الفصل 6
“لماذا؟ أنتَ من قلتَ أن أبقى قريبةً بك!”
رغم أن هذا القرب كان يربكني، إلا أن حياتي أغلى من أي شعور آخر.
عدتُ والتصقتُ به مجددًا محتجةً، فأنزل الدوق نظره إليّ بعينين لا مباليتين.
“بهذا الشكل لن أستطيع الحركة.”
أمسك بيدي التي كانت تمسك بطرف ثوبه وأنزلها برفق، ثم ابتعد نصف خطوة وأخرج سيفه.
“هذه المسافة كافية.”
“آه.”
لم يدم إحراجي طويلًا، إذ سرعان ما دوّت أصوات أقدام الوحوش الخشنة وقد اقتربت أكثر، فتشتت ذهني تمامًا.
“هل… هل سيكون الأمر بخير؟”
سألتُ بصوت مرتجف. فاستدار الدوق، الذي كان يقف أمامي بوضعية هادئة يحجبني بجسده.
ألقى نظرة سريعة حولي ثم ابتسم ابتسامة باردة.
“بوجود هذا العدد من الحماة حولكِ، لا بد أن تكوني بخير. أليس كذلك؟”
اتجهت عيناه بدقة نحو جهةٍ معينة.
“……سأتولى حمايتها.”
تفاجأت. متى جاء؟ الرجل الذي وقف إلى جانبي كان قائد فرقة المرتزقة. أكان اسمه إيريك؟
منذ أن عرفنا أنفسنا لبعضنا، لم أتحدث معه قط إلا عند الضرورة القصوى.
“جميعنا لدينا خبرة في مواجهة الوحوش، فلا تقلقي كثيرًا.”
قال ذلك وهو يتفقد ملامحي، وكأنه يحاول طمأنتي.
كنت ممتنة… ممتنة جدًا.
هززت رأسي موافقة وأخذتُ أُحرك عينيّ هنا وهناك.
بقية المرتزقة كانوا يحيطون بي بهدوء وانضباط. ملامحهم الجادة وهيئاتهم المرتبة ضاعفت تأثري.
“يا إلهي…”
كنت قد شككتُ بسبب صاحب المتجر الذي أصرّ على عرض مبلغ زهيد رغم أنني عرضتُ دفع المزيد.
ظننتُ أننا ربما جلبنا رجالًا غير أكفاء.
“إن عدنا سالمين، فسأكافئكم شخصيًا كعربون شكر. مبلغًا كبيرًا… كبيرًا حقًا.”
اقتربتُ قليلًا من إيريك وهمستُ بذلك.
اتسعت عيناه بعنف وكأنه صُدم من مكافأة لم يتوقعها.
“……لا داعي.”
كان صوته منخفضًا للغاية، فظننتُ أن قتال الوحوش ليس بالأمر السهل، ما زاد قلقي.
“من الأفضل أن تركز.”
تدخل صوت الدوق فجأة، فارتجف إيريك بوضوح.
يبدو أن حتى مرتزقًا مخضرمًا يخشاه.
أما أنا فعدتُ أختبئ خلف الدوق، منكمشةً.
كان الوضع يتدهور بسرعة. في الحقيقة، كنت أرى المشهد لكنني بالكاد أستوعبه.
فرسان أسرة الدوق كانوا يصدّون الوحوش التي وصلت إلينا بسرعة.
في المقدمة، كانوا يقاتلون ببراعة مذهلة.
أحدهم يلوّح بسيفين طويلين بخفة، وآخر يسحق الوحوش بفأسٍ ضخم يبدو ثقيلًا حتى على النظر.
وحامل الخنجر القصير… لم أعد أرى حركته بتاتًا.
حتى بعيني غير الخبيرة، كان واضحًا أن كل واحد منهم غير عادي.
ومع أن هؤلاء المدهشين كانوا يصمدون، إلا أن كثرة الأعداد كانت طاغية، إذ تمكنتْ بعضُ الوحوش من اختراق صفوفهم والاقتراب منا.
“إنّه… إنّه قادم.”
تصلّب جسدي كله.
