صرخ براندون بعصبية عندما اقتحمت فلورا فجأة وبدأت تكدّس الأشياء على الأرض كما شاءت.
“لماذا تفعلين هذا يا أمي!”
“لا وقت لدينا! إن بقينا هنا هكذا سنموت جميعًا. سنموت كلنا!”
“لماذا نموت؟ بفضل هروب سيلينا تلك أصبحتُ أنا الآن قائم مقام سيد الأسرة. أنا رئيس القافلة المؤقت الآن. وعندما يتوفى أبي سيصبح كل ما تملكه هذه العائلة ملكنا، فإلى أين سنذهب؟”
“ملكنا؟ أبداً. إن بقينا هنا سنُقتل مع الكونت ككلاب. لا يمكن. كم من السنين عشتُ مُهانةً ومُحتقرة، ولم آتِ لأموت ميتةً كهذه. اِحزم أمتعتكَ، هيا!”
أمام نظرات فلورا الحادّة، بدأ براندون يتظاهر على مضض بأنه يحزم أغراضه وهو يتذمر.
“وإذا حزمنا الأمتعة الآن، هل لدينا مكانٌ نذهب إليه؟ القرية التي كنا نعيش فيها….اختفت!”
ما إن سمعَت فلورا ذلك حتى جلست منهارةً على الأرض وبدأت تبكي.
“كل هذا بسبب سيلينا اللعينة تلك. كان يمكنهم إرسالها إلى العائلة الإمبراطورية لكن الكونت أخفاها…..كيف أعيش الآن؟ كيف أعيش!”
“ماذا تقصدين؟ كيف تذهب هي إلى العائلة الإمبراطورية؟ ما شأنها؟”
“يقولون أن إغلاق القصر منذ أيام هو بسببها! تلقّت أمراً من جلالة الإمبراطور لكنها هربت مع الدوق لأنها لا تريد دخول القصر الإمبراطوري! كان يجب أن أدرك الأمر منذ أن بدأ ذلك الإنسان غير المريض بإغلاق القصر وتوجيه الأوامر لكَ فقط. يا إلهي.”
“إلى العائلة الإمبراطورية؟ هل من الممكن أنها ستتزوج من سمو ولي العهد إيريك؟ حقاً؟”
كان ذلك أمراً لا يُصدّق بالنسبة إلى براندون.
“ليس كما لو أن سمو ولي العهد أعمى. ما دامت الآنسة هايزل موجودة، هل سيتزوج من تلك؟ أمي فهمتِ الأمر خطأ بالتأكيد. أبي أغضب جلالة الإمبراطور لأنه حاول إدخال سيلينا إلى العائلة الإمبراطورية بالقوة.”
سرعان ما بدأ براندون في تركيب الأحداث بالطريقة التي يريد تصديقها.
“بما أن العائلة الإمبراطورية رفضت، حاولت سيلينا التمسك بالدوق بأي وسيلة، لذلك التصقت به. يالها من لئيمة. يجب أن تعرف قدرها، كيف تطمع في أكثر رجلين بروزاً في الإمبراطورية؟ هل تظن نفسها الآنسة هايزل؟”
“لماذا لا تزال واقفاً و لا تحزم الأمتعة!”
“أمي، هذه ليست مشكلةً نحلها بالهرب. سواءً ذهبت إلى العائلة الإمبراطورية أو إلى الدوق، فلن يتم عقد زواجٍ خلال يوم. علينا أن نستغل هذه الفرصة ونتخلص من سيلينا تلك ونؤمّن لأنفسنا مكاناً مرموقاً في هذه العائلة.”
فازداد ضيق فلورا من عدم فهم براندون لحقيقة الوضع.
“قد يأتي جلالة الإمبراطور في أي لحظة ليقطع رأس الكونت من شدة غضبه، ماذا تقول!”
“لا تصرخي فقط. من الغريب أن العائلة الإمبراطورية تريد أخذ تلك الغبية. وأنتِ لم تسمعي ما جرى في مكتب العمل بوضوح أيضاً. أليس كذلك؟”
“نعم….هذا صحيح، لكن..…”
ترددت فلورا. هي أيضاً لم تكن متأكدةً مما سمعت فقد كانت تتنصّت فقط.
