“لا، لا بأس. ومن هنا لا يمكن للعربة التقدم، صحيح؟”
“داخل هذا الجبل المغطى بالثلوج توجد أرض التنين. ووفقًا للسجلات، من يتزوج هناك يحصل على علامةٍ خاصة. أشبه بشهادة الزواج التي يمنحها المعبد.”
“ولا تعرف ما هي تلك العلامة؟”
هزّ وِيل رأسه،
“لا نعرف. أليست تلك المنطقة موطن جدّ جدّكَ يا سيدي من جهة الأم؟ ألم تسمع شيئًا؟”
“السجلات المتبقية موجودةٌ في جمعية البحث فقط. وقد ذكرت لي والدتي بعض الأشياء، لكنني كنت صغيراً ولا أتذكر كل شيء.”
“أفهم.”
وبينما تفكّر سيلينا في ذهابها إلى مكان مجهول، تضيّق حاجبيها وتنظر نحو الغابة بقلق.
“يا آنسة، لا تقلقي كثيرًا. إن سلكنا هذا الطريق عبر الغابة فسنصل بالتأكيد إلى أرض التنين.”
فشعرت سيلينا بالارتياح لأن الشخص الذي سيخوض معها هذه المغامرة ليس أحدًا آخر سوى الدوق يوستيا، المعروف بأن قوة التنين التي يحملها تجلب له النصر دائمًا.
وعندما رأى وِيل يديهما المتشابكتين بإحكام،
“إذاً، اذهبا أنتما الاثنان. سأنضمّ لبقية الرفاق هنا وننتظركما.”
“لنذهب.”
“حسنًا، سنعود لاحقًا.”
دخلت سيلينا الغابة بمرافقة زينوس.
وعندما ابتعد الاثنان حتى اختفت آثارهما، تمتم وِيل بصدقٍ شديد،
“أتمنى أن تعودا سالمين.”
***
لم يكن السير في طريق الغابة —الذي يصعب حتى على العربة دخوله— أمرًا سهلاً.
ورغم أن سيلينا أحضرت حذاءً مريحًا للرحلة، فإن المشي في غابةٍ ثلجية لم يكن سهلاً، وكادت تتعثر وتسقط عدة مرات.
وفي كل مرة كان زينوس هو السند الذي يمسك بها بثبات.
“لقد تلقيتُ تدريبًا بدنيًا في الأكاديمية، لكن يبدو أنني غير معتادةٍ على طرق الغابة…..لا أفعل سوى إظهار الجانب الضعيف من نفسي.”
فردّ زينوس وهو يمسكها بمهارة بعدما كادت تتعثر مجددًا.
“أي جانبٍ ضعيف؟ بالعكس، أشعر وكأنني حظيت بفرصة. فرصة لأرافقكِ كما أشاء. من الآن فصاعدًا، أي طريقٍ سنسلكه، سأكون دائمًا إلى جانبكِ هكذا.”
ابتسم زينوس وهو يرى سيلينا تسلّم جسدها إليه بثقة كاملة.
‘لو أمكنني رؤية هذه الابتسامة كل يوم، سأرغب في البقاء بجانبه إلى الأبد..…’
تفاجأت سيلينا بالفكرة التي خطرت لها دون قصد فتراجعت قليلًا عن قربه.
‘منذ متى أصبحتُ أفكر هكذا؟ منذ متى يجعلني هذا الشخص أرتجف كلما رأيته؟’
كان شعورًا مختلفًا تمامًا عن الشعور الذي اعتادته تجاه إيريك أو خطيبها السابق مورغان، اللذين رافقا حياتها دائمًا.
وقبل أن يسألها زينوس عن سبب ابتعادها…..حدث ذلك.
دوّى صوتٌ هائل كأنه يشقّ الأذن، ثم لمع ضوءٌ أبيض أمامهما حتى غطّى مجال رؤيتهما.
وقد تلاشت الأشجار والعشب والأرض من حولهما كما لو أنها ابتلعتها تلك الإضاءة الساطعة التي فاقت ضوء الشمس.
“سيلينا!”
وبصرخة زينوس الأخيرة فقدت سيلينا وعيها. ومستعينًا بقوة التنين داخله، تمكن زينوس بالكاد من البقاء واقفًا والتقاط سيلينا الساقطة بين ذراعيه.
ورغم الألم الذي مزّق طبلة أذنه، وضع كفّه الكبيرة على أذني سيلينا محافظًا على حمايتها.
وبدأت تلك الإضاءة التي حجبت رؤيته تتقلص تدريجيًا حتى اتخذت شكل إنسان.
وعندما تقلص الضوء حتى أصبح بحجم إنسان، توقف الصوت المدوي.
“هل أنت…..بشر؟”
بدت تلك الأصوات أشبه بأصوات الريح منها بأصوات البشر، لكنها وصلت إلى زينوس بوضوحٍ رغم الطنين في أذنيه.
قصرخ زينوس بكل قوته،
“أنا من ورثة قوة التنين. وقد أتيتُ إلى هذه الأرض لأتزوج رفيقتي الوحيدة!”
***
“سيلينا. سيلينا، افتحي عينيكِ. سيلينا.”
فتحت سيلينا عينيها على نداء زينوس. وكان الضوء الأبيض و الصوت الثاقب قد اختفيا تمامًا.