ألا ينبغي أن أمسك أنا أيضًا بأيِّ شيءٍ للدفاع عن نفسي؟
“آه، لدي أداة سحرية دفاعية، هل أستخدمها؟ إنها مخصّصة للاستعمال اليومي، لذا ليست قوية جدًا…”
تكلمت بتوتر وارتباك، لكن الدوق هزّ رأسه.
ترددتُ وأنا أشيح بنظري هنا وهناك، إلّا أن الأمر المطمئن هو أن المرتزقة أيضًا كانوا يصمدون جيدًا.
“آه!”
لا، أيّ طمأنينة هذه!
إذ هوى سيف الدوق على وحش يشبه الأيل كان قد اقترب منا، فتطاير الدم الداكن قطراتٍ على الأرض.
بدأ قلبي يخفق بجنون.
التفت إليّ الدوق وأشار بعينيه. وجهه بلا أي تشقّق في تعبيره، ونصل سيفه الملامس للأرض يقطر دمًا لزجًا.
حدّقت فيه شاردة قبل أن أستعيد وعيي بالكاد.
“أ-أنا بخير.”
جسدي سليم.
أما أعصابي فكانت تُستنزف بشدة.
“من الأفضل أن تغمضي عينيكِ.”
اقتراح عديم الفائدة تمامًا.
“لا، إن فعلتُ ذلك سأخاف أكثر. لا تهتم بي وتابع ما كنت تفعله.”
هززت رأسي بقوة ولوّحت بيدي. إغماض عينيّ سيجعل الأمر أكثر رعبًا، هذا مؤكد.
عندها فقط حوّل الدوق نظره عني، ونادى بصوت أخفض.
“جيف.”
تقدّم رجل بسرعة ووقف إلى جانبه.
“نعم، سيدي.”
سواء الدوق أو هذا الذي يُدعى جيف… كيف يمكن أن تكون ملامحهما هادئة إلى هذا الحد؟
كدتُ أشك أننا في الموقف نفسه.
“هل معكَ لفافة سحرية؟”
“نعم. بما أحمله الآن، يمكنني حماية الآنسة ومن حولها لنحو خمس عشرة دقيقة دون مشكلة.”
وبينما كانا يتحدثان بهدوء، اندفع نحونا وحش له أذنا أرنب لكن بحجم دب تقريبًا.
بدافع الخوف، أمسكت بطرف ثوب الدوق مرة أخرى.
“أ…؟”
ألم يحذرني من الإمساك به؟ ماذا لو لم يستطع قتل الوحش بسببي؟
وقبل أن أتركه مذعورة من تصرفي، اخترق صوته المنخفض الضجيج.
“سأنهي الأمر بسرعة.”
في اللحظة التالية، مدّ سيفه بثبات، وفي الوقت نفسه غرس جيف رمحه في رأس الوحش.
صرخ الوحش وسقط، وارتجّت الأرض وارتفع الغبار من حوله.
“ابقَي هنا.”
أبعد الدوق يدي وكأنه تخلص من كائن تافه لا قيمة له.
دبّ الرعب في قلبي. لوّحت بيدي في الهواء محاولة الإمساك به، لكن بلا جدوى.
“لماذا؟ ماذا تنوي أن تفعل الآن؟”
هل وصل صوتي إليه أصلًا؟
انطلق راكضًا دون أن يلتفت، وفَرَغ رأسي من الصدمة.
وقف جيف أمامي، لكن ذهني كان متعلّقًا بالدوق وحده.
“آه! إلى أين تذهب في خطر كهذا! ماذا لو أُصبت!!”
تحولت صرختي اليائسة إلى صدى بلا جواب. بينما كنتُ أحدّق به ويدي تكاد تنتف شعري، ابتسم جيف بحرج وقال.
“إذًا، سأفعِّل الآن دائرة الدفاع.”
ومع تمزيقه اللفافة السحرية، ارتفعت دائرة سحرية في الهواء، وانبعث منها ضوءٌ انتشر كقبة نصف كروية أحاطت بنا.
“الآن يمكننا المشاهدة بأمان من هنا.”
وأشار بإصبعه إلى جهة ما.
خلف الحاجز البنفسجي المتلألئ، كان الدوق والوحوش يتداخلون في معركة عنيفة.