“أبي بالتأكيد هو من حاول إدخال سيلينا إلى العائلة الإمبراطورية. بعد فسخ خطبتها مع مورغان باتيل، لم يبقَ لها مكانٌ تذهب إليه. حتى لو كانت ابنة صديق، فلا بد أن جلالة الإمبراطور رفض تلك الفكرة.”
بدأ كلام براندون يبدو مقنعاً لفلورا فسألته،
“إذاً ماذا عن هروبها مع الدوق؟”
“بالنسبة سيلينا، بما أن ولي العهد لم يكن خياراً، حاولت التعلق بالدوق لتُثبت شيئاً ما، لذلك التصقت به. وجلالة الإمبراطور غاضبٌ لأنه يظن أن الكونت حاول إدخال فتاة منحرفة كهذه إلى العائلة الإمبراطورية. وهذا سبب ادعاء الكونت المرض: ليظهر أنه يعاني من تمرد ابنته.”
و عندما بدا هذا التفسير أقرب للمنطق، هدأت فلورا وبدأت تستمع لابنها جيداً.
“لسمو ولي العهد شريكةٌ أروع بكثير. وإذا بدأنا بمساندتها من الآن فقد تعترف بفضلنا عندما تصبح صاحبة الجلالة الإمبراطورة. وبذلك سنضمن مستقبلاً مشرقاً.”
“هل توجد حقاً فتاةٌ كهذه؟”
“نعم. أما سيلينا تلك فحتى بيت الدوق لا يليق بها. يبدو أن أسرة الدوق لا تعرف حقيقتها بعد، لذلك يتساهلون معها.”
“وماذا تنوي أن تفعل؟”
“سأحرّك كل معارفنا لينشروا حقيقة سيلينا. والكونت مختبئٌ مدّعياً المرض، فلن يعرف أحدٌ من الذي نشر الشائعات.”
“نعم، هذا هو. الناس لا يعرفون حقيقتها بعد، لكن عندما يعرفون فلن يقبلوها أبداً. يجب أن نلقّن تلك الحقيرة درساً لا تنساه حتى لا ترفع رأسها مرةً أخرى.”
قالت فلورا ذلك ثم صفعت خديها بكلتا يديها بقوة.
“ولماذا أهرب؟ ولمن تكون المنفعة؟ إذا كان هناك سوء فهمٍ يجب أن نصلحه، وعلينا البقاء هنا بأي طريقة لنعيش. كم تحملتُ حتى وصلتُ إلى هنا. مستحيلٌ أن أهرب.”
‘إن اضطررتُ سأهدد بأن أخبر جلالة الإمبراطور بالسر الذي أعرفه.’
وقد اعتقدت فلورا أنه لا يمكنها الهرب هكذا.
***
كان قصر هايزل يقع على حدود العاصمة والمدينة المجاورة. ولم يكن سوى قصرٍ صغير جداً بلا ساحة خارجية، في مكان ناءٍ لا توجد بالقرب منه منازل أخرى.
كان المكان نائيًا إلى حدّ أن الهدايا التي يرسلها أنصار الآنسة هايزل كان يجب جمعها ونقلها مرتين أو ثلاثًا في الأسبوع، مما جعل مشهد ذلك الموكب مادةً يتناقلها العامة كثيرًا.
“لا بد أن آنسة ذلك البيت مميزةٌ فعلاً.”
“لماذا؟”
“تأتيها الهدايا مرتين أو ثلاثًا في الأسبوع بلا انقطاع. عندما انتقلت إلى هنا أول الأمر كانوا يسخرون منها ويقولون أنها تعيش أسوأ من عامةٍ أغنياء. أما الآن فهي تركب عربةً نبيلة الشكل.”
“يبدو أنها أحسنت جلب الأشخاص المناسبين.”
“سمعت أنهم تبنّوا ابنة أخ البارون من قريةٍ بعيدة.”
“وهل تصدّق أنها ابنة أخ؟ ألا ترى؟”
“إن لم تكن ابنة أخ، فما هي إذاً؟”
“لقد اشتروا فتاةً من العامة.”