“سمو الدوق، ماذا حدث؟”
“لا أعرف. لقد فقدتُ وعيي أيضًا في المنتصف…..لستُ متأكدًا.”
وضعت سيلينا يدها على جبينها بسبب صداع خفيف ونهضت قليلًا.
“ما هذا.…؟”
كانت في يدها حصاةٌ صغيرة تشبه حجرًا أبيض.
“لستُ متأكداً تمامًا…..لكن شيئًا مثل ضوءٍ أبيض قال أنه سيترك دليل الزواج معكِ. يبدو أنه كان يقصد هذا.”
“دليل الزواج؟”
ومهما نظرت إليه، لم يكن سوى حصاةٍ صغيرة بيضاء، فهزّتها سيلينا قليلًا وضربتها بطرف ظفرها.
“إنه مجرد حصاة.”
“قبل أن أفقد وعيي، أظن أن الضوء الأبيض قال أنه يترك دليل الزواج في يد الشريك. أما الباقي…..أحاول تذكّره لكن لا أستطيع.”
‘كنتُ أعلم أن الأمر سيكون مختلفًا، لكن لم أتخيل أني سأقيم زواجًا بهذا الشكل.’
ضمّت سيلينا دليل الزواج بين يديها بإحكام. وقد شعرت وكأن حرارةً لطيفة تنبعث منه بلا سبب.
“هل تتذكرين أنتِ شيئًا؟”
“لا. بعد الصوت الذي شعرت أنه يكاد يمزق أذني، ورؤيتي للضوء الأبيض…..فقدتُ الوعي.”
“هذا مزعج.”
وكان كلاهما يعلم تمامًا مدى سوء الظروف لصالحهما.
“جلالته بالتأكيد لن يعترف بزواجنا.”
‘بعد كل التعب الذي قطعناه حتى نصل إلى هنا، هل سأتزوج إيريك ويُسلب مني متجر العائلة رغم كل شيء؟’
ضمّت سيلينا ركبتيها ونظرت مطولًا إلى الحصاة التي كانت تمسكها.
“اعترافه لا يهم.”
لاحظ زينوس توتر سيلينا فجلس بقربها.
“زوجتي هي أنتِ. أليس كذلك؟”
غطّى يد سيلينا التي تحمل دليل الزواج بيده الكبيرة وأكمل،
“من الآن فصاعدًا أنا زوجكِ. وسأحميكِ، مهما حدث.”
“وأنا سأثق بكَ. سأتبعكَ كزوجةٍ لكَ، سمو الدوق.”
“سيلينا.”
“نعم، سمو الدوق.”
“ناديني باسمي.”
نظرت سيلينا إلى عيني زينوس اللتين بدا أنهما تتلألآن بوضوحٍ أكبر، ثم نطقت دون أن تشعر،
“زينوس.”
“كنتُ أريد أن أقدم هذا أمام عدد أكبر من الناس، لكن.…”
أخرج زينوس خاتمًا من صدره.
“أتخذكِ زوجةً لي.”
“زينوس.…”
نظرت سيلينا بدهشةٍ إلى الخاتم الذي كان يناسب إصبعها تمامًا فسألت،
“متى أعددتَ هذا كله؟”
“حين أحضرتكِ إلى هذا المكان البعيد لأجل الزواج، قال والدي أنه لا يجوز أن أذهب دون خاتم، فأعطاني إياه.”
وحك رأسه قليلًا وكأنه لا يستطيع الكذب ونسب الفضل لفيليب، ثم مدّ يده إليها،
“والآن دوركِ.”
فأمسكت سيلينا يد زينوس لتضع له الخاتم.
‘لماذا أرتجف هكذا لأجل شيءٍ كهذا؟’
ثم وضعت له الخاتم متمنيةً ألا يسمع نبضها المتسارع.
“وأنا أتخذكَ زوجًا لي.”
وتلألأت يداهما وقد تزيّنتا بخاتمين متطابقين في الشكل.
***
عاد الاثنان من الغابة بعد ثلاثة أيام. وفي تلك الأثناء كان وِيل قد جمع فرقة الحراسة التي أرسلتها عائلات فصيل الدوق ورتّب صفوفهم استعدادًا لاستقبال الاثنين.
“هناك! إنهما قادمان!”
وحين أعلن الجندي الكشاف وصولهما، اصطف جنود الحراسة بانتظام.
“هذا كله..…”
“شكراً على عودتكما سالمين. من هذا الجانب، تفضلوا.”
كان هناك برجٌ خشبي صغير لا يُعرف متى بُني، وقد رُفع عليه علم الدوقية.
تفاجأت سيلينا بينما كان زينوس يرافقها إلى أعلى البرج، فأشار وِيل بإشارة جاهز.
“على جميع الجنود أداء التحية للدوق وللدوقة!”
وبصوتٍ واحد، سحب نحو مئتي جندي سيوفهم ثم غرسوها في الأرض في طقس التحية.
“مع أننا حدّدنا العدد بوصفه حرسًا مرافِقًا، يبدو أن العائلات حرصت على إرسال المزيد.”
“أخشى أن يُساء فهم هذا على أنه عصيان.”
“لا تقلقي. من الآن فصاعدًا لن أسمح لأحدٍ أن يمسّ شعرةً منك.”
التعليقات لهذا الفصل " 23"