الفصل 5
في تلك اللحظة، أرسل الدوق الواقف أمامي نظرة تطالب بالتفسير.
يبدو أنه حاول الحفاظ على شيء من اللياقة، فكانت زاوية فمه مرتفعة في ابتسامة لينة، لكن عينيه كانتا تشعّان بحدّة مخيفة.
وجه يقول بوضوح: التقيتُ بشخص غير مرحّب به إطلاقًا.
لكنني لستُ ممّن يتراجعون هنا.
“يبدو أنك قد قرأتَ الرسائل التي أرسلتُها.”
كنتُ قد أرسلتُ رسالة قبل مغادرتي العاصمة، لكنني لم أتلقَّ أي ردّ، ولم يتغير سلوك الدوق أيضًا.
لذلك ظننتُ أنه، كما في كل مرة، لم يقرأ رسائلي أو تجاهلها.
لكن بما أنه جاء بنفسه للاستقبال ويتحدث عن “خطيبة”، فلا بدّ أنه قرأها.
وحين فكرتُ بأن الرسائل السابقة كلها قُرئت ثم أُهملت، بدأت نار الغضب تتصاعد في صدري.
“إن كنتِ تقصدين الرسائل.”
أخرج الدوق من صدره ورقة واحدة. خطّ مألوف وقع في عيني فورًا.
<سموّ دوق،
كلما رأيتُ جروحك المتزايدة، تمرّ صورتك في خاطري يومًا بعد يوم. امتلأ قلبي قلقًا حتى لم أعد أستطيع الوقوف مكتوفة اليدين، فاتخذتُ قرارًا من أجلنا معًا. سأمكث في الشمال بصفتي خطيبة الدوق لأكون عونًا لك. سأنطلق إلى الشمال بعد يومين، فلنلتقِ ونتحدث بتفصيل. شكرًا لك. إلى اللقاء.>
حين كتبتُها، ظننتُها مرتبة، واضحة، ومهذبة…… لكن يبدو أنني كنتُ غاضبة جدًا وقتها.
بسببك أعيش والجروح تملأ جسدي، لم يعد بإمكاني تركك تفعل ما تشاء، لن يرتاح لي بال إلا إذا راقبتكَ عن قرب، والآن لا أحد يستطيع منعي!
بدا لي وكَأن هذا المعنى الخفيّ لا يراه أحدٌ سواي.
مهما أعدتُ قراءتها، كانت بمثابة إخطار بأنني سأحمي جسدي بنفسي، أو بالأحرى إعلان حرب.
“أظننتِ أنني اكتفيتُ بقراءتها؟ ما إن استلمتها حتى انطلقتُ فورًا.”
يا إلهي.
لو أظهر مثل هذه السرعة من قبل، لما اضطررتُ للمجيء إلى الشمال أصلًا.
ومن نظرة واحدة، كان واضحًا أن ما فعلتُه لم يرق له أبدًا.
كان وجهه يقول إنه يريد أن يسألني: أيّ حماقة هذه التي ترتكبينها؟
هل يعقل…… أنه لم يأتِ للاستقبال، بل ليطردني منذ البداية؟
“كان سيكون من اللطيف لو أظهرتَ هذا التفاعل السريع مع الرسائل السابقة أيضًا.”
تمتمتُ بلا وعي بكلام بدا كتبرير أكثر منه احتجاجًا.
وكأنني أقول: وهل تظن أنني كنتُ أرغب فعلًا في تحمّل الغثيان أيامًا فقط لأصل إلى هنا؟ إلى مكان لا أعرف فيه أحدًا.
رفعتُ نظري المتردد ونظرتُ إلى وجه الدوق.
لكن تعبيره، الذي بدا وكأنه لا يفهم شيئًا على الإطلاق، جعلني أُصاب بالذهول.
“سيدي…….”
تقدّم رجل أعرف وجهه من قبل، وتحدث إلى الدوق بنبرة حرجة.
“أثناء ذهابكَ لقمع الوحوش، وصلت مِن الآنسة تسع رسائل. والرسالة التي تمسكُها الآن هي العاشرة.”
