشريرة.”
“كفى! ابنتي ليست كذلك!”
“قل ما تشاء. من سيصدقكَ؟ عُد الآن إلى منزلكَ وفكّر فقط كيف ستقنع ابنتكَ.”
“لماذا؟ لماذا تريدُ سيلينا بهذه الطريقة؟”
عند سؤال الكونت آرسين، حدق الإمبراطور فيه للحظة،
“يبدو أنكَ لم تخنّي بالكامل.”
“ماذا تعني؟ لقد كنتُ دائمًا….”
“كفّ عن ترديد كلمة ‘الولاء’. بعد أن أرسلتَ ابنتكَ إلى الدوق، أتقول هذا بوجهٍ لا يخجل؟ فقط اعلم أن سيلينا ستُلطخ سمعتها أكثر…..وفي النهاية ستدخل إلى عائلتنا الإمبراطورية.”
“جلالتك!”
“رافِقوا الكونت آرسين إلى منزله. واحرصوا ألا يلحظكم أحد.”
“أوامرك.”
وهكذا أُفرج عن الكونت آرسين بعد ثلاثة عشر يومًا من الاحتجاز.
التعليقات لهذا الفصل " 25"