“لا يمكن…..هل كان الأمر كذلك؟”
“كيف لنا أن نعرف خفايا قلوب النبلاء؟ لكن بما أن البيت بلا وريث، وبما أنهم كانوا فقراء إلى ذلك الحد، فلا بد أنهم لجؤوا إلى أي طريقةٍ تمكنهم من حفظ ورثهم.”
شراء العامة…..وهو أسلوب لا يستخدمه النبلاء إلا إذا لم يكن لديهم طفلٌ يرث اسم العائلة، ويحتاج إلى قدر من المال حتى يكون ممكنًا.
“يقال أن ذلك البيت لم يكن يملك حتى ما يسدّ الجوع. وإن انتقالهم إلى هنا كان بعد بيع كل أراضيهم.”
“حتى لو أفلسوا فهم نبلاء، فلا بد أنهم اقترضوا المال من مكانٍ ما.”
“إن كان كذلك، فلماذا لم يشتروا ولدًا بدلًا من فتاة؟”
“ربما لأن الأولاد أغلى ثمناً.”
وبينما هم يتحدثون بحماس، وقف صاحب الحانة الذي كان يصغي بصمت،
“إذا تماديتم في الكلام عن النبلاء، قد تختفون دون أن يشعر بكم أحد. احذروا.”
جعلهم ذلك الكلام المخيف يلتزمون الصمت في لحظة. وقد كان محقًا، إذ يوجد في بيت البارون هايزل سرّ لا يعرفه العامة.
“آ….آنسة.”
“لو سمعنا أحد وظنّ أنني ما زلت آنسةً فماذا نفعل؟ ألا تستطيع أن تفعل الأمر كما يجب؟”
“أ….”
“البارون هايزل، لقد دفعت لكَ المال لأشتري هويتي. وإن لم تؤدِّ دورك كما ينبغي كي لا يثير الأمر شكوك أحد من حولنا فستكون المشكلة كبيرة. كم مرةً قلت لكَ إنني لم آتِ هنا للهو؟”
“أعتذر….أعتذر.”
فتنهدت إنغريد وسألته،
“لأي سبب استدعيتني؟”
“قلتِ إنه يجب جمع الرسائل الموجهة إليكِ من أنصاركم بشكلٍ منفصل كل مرة. وهذه هي.”
“أوه….مجددًا. يا إلهي…..لا فائدة. ضع الرسائل والهدايا واخرج.”
“نعم، نعم.”
وضع البارون هايزل كل ما كان يحمله بيديه من رسائل وهدايا ثم غادر الغرفة الأكبر في البيت.
كانت الشخص الذي يحتل أفضل ما في هذا المنزل الصغير ليس مالك البيت، بل الآنسة إنغريد هايزل.
امرأةٌ ظهرت فجأة منذ يومٍ ما على أنها الابنة الثالثة لبارون عجوز من طبقة نبلاء الريف، واستقرت فيه.
وهي نفسها الشخص الذي جعل بيت البارون هايزل ينال أكبر قدر من المجد منذ قدومهم إلى العاصمة.
كانت قد اشترت هويتها من البارون هايزل، و عند انتقالهم من الريف إلى هذا المنزل الصغير داخل العاصمة قالت له: “بارون، كم تظن أننا سنعيش في هذا البيت؟ مجرد أن أدخل ساحة المجتمع الراقي، والخروج من هنا سيكون مسألة وقت فقط.”
ورغم أن الخطة تقدمت ببطءٍ أكثر مما توقعت، تمكنت إنغريد فعلًا من لفت نظر ولي العهد وسلب قلبه.
لكن هدف إنغريد لم يكن بتلك البساطة.
“ماذا؟ ماذا تفعل تلك المرأة؟ حين كانت تستهدف ولي العهد، كانت تلصق نفسها به بشكلٍ مزعج فتكون كالشوكة في عينه، والآن تغوي الدوق؟ ما الذي يجعل الرجال ينجذبون لهذا الشيء أصلاً؟ ما هي لتستحق كل هذا!”
لم تستطع إنغريد احتمال الغيظ فمزقت الرسالة إربًا وألقتها في المدفأة وهي تصرخ بأعلى صوتها.
وفي الغرفة المجاورة كان البارون هايزل يلعن الجدران الرقيقة ويغطي أذنيه وهو يرتجف رعبًا.
التعليقات لهذا الفصل " 22"