الفصل 168 : القصة الجانبية 2 : في أحد الأيام في الماضي ²
“اشرب ببطء.”
الصوت الذي وصل إلى أذنيه بدا مألوفًا إلى حدٍّ ما. فتح جفنيه بصعوبة. وسط وعيّه المشوش، رأى شخصًا ما.
“بحسب ما قاله الطبيب، لو كانت الإصابة أعمق قليلًا، لكان الأمر خطيرًا للغاية.”
“آه.”
“القتال في المقدمة أمرٌ جيد، لكن جسدك ليس ملكًا لك وحدك. هناك التابعون وسكان الإقطاعية الذين لا ينظرون إلا إليك.”
كانت زوجته تتحدث بصوتٍ هادئ، لكن بوجهٍ جاد إلى حدٍّ ما. راود لازلو شعورٌ بعدم القدرة على التمييز بين ما إذا كان ما يحدث الآن حلمًا أم واقعًا، ولم يكن يفعل شيئًا سوى أن يرمش بعينيه.
“ثم إن سوتمار ليست مسؤولية الدوق آرباد وحده… هل تستمع إليّ؟”
“…..”
“يبدو أنك لم تستعد وعيك بعد.”
نقرت الأميرة بلسانها بخفوت ورتبت خصلات شعره المتعرقة.
كانت لمستها تشبه إلى حدٍّ ما تلك التي شعر بها في الحلم.
“استرح أكثر. لم يمر سوى يومين منذ أن سقطت.”
ربّتت على صدره عدة مرات ثم وقفت من مقعدها.
راقبها لازلو وهي تغادر، ثم فكّر في نفسه.
“ابقِ بقربي.”
“هم؟ لماذا؟”
كأنها سمعت صوته الداخلي، فقد توقفت أغنيس واستدارت نحوه مجددًا.
“هل تحتاج إلى شيء؟”
“…”
“إن لم يكن هناك شيء، فاتركني… لحظة. لقد اخبرتكَ أن تتركني! أنت مصاب، فلمَ تمسك بي بهذه القوة؟”
تذمرت الأميرة للحظة، لكنها ما لبثت أن جلست بجانبه عند رأسه. وبعد لحظة من الصمت، تحدثت أغنيس.
“في الحقيقة، لم أكن أريد قول هذا… لكن سمعت أنك أصبت أثناء محاولتك القضاء على وحش بمفردك؟ هل هذه القلعة بلا فرسان؟ أنت دوق آرباد، أليس من المفترض أن توكل مثل هذه المهام الخطرة إلى الفرسان؟ هذا هو عملهم، بعد كل شيء.”
“…”
“حقًا، هل تعلم كم كان السيد زولتان قلقًا؟ لقد كان يمر إلى هنا خمس أو ست مرات في اليوم.”
استمرت همهمات أغنيس وتذمرها وكأنها كانت تتحدث مع نفسها. التقط لازلو صوتها وسط وعيه الضبابي.
لم يسبق أن طال حديثهما هكذا، فقد كانت محادثاتهما كزوجين دائمًا تقتصر على إجاباتٍ قصيرة ومقتضبة.
كان ذلك غريبًا، لكنه وجده لطيفًا.
“أعلم أنك لا تحبني.”
عند نقطة معينة، خفت صوتها.
لا، لا أكرهك. ليس الأمر كذلك.
أراد لازلو أن ينفي ذلك بشدة.
لكن يبدو أن إنكاره لم يصل إليها، فقد بقي صوتها حزينًا كما هو.
“في الواقع، لم يكن رأي المجلس الأعلى خاطئًا تمامًا. بما أنك قبلت بالأميرة المنبوذة من العائلة الملكية، فعلى الأقل كان عليك القيام بواجبك…”
أراد أن يسألها عن معنى كلامها، لكنه لم يتمكن سوى من إخراج أنفاس متقطعة.
فضلًا عن ذلك، كان وعيه يتلاشى شيئًا فشيئًا.
“أتمنى… لو…”
ماذا؟ قوليها مجددًا.
حرك شفتيه، لكن وعيه انطفأ تمامًا.
***
عندما فتح عينيه مرة أخرى، كان ما أيقظه هو أشعة الشمس واليد الخشنة التي هزته بقوة.
“اخي! هل أفقت؟”
كان زولتان يهز جسده بخشونة. قطب لازلو حاجبيه وفتح فمه بصعوبة.
“رأسي يؤلمني…”
كان صوته أجشًّا إلى درجة أنه شكّ ما إذا كان هذا صوته بالفعل.
بدا أن زولتان غمرته السعادة حين رأى لازلو يفتح عينيه، فربت على كتفه بقوة.
“يا إلهي! هل تعلم كم مرَّ من الوقت؟ ظننت حقًّا أنك ستموت! حياتك عنيدة بشكل لا يصدق.”
