الفصل 2
يا إلهي.
“أيها المجنون!”
بينما كنت ألعن ستيفان بأقصى ما أستطيع، راحت عيناي تفحصان الدوق بسرعة.
وبعد أن فصلتُ جسدي عنه بصعوبة ومدّدته أرضًا، كانت يداي تخطئان مرارًا من شدّة الارتباك.
“آه.”
في النهاية، رأيتُ الدم يخرج حتى من إصبعي الذي خدشته زينة ملابسه.
دمي، دم الدوق… فوضى عارمة.
“هذا مخيف لدرجة الجنون، حقًا!”
لم أشاهد في حياتي شخصًا يموت، ولم أتخيل يومًا أنني سأرى ذلك.
هل يُعقل أن تنقلب حياتي الهادئة رأسًا على عقب في لحظة كهذه؟
كانت يداي المرتجفتان تتحسّسان جسده.
“يجب… يجب أن أحضر أحدًا.”
آه، ستيفان.
لا يمكنني ترك الدوق على هذه الحال مع الشخص الذي جعله في هذه الحالة.
أولًا، دفعتُ السلاح الملقى على الأرض بطرف قدمي، وأخفيته داخل فستاني بهدوء.
كنت أرمقه بحذر، خشية أن يُقدم على فعلٍ آخر، لكن لحسن الحظ—أو لسوئه—كان وجهه شاردًا خاليًا من الروح.
وفي اللحظة التي استنشقتُ فيها نفسًا عميقًا لأطلب النجدة بصوت عالٍ، تسلّل أنين منخفض.
“……سيدي الدوق؟ سيدي الدوق!”
حين رأيتُ وجهه يتقلّص من الألم مرة أخرى، كادت دموعي تنفجر.
إنه حي. حيّ.
رفعتُ رأسه الموضوع على ركبتي، وصرختُ بكل ما أوتيت من قوة.
رأيتُ ستيفان، الذي كان متردّدًا، يتراجع خطوة إلى الوراء، لكن لم يعد يهمّ إن هرب أم لا.
الأولوية كانت لإنقاذ الدوق.
“أرجوك، أرجوك…….”
كانت يدي التي تضغط على موضع الجرح قد تلطّخت بالدم منذ وقتٍ طويل.
حاولتُ تهدئة أنفاسي المتسارعة وأنا أراقب لون وجهه، ففتح عينيه ونظر إليّ.
صحيح أنه بدا كما لو بالكاد يبصر، لكن يكفي أنه فتح عينيه!
“هل أنتَ واعٍ؟”
“…….”
لم يأتِ ردّ، لكن مجرد كونه مفتوح العينين أغرقني بالطمأنينة.
مع أنه حين وضع يده الملطخة بدمه فوق يدي، أفزعني ذلك بشدّة… لكن لا بأس.
نعم، لنهدأ. لنهدأ.
يد واحدة يمكنني تحمّلها، صحيح.
“ستكون بخير. أنتَ لن تموت، أبدًا.”
تدفّقت الكلمات كرجاء أقرب إلى الهمس.
وكان لساني يثرثر بلا توقف، بينما كان بصري ينجذب مرارًا إلى يده التي تمسك بي بإحكام.
خاتم غريب الشكل في إصبعه الطويل.
الدم المتسرّب إليه كان يرسم خطوطًا حمراء على نقوشه، ولم أستطع أن أشيح بنظري عنه.
وفي اللحظة التي غطّى فيها الدم النقوش تمامًا، تبدّل الهواء من حولنا في طرفة عين.
هبت رياح تزداد شدّة شيئًا فشيئًا، تهزّ الأشجار بعنف، فتتناثر الثلوج المتراكمة على الأغصان.
ومع الثلج المتطاير بفعل تلك الرياح غير الطبيعية، أصبح من الصعب الحفاظ على وضوح الرؤية.
ثم، وكأن دائرةً قد تشكّلت حولي وحول الدوق، ظهر حاجز من الرياح يحيط بنا.
سُكونٌ مفاجئ، وإحساس غريب بانفصال المكان، كأننا في قلب إعصار.
“هل تخدعني عيناي……؟”
وقبل أن أستوعب التغيّر المفاجئ، ظهرت تباعًا دوائر سحرية صغيرة ذهبية اللون في الهواء بيني وبينه.
واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع، خمس.
“ما هذا كله؟”
دوائر سحرية معقّدة وجميلة تشعّ نورًا، إلى أن انبسطت أخيرًا دائرة سحرية ذهبية هائلة تفوقها جميعًا.
“أه……؟”
في تلك اللحظة، انحنى خصري تلقائيًا من شدّة صدمة حادة، كأن شيئًا نافذًا اخترقني.