“ما هذا…”
هل تلك صخور تتساقط الآن؟
وهذا الضباب… أهو الغبار الذي يتصاعد كلما أسقط الدوق وحشًا؟
كان شعره يتطاير، وجسده يتحرك بمرونة تكاد تجعله يبدو ككائن ليّن، لكن في اللحظات التي يثبت فيها قدمه أو يهوي بسيفه على الوحش، كان ثقل ضرباته واضحًا.
ظننت الفرسان الآخرين رائعين…
لكن هذا المستوى مختلفٌ تمامًا.
“بهذا المنوال، سينتهي الأمر سريعًا.”
قالها جيف بلا اكتراث وهو يمزق لفافة أخرى.
وبينما كنت أراقب الدوق يقاتل، خطر لي سؤال فجأة.
“شخص كهذا… كيف أُصيب من الأساس؟”
تمتمتُ بها لنفسي، فتحركت شفتا جيف.
“الوحوش هنا أقرب إلى الحيوانات العادية.”
“حيوانات…؟”
أليست الحيوانات خطرة أيضًا؟ لماذا يتحدث وكأنها تافهة؟
“الوحوش التي نواجهها عادة أكبر حجمًا وأكثر تعقيدًا، وخاصة في الشتاء يكون عددها هائلًا. في الحقيقة، سيدي لا يُصاب بسبب الوحوش بقدر ما يُصاب أثناء حمايته للآخرين.”
حكّ جيف رأسه بخجل.
قبل أن أتساءل من أين جاءه ذلك الشعور—
“بل على العكس، حين يتحرك وحده كما الآن، لن يُصاب.”
فهمت. كان ينظر إلى الدوق وهو يقاتل بفخر واضح.
إنه فخور بقائده. بل ويحاول أن يشرح لي ذلك أيضًا.
وكان يراقب ردّة فعلي خفيةً.
ربّما لأنه يدرك أنني أراه رجلًا فظًا يجرح النساء.
“نعم، فهمت جيدًا.”
فهمت لماذا يعيش مثقلًا بالجراح.
وحين أدركتُ ذلك، استقر في قلبي شعورٌ بالمرارة بلا وجهة.
أعرف هذا الشعور جيدًا.
أن تكره شخصًا… ولا تستطيع كرهه.
إحساس معقّد أخذ يتراكم بداخلي.
تنهدتُ، فقد بدأت أكتشف أشياء لا خير فيها لي.
“كان يجب أن أتحمّل قليلًا.”
كان خطئي أنني قرأت ورقة الآثار الجانبية للإفراط في تناول جرعة دواء الشفاء.
رغم تأكيد الساحر أن الأمر نادر جدًا، إلا أن جملة واحدة هزّت قلبي…
<في حالات نادرة جدًا، قد يحدث تساقط في الشعر.>
لولا ذلك، لكنت تحمّلت الرحلة إلى الشمال أكثر قليلًا…
وبينما أبتلع تنهيدة يائسة في داخلي، خيّم ظلّ فوق رأسي.
“هل أنتِ بخير؟”
رفعتُ رأسي، فرأيته، رغم مظهره المهيب، إلا أن عينيه كانتا تحملان ظلمة لزجة ووميض حماسة، كما يليق بمن كان قبل لحظات يلوّح بسيفه وسط الدماء.
“……أنا بخير.”
نطقتُ بحذر، فظلّ يحدّق بي.
“هل تستطيعين المشي جيدًا؟”
كيف علم؟ في الحقيقة، كانت ساقاي ترتجفان منذ مدة.
عضضت شفتي وأشحت بنظري، فتنهد بخفوت.
“أستأذنكِ قليلًا.”
وقبل أن أسأله عمّا يقصد، كان أسرع مني.
يدٌ امتدت نحوي، عطر يذكّر بغابة شتوية، وحرارة خافتة تتسلل عبر ثيابه.
ولم أدرك ما حدث إلا بعدما كان قد حملني بين ذراعيه.
بدأت أتلوّى.
“سيرا.”
في تلك اللحظة، ناداني بصوتٍ منخفض.
بالاسمِ الذي ظننت أنه لن ينطق به مرة أخرى.
“ابقَي ساكنة. فأنا بالكادِ أتحمّل.”
نظر إليّ بعينين يصعب عليّ تفسيرهما.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"