“الأميرة؟”
“ماذا؟ الأميرة؟ لماذا تسأل عنها فجأة؟”
فتح لازلو عينيه تمامًا وتفقد ما حوله. لم يكن هناك أي أثر لأغنيس.
“هل كان ذلك… مجرد حلم؟”
أصابه الإحباط عندما لم يجدها بجواره، لكنه لم يلاحظ ذلك بنفسه.
“لا، لا شيء.”
“حقًا؟ أنا الذي حملتك من خط الدفاع إلى هنا على ظهري، وبعد أن استعدت وعيك، أول ما تسأل عنه هو الأميرة؟ هذا محبط حقًّا.”
زم زولتان شفتيه في استياء وتمتم ببعض الكلمات المتذمرة. جلس لازلو باستقامة وضغط على أطراف أصابعه.
شعر بأن جسده صار أخف بكثير.
“كم بقيتُ راقدًا؟”
“همم… أذ حسبت اليوم قد مرَّ أسبوع.”
“كل هذا الوقت؟”
اتسعت عينا لازلو دهشة. كان يظن أنه قد قضى يومًا أو يومين بالكاد.
“هذا سيئ. ساعدني على النهوض. لدي عمل كثير عليَّ إنجازه.”
“اخي، ألم تسمعني؟ لقد بقيت فاقدًا للوعي أسبوعًا كاملًا! قال الطبيب إنك كنت على حافة الموت.”
ضغط زولتان على كتفه وأجبره على الاستلقاء مجددًا.
“وعلى أي حال، نايل والأميرة هما من قاما بمعظم الأعمال المهمة.”
“ماذا؟ كيف؟”
“بمعنى آخر، عليك أن تستغل هذه الفرصة للراحة.”
بعد أن قال ذلك، غادر زولتان الغرفة. ثم دخل بعض الفرسان والخدم تباعًا، مما أفقد لازلو أي فرصةٍ لمغادرة الغرفة.
* * *
ذلك الخريف، انتشرت في سوتمار أخبارٌ مفاجئة عن الذهاب إلى الحرب.
كان الملك سيباستيان، الذي اعتلى العرش في الربيع، قد أعلن الحرب ضد ديفون وطالب علنًا بجنود من جيوش النبلاء الخاصة.
“هذا أمرٌ غير مقبول!”
“قواتنا تعاني بالفعل بسبب الوحوش، فكيف يُعقل أن نرسل جنودنا إلى الحرب؟ هل يُعقل هذا الكلام؟”
أخذ أتباع أَرباد يصيحون غاضبين وهم يقرأون الرسالة الملكية.
وكان رأس لازلو يؤلمه أيضًا من هذا الأمر.
“لكن لا يمكننا تجاهل طلب الملك تمامًا، أليس كذلك؟”
“ولكن، سيدي، من ذا الذي سيقبل بالذهاب إلى الحرب؟”
“أنا سأذهب.”
نهض زولتان، الذي كان جالسًا في زاوية الغرفة، فجأة.
“زولتان.”
“إن كان لا بد أن يذهب أحد، فليكن أنا. ثم إن ذهبتُ، فحتى لو أرسلنا عددًا أقل من الجنود، فلن يستطيع الملك الاعتراض.”
كان كلامه منطقيًا. استمرت المناقشات طوال اليوم، ولكن لم يكن هناك خيار أفضل من ذلك.
وبعد انتهاء الاجتماع، لم يبقَ في القاعة سوى لازلو وزولتان.
“هل أنت متأكد من ذلك؟”
“لا تقلق، لن أموت. ثم إن بيلر سيذهب معي، فلا داعي للقلق.”
“……أنا آسف.”
لم يستطع لازلو مواجهة شقيقه. لو كان لديه ما يكفي من الجنود، لما اضطر زولتان إلى الذهاب بنفسه.
ولكن زولتان ابتسم بمرح.
“ولماذا تعتذر؟ هذا ما ينبغي عليّ فعله بوصفي من آل آرباد.”
“يجب أن تعود سالمًا.”
“آه، بالمناسبة، لا تفرط في صيد الوحوش. لا تنسَ أنك كنت على وشك الموت قبل فترةٍ قصيرة.”
قال ذلك ضاحكًا، وكأنه هو الذي يواسي شقيقه. ولم يمضِ وقت طويل حتى حُدِّد موعد الرحيل.
وفي فجر اليوم الذي غادرت فيه القوات إلى سلسلة جبال ييكا، رأى لازلو الأميرة أغنيس وهي تودّعهم من بعيد.
كانت قد أغمضت عينيها، تحرك شفتيها الصغيرة وكأنها تتمتم بشيء ما.
تردّد لازلو في الاقتراب منها، ولكن قبل أن يقرر ذلك، اختفت فجأة.