ساد الصمت.
“كنتُ أعلم أنكِ أرسلتِ الكثير، لكن عشر رسائل خلال أربعة عشر يومًا؟”
همست ماري بجانبي.
حتى أنا لم أكن أعلم. بصراحة، كنتُ أعدّ حتى الخامسة، وبعدها لم أكن في وعيي التام، فربما محوتُ الباقي من ذاكرتي.
“أ، أهمَّ من ذلك…… ألم تكُن في القصر؟ متى عدتَ من قمع الوحوش لتبقى بعيدًا كل هذا الوقت…….”
استلم الدوق من رجل يبدو كمساعد له رزمة أظرف ملوّنة، ثم استدار نحوي.
“عدتُ لتوي.”
“آه…… اليوم…… حالًا…….”
إذًا، عاد ثم اندفع إلى هنا مباشرة.
والآن فقط انتبهتُ إلى مظهره.
شعره مبعثر، التعب واضح على وجهه، وملابسه توحي بأنه قد يدخل معركة في أي لحظة.
لكن بسبب وسامة الدوق اللافتة، بدا كل ذلك كأنه جزء من جاذبيته، أو طابع بريّ خشن، فلم أشعر بشيء غريب.
غير أنني حين ألقيتُ نظرة خاطفة على مرافقيه في الخلف، أدركتُ الواقع.
كانوا جميعًا متسخين، مرهقين، ويبدون مستنزفين.
قوة القتال التي كانت تتصاعد داخلي خمدت فجأة.
قمع الوحوش.
بسبب هذا السبب وحده، بدأتُ أفهم كل شيء.
نعم، منطقيًا، ما الذي قد يُصيب رجلًا قويّ البنية داخل قصره؟
بل ما الظروف التي قد يُجرح فيها جسدُ دوقٍ يُعدّ من أقوى المقاتلين في الإمبراطورية؟
لكن إن كان يقضي أيامه في قمع الوحوش، فليس مستغربًا أن يُصاب بتلك الجروح.
“هل خرجتَ إلى حملة القمع فور عودتكَ من العاصمة؟”
“نعم. لذلك لم أتمكن من الاطلاع على الرسائل. يبدو أن هناك أمرًا عاجلًا.”
لاحظتُ أنه يسحب أحد الأظرف من بين ما يحمله.
“لا! لا داعي لقراءتها. حقًا لا تحتوي على شيء مهم.”
مددتُ يدي بسرعة نحو الرسائل التي يمسك بها.
المحتوى الذي خطر ببالي في تلك اللحظة كان محرجًا إلى حدّ لا يُطاق. اجتاحني الندم.
“أعيدوها إليّ!”
تفادى الدوق يدي بسهولة، ثم أمال رأسه ونظر إليّ مباشرة.
“أرفض.”
لم أستطع قراءة تعبيره. لماذا؟ لماذا يرفض إعادتها؟
“لقد أُرسلتْ إليّ، أليست إذًا ملكي الآن؟”
كلامه ليس خاطئًا، لكن بما أنني أرسلتها، أليس لي حقّ فيها أيضًا؟
تدفقت إلى ذهني الكلمات المفعمة بكل مشاعري. تخيّلتُ ذلك الرجل البارد يقرأها دفعة واحدة دون اكتراث، فكاد العرق البارد يتصبّب مني.
“أعني، هل يمكن أن تعيدها فقط؟ المحتوى متشابه. مجرد رسائل أعبّر فيها عن قلقي كلما أُصيب الدوق، شيء من هذا القبيل.”
حتى بعدما أضفتُ زفرة تفسيرية، لم يتغير وجه الدوق.
“……قلق.”
ردّد الكلمة بصوت خافت بدا أكثر ليونة مما توقعت.
توترتُ بلا وعي وهو يخطو نحوي خطوة.
ثم مدّ الرسائل نحوي.
حين وقعت عيناي على أصابعه المستقيمة الناعمة، تذكّرتُ الجرح الذي انتقل إليّ بالأمس في إصبعه.
“هل كان الألم شديدًا؟”
كان شديدًا. لا يوجد جرح بلا ألم.
