الفصل 1
كان العالم غير عادل معي وحدي.
عالمٌ يُفترض فيه أن يولد كل إنسان وهو يملك قدرًا ضئيلًا على الأقل من القوة السحرية. لذلك كانَ السحر في كل زاوية وركن، أمرًا بديهيا تمامًا.
السفر بالسحر، والطبخ بالسحر، بل وحتى فتح الأبواب يتم بالسحر. ذلك هو جزءٌ من الروتين اليومي المعتاد.
أما أنا، فكنت شاذة لا تحمل ذرة واحدة من القوة السحرية، إلى درجة أنني لا أستطيع فتح بابٍ بمفردي.
لكنني كنت أملك عائلة تفيض بالحبّ والمال. نعم، المال. وهذا هو الأهم. ففي النهاية، يمكن شراء السحر بالمال.
إن علّقتُ أحجارًا سحرية في كل مكان بدل القوة السحرية، فسأعيش مثل الآخرين. بهذه البساطة.
لذلك، كنت أفهم جيدًا الدوافع الخفية لذلك الشخص الذي اقتحم بيتنا فجأة.
“هل الطعام على ذوق حضرتِك؟”
في مائدة طعام متكلفة ومحرجة، كان الطرف الذي خاطبه والدي بابتسامة متصلّبة هي الأثقل في الدنيا هو دوق ديركيان روشباتز.
حقًا، أمر لا يُصدّق.
ذلك الناسك الشهير من الشمال كان الآن يجلس أمامي، يقطع شريحته بسكينه. ومع كل حركة دقيقة لا زيادة فيها ولا نقصان، كانت الأجواء تزداد برودة.
“لذيذ.”
قالها الدوق بوجهٍ لا يبدو عليه أنه يميّز الطعم من الأساس.
وساد الصمت من جديد.
في تلك اللحظة، رمقتُ والدي بنظرة لوم.
لا، حقًا، لماذا دعا هذا الرجل إلى بيتنا؟
لكن حين رأيت حاجبيه يهبطان مع تعبير مظلوم، فهمت الأمر. كعادته كل عام، لا بد أنه ألقى دعوةَ مجاملة بلا تفكير.
المشكلة أن الدوق، الذي لم تجاهل الدعوات طوال تلك السنوات، قرر هذا العام الحضور بنفسه إلى بيت الماركيز بحجة أن لديه حديثًا تجاريًا.
أليس هذا مفاجئًا أكثر من اللازم؟
أليس هذا مفاجئاً؟ ما هي الأعمال التي قد تجمعنا بدوقية الشمال؟
وإن كان جادًا فعلًا، فالموضوع المريب لا يمكن أن يكون إلا واحدًا.
‘لقد جاء ما كنتُ أخشاه، تباً.’
ذلك الوجه البارد الخالي من أي نوايا ظاهرة، وهو يتناول طعامه بهدوء، لم يكن يبدو في عيني سوى ناهبٍ ووحشٍ كاسر.
حقيقة أنني وُلدت بلا قوة سحرية كانت سرًا لا يعرفه إلا القليل.
وكونه واحدًا منهم كان أمرًا يبعث على الأسى حقًا.
ربما كان ينوي ابتزازي بذلك السر.
ليطالبني بتسليم الأحجار السحرية.
عدوٌّ أسطوري يطمع في أحجاري السحرية التي جمعتها بصبر، وفي كنزي، بل وفي منجمٍ تتدفّق منه الأحجار السحرية.
’حسناً، وضعُه يدعو للشفقة، لكن…’
بأمر الإمبراطور، لم يكن يُسمح لأي ساحر بالإقامة في الشمال حاليًا.
والسبب أن زوجة الدوق السابقة حاولت التمرّد، وكادت في وقتٍ ما أن تدمّر برج السحر بالكامل.
على أي حال، عدم تلقي دعم برج السحر كان كارثة حقيقية.
وما بالك بمنطقة حدودية تعجّ بالوحوش السحرية في كلّ حين.
إن لم توجد أسنان، فلتعمل اللثة. لا بد أنه كان بأمسّ الحاجة إلى الأحجار السحرية.
”مهما كان الأمر، لن أعطيك ممتلكاتي.”
تمتمتُ دون وعي وأنا أعضّ على أسناني.
سأحميها مهما كان الثمن.
أحجاري السحرية.
وحين رفعت رأسي بعزم، التقت عيناي بعينيه.
شعر أسود