ومن بين أصابعي التي قبضتُ بها على بطني، اندفع شيء دافئ فجأة.
“دم……؟”
بشقّ الأنفس فتحتُ عينيّ المقطّبتين، فرأيتُ الدم الأحمر ينتشر بسرعة على فستاني.
‘ما هذا؟ هل طعنني ذلك الوغد ستيفان أيضًا؟’
تفحّصتُ الأمر بعقلٍ مشوّش، لكن لم تكن هناك أي آثار تمزّق في الفستان.
“ما هذا بحق…….”
لم أستطع متابعة التفكير.
وأخيرًا، ومع الألم، تلاشى بصري، وأخذ وعيي ينقطع ويعود، بينما كان وجع بطني كأن أحشائي تلتوي، يتكرّر بلا رحمة.
لم يخرج من فمي صراخ.
مع كل رمشة عين كانت الدموع اللاإرادية تنهمر بغزارة، ومع كل نفسٍ يتضاعف الألم طبقةً فوق أخرى، حتى تلاشى الوعي في لحظة.
***
سقطت سيرا رييلز، التي ربّتها عائلة الماركيز بدلالٍ وحب، لسببٍ مجهول.
وعندما عُثر على سيرا فاقدة الوعي، كان إلى جانبها دوق روشباتز مغمورًا بالدماء ومغمىً عليه.
سرعان ما استعاد الدوق وعيه، لكن سيرا وحدها بقيت عاجزة عن فتح عينيها.
وعندما جاء الدوق للاطمئنان عليها، وعند عتبة غرفتها، سمع صرخة الماركيز المفجوعة، فأنزل يده التي كانت على مقبض الباب.
عيناه، المسمَّرتان على الباب المغلق بإحكام، كانتا غارقتين في سكونٍ عميق.
“هلّا تنحّيتَ جانبًا؟”
عند الصوت الجريء والبارد الذي تردّد، أمال الدوق رأسه قليلًا ثم التفت.
صاحبة الصوت كانت ميرلين رييلز، الوريثة المستقبلية لعائلة الماركيز.
كانت ملامحها قد نَحلَت بشكلٍ ملحوظ خلال اليومين اللذين بقيت فيهما سيرا فاقدة الوعي، فتوقّفت بعد أن خطت بضع خطوات.
تكلّمت بثقة، لكن الإحساس بأنّ قشعريرة تسري في جسدها لمجرّد الهالة التي يبعثها الدوق كان أمرًا لا مفرّ منه.
“……هل ستبقى واقفاً هناك؟”
تحوّل نظر ديركيان إلى الرجل الواقف خلف ميرلين، وقد غطّى رأسه بقلنسوة.
“إنه ساحر من برج السحر. الطبيب قال إنه لا يستطيع شرح حالة سيرا بدقّة. يبدو أن هناك أمرًا حدث ولم نكن على علم به…… ألا تشعر بالفضول، سيدي الدوق؟”
رغم حدّة الشكّ التي انبعثت من نظرات ميرلين، اكتفى ديركيان بالنظر إليها بلا اكتراث.
“جيّد. نفكّر بالطريقة نفسها.”
قالها باختصار، ثم دخل غرفة سيرا كما لو لم يتردّد لحظة.
في الغرفة كان هناك أقل عدد ممكن من الخدم، ومعهم الماركيز وزوجته اللذان لازما المكان.
الهواء الثقيل أصلًا ازداد سوءًا فور دخوله.
ألقى الماركيز تحيّة سريعة بنظرة، ثم أدار رأسه ليبدأ الحديث مع ميرلين.
ورغم هذا التجاهل الذي يكاد يكون متعمّدًا، لم يقل ديركيان شيئًا، بل راح يبحث بعينيه عن سيرا.
كان موقعه الحالي في بيت الماركيز ملتبسًا. وذلك رغم كونه ضحيةً بوضوح.
جزء من السبب يعود إلى غموض مسرح الحادثة، لكن الأهم هو أن أمرًا غريبًا قد وقع.
فالدوق الذي تعرّض للاعتداء تعافى تمامًا قبل أن يمرّ يوم واحد، بينما سيرا—التي كان ينبغي أن تكون سليمة—كانت تصارع الموت.
وبأعراضٍ تشبه تمامًا الطعن بسكينٍ مسموم.
كأن المأساة التي حلّت بالدوق كانت في الحقيقة ما عانته سيرا.
ولهذا، وفي الوقت الذي كان الجميع يضع ديركيان موضع ريبة بشكلٍ ضمنيّ، أمال رأسه ونظر بلا اكتراث إلى جانب السرير.
وسط الأجواء المشحونة بالعداء، شعر أن سيرا رييلز وحدها، المستلقية على السرير الدائري، تختلف تمامًا عن هذا الجوّ الكئيب.