***
لم يرَ لازلو الأميرة مرة أخرى إلا بعد شهرٍ من ذلك اليوم.
بينما كان يمر مصادفةً عبر الحديقة الغربية، لمحها واقفة هناك.
توقّف في مكانه وحدّق في ظهرها.
بدأت ذكريات تلوح في ذهنه.
كم كانت لمستها دافئة حين لامست جبهته، وكم كانت كلماتها الرقيقة تداعب أذنيه!
عندها، لاحظت إحدى خادمات الأميرة وجوده، فتقدمت نحوه.
شعر لازلو بالذعر وأدار رأسه بسرعة، ثم سار بخطواتٍ مسرعة نحو مكتبه.
***
عندما وصل، كان بعض كبار مستشاريه بانتظاره.
التقط أنفاسه وقال:
“ماذا هناك؟”
تقدّم أحدهم بخطوة إلى الأمام، وجهه يملؤه العزم.
“لدينا ما نقوله لك، سيدي.”
“ما الأمر حتى تبدو ملامحكم بهذه الجدية؟”
“لقد كرسنا حياتنا على مدار ثلاثمائة عام من أجل آل آرباد، ومستعدون لفعل أي شيء لضمان استمرارهم.”
“أنا مدركٌ لولائكم.”
“ولكن مؤخرًا، أصبحنا نشعر بقلقٍ بالغ حيال مستقبل آرباد.”
“……هل هو بسبب الوحوش؟ إن كان كذلك، فسأبذل مزيدًا من الجهد.”
“لا، ليس هذا هو السبب.”
قاطع المستشار العجوز كلام لازلو بطريقةٍ غير مألوفة.
“بل لأن آرباد لا تزال بلا وريثٍ شرعي.”
عندها، عبس لازلو.
“لقد ناقشنا هذا الأمر مرارًا، أليس كذلك؟”
“ولكن، سيدي، حتى زولتان خرج إلى الحرب الآن. عدم وجود وريثٍ لارباد يُعد مشكلةً خطيرة.”
“لقد قلتها من قبل، هذا الأمر بيني وبين الأميرة، ولا يحق لكم التدخل.”
“هل تذكر الحادثة الأخيرة عندما أُصبْتَ بجروحٍ خطيرة أثناء قتال الوحوش؟ ماذا لو حدث مكروهٌ لك؟ من سيقود آرباد من بعدك؟”
“صحيح.”
قال العجوز ذلك بحماس، وهزّ بقية المستشارين رؤوسهم موافقين.
“إذا كنت ترى العيش مع الأميرة أمرًا صعبًا، فما رأيك في اختيار زوجةٍ أخرى؟”
“ماذا؟”
لم يفهم لازلو في البداية ما الذي يقصدونه بـ”زوجةٍ أخرى”.
“نعلم أن من الصعب إلغاء زواجك الملكي، ولكن لا بأس في أن تنجب وريثًا من امرأةٍ أخرى وتمنحه اسم العائلة.”
“صحيح. ولحسن الحظ، فإن ابنة الكونت لوتوس بلغت سن الزواج حديثًا، لذا……”
“كيف تجرؤون!”
توقف الجميع عن الكلام دفعةً واحدة. فقد أدركوا أن تعابير وجه لازلو قد تغيرت تمامًا.
“ما أشدّ وقاحتكم… أنتم تتحدثون بكل وقاحةٍ كما لو كانت أفواهكم بلا ضوابط. الأميرة وأنا عقدنا زواجنا برباطٍ مقدس، فكيف تجرؤون على قول مثل هذا الهراء؟!”
“سيدي، رجاءً، تفهّم دوافعنا. كل ما نريده هو مصلحة آرباد.”
“صحيح. حتى إن الأميرة نفسها وافقت على ذلك.”
“……ماذا قلت؟”
حين سمع لازلو هذه الكلمات، شعر وكأن شيئًا ثقيلاً ضربه على رأسه.
“أجل، لقد كانت كريمة بما يكفي لتتفهّم وضع العائلة وأبدت استعدادها لتقبل الأمر.”
قال العجوز ذلك بفخر، وقد انتفخ صدره اعتزازًا.
“أخبرتم الأميرة بذلك؟”
“نعم، سيدي.”
“قلتم ذلك… للأميرة… بأنفسكم؟”
“…….”
زمّ لازلو شفتيه وألقى كلماته واحدةً تلو الأخرى، والجو من حولهم أصبح فجأةً باردًا كالثلج.
“سيدي، كنا فقط……”
“اخرجوا.”
“عذرًا؟”
“لا أريد أن أرى وجوهكم، اخرجوا من هنا حالاً.”
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
حسابي ✿《التليغرام》
《واتباد: cynfti 》《انستا: fofolata1 》
0
0
الأصوات
Article Rating
التعليقات على الفصل " 168"