لكنني أدركتُ فجأة أن كل ذلك كان في الأصل ألمه هو.
أنا فقط شاركته إياه مصادفةً، فصرتُ أعرف.
لقد عاش حياته يكرّر تلك الأيام نفسها.
أنا أداوي نفسي بمختلف أدوية التعافي والسحر، لكن ماذا عنه؟
“حاولتُ أن أكون حذرًا، لكن يبدو أن ذلك لم يكن كافيًا.”
تدخل المساعد الذي كان يقف خلفه بقلق.
“إنه موسم القمع الكبير للوحوش. في هذا الوقت من الشتاء تكون الوحوش أكثر شراسة…… بل إن سيدي أُصيب أقل من المعتاد، حقًا!”
كان يتكلم بأسف، لكن نظرة واحدة من الدوق أسكته.
ثم هبطت على أذني كلمات تحمل شيئًا من اللطف.
“لن يكون هناك ما يجعلكِ تتألمين لفترة، لذا لا داعي للقلق.”
رفعتُ رأسي.
رغم أن زاوية فمه كانت تحمل أثر ابتسامة خفيفة، فإن عينيه كانتا خاليتين من المشاعر. شعرتُ ببرودة كأن ماءً باردًا سُكب عليّ.
كأنه يعلم أن القلق الذي أتحدث عنه موجّه نحوي أنا وحدي.
كان قد خمّن بالفعل مشاعري ونيّتي، والخطط التي وضعتها لأجل نفسي وعائلتي فقط.
“الجو بارد. لنكمل الحديث بعد عودتنا. وخلال يومين يمكننا إنهاء الاستعدادات لعودتكِ.”
يومان.
يبدو أنه سيستمع لما لديّ ليقوله، ثم يرفض، ويعيدني إلى العاصمة خلال يومين.
انعقد لساني.
لماذا أشعر بالانكسار هكذا؟ لم أفعل شيئًا خاطئًا، أليس كذلك؟ فلماذا ينتابني هذا الإحساس الشبيه بالذنب؟
مدّ الدوق يده كأنه يحثّني على الصعود إلى العربة.
“للعلم، لا أنوي العودة بعد يومين.”
قلتُ بصوت منخفض لكنه حازم، لا يسمعه سواه.
لابد أن ضخامة بنيته وحدّة حضوره جعلتني أتوتر دون داعٍ.
صحيح أنني لن أتزوجه حقًا، وسأعود يومًا إلى العاصمة، لكن ليس بعد يومين.
تماسكتُ من جديد ووضعتُ يدي فوق يده.
“أحقًا؟”
نبرته الهادئة كانت مستفزة إلى أقصى حد.
“نعم. لم أتحمّل كل هذا العناء لأمكث يومين فقط.”
خرجت كلماتي حادّة، لكن ما وصلني كان ضحكة منخفضة.
زادني ذلك عنادًا.
وبينما كنتُ أمشي بخطوات متعمّدة الثقل نحو العربة، توقف فجأةً وجذبني نحوه.
“لماذا فجأةً……!”
“هل معكِ دواء تعافٍ؟”
“دواء تعافٍ؟ ما، ما هذه الأشياء!”
اختبأتُ فورًا خلف ظهره، ثم أطللتُ برأسي لأرى مخلوقات لم أرَ مثلها من قبل تندفع نحونا.
كائنات خرجت عن هيئة الحيوانات العادية.
أجساد سوداء كأنها ظلال، قرون بارزة بشكل مشوّه، وعشرات الوحوش بعيون حمراء متوهجة.
“من الأفضل أن تبقي قريبة قدر الإمكان.”
كلام بديهي.
المكان يعجّ بالوحوش من كل جهة، ولن أبتعد عن الدوق أبدًا.
تشبثتُ بطرف ثيابه بكلتا يديّ، واقتربتُ حتى لامس جبيني ظهره، فارتجف قليلًا.
“هذا القدر من القُرب محرج..”
قالها بصوت بطيء لا يتناسب مع خطورة الموقف، ثم أبعدني عنه قليلًا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"