وجه صغير بتفاصيل ناعمة، وشعر ورديّ مرتب بعناية فوقه.
وعيناها الخوخيتان، المخفيّتان الآن تحت جفنين مغمضين.
حتى ألوان وشكل الفراش بدت دافئة وناعمة، وكأنها على ذوقها هي.
كانت تبدو وديعةً ومسالمـة، إلى درجة توحي بأنها نائمة بعمق، لا فاقدة للوعي.
“قلتِ إنه سيكون بخير.”
تمتم بها.
تذكّر سيرا وهي تحتضنه، تطمئنه بلا توقّف قائلة إنه بخير.
تجمّد وجه ديركيان ببرودةٍ قاسية، وقبضته المشدودة برزت بها العروق بوضوح.
ثم، وقد عقد حاجبيه دون وعي، حرّك بصره نحو مصدر الضجيج.
يبدو أن جدالًا كان محتدمًا منذ قليل، إذ ارتفعت الأصوات.
“أسرعوا. أسرعوا وافحصوا ابنتي.”
رغم توسّل الماركيز الملحّ، ظل الساحر واقفًا كأنه متسمّر في مكانه.
وعندما لم يعد الماركيز قادرًا على كبت ضيقه، أمسك بردائه وهزّه، فانزلق الغطاء عن رأسه، كاشفًا عن وجهٍ مذعور.
“ما الذي تفعله؟ افحصها فورًا!”
“أه…… أعني، هذا… ما هذا بحق…….”
راح الساحر ينقل نظره بين سيرا وديركيان بعينين مضطربتين.
أما الأداة السحرية التي كان يحملها فقد كانت تتدحرج على الأرض.
“هذا غير معقول. لا يمكن أن يكون. هل كان هذا ممكنًا حقًا……؟”
تقدّمت زوجة الماركيز، التي حافظت على رباطة جأشها، حتى وقفت أمام الساحر ونظرت في عينيه.
“قل كل ما تعرفه دون زيادة أو نقصان. حالًا.”
كان نظرها وصوتها حادّين كالنصل.
ابتلع الساحر ريقه، وبعد برهة طويلة بدأ يتكلّم بتلعثم.
“إنه… محظور، وحتى أنا أراه للمرة الأولى، لذا لا أستطيع الجزم، لكن…… يبدو أنه سحرٌ ينقل الجروح إلى المتعاقد.”
“وماذا يعني ذلك؟”
“……ببساطة، هذا يعني أن ابنتكم تعاني الآن جروح شخصٍ آخر بدلًا عنه.”
مع خفوت صوته، توقّف نظر الساحر في مكانٍ واحد على نحوٍ متردّد، وتبعته أنظار الجميع إلى حيث كان ديركيان.
“هل أنتَ متأكد؟”
في صمتٍ خانق، انخفض صوت ديركيان.
كان سؤالًا هادئًا، لكن ما فيه من هيبة جعل ظهر الساحر يبتلّ بالعرق البارد.
ومع ذلك، بما أن سحرة برج السحر لا يوجد بينهم شخص عاقل تماماً، فقد واصل كلامه بإصرار رغم تهديد حياته المجهول.
“نـ، نعم. على الأرجح… نعم. جئتُ على عجل ولم أسمع الشرح كاملًا، لكن…… أليس سيدي الدوق قد عانى أولًا الأعراض نفسها التي تمرّ بها الآن الآنسة؟ حين يُصاب أحدهم أولًا، تنتقل الجروح لاحقًا…….”
ورغم حذره الشديد، لم يتوقف الساحر عن الكلام.
“وحين تنتقل الجروح، يتعافى الشخص الذي كان مصابًا في الأصل دون أن يبقى أي أثر.”
كان الساحر يتفحّص ديركيان من رأسه إلى قدميه، ولمّا التقت عيناهما، انكمش كتفاه وخفض رأسه.
“هذا كلامٌ مجنون.”
قالها ديركيان بضحكة قصيرة خالية من المرح، وهو يضيّق عينيه.
بعد ذلك، لم يستطع أحد في الغرفة أن يفتح فمه بسهولة.
منهم من لم يصدق، ومنهم من عجز عن الفهم، ومنهم من صُدم بسخف الفكرة.
وشخصٌ واحد كانت مشاعره هي الأعقد.
“ما… ما معنى كل هذا الكلام……؟”
بدا أن سيرا قد استفاقت دون أن يشعر أحد.
وبصوتٍ بالكاد يخرج، عبّرت عن ظلمها بعد سماع الحقيقة الصاعقة.
“إنه… كذب، أليس كذلك……؟”
كانت عيناها الورديتان المفتوحتان الآن تلمعان بالدموع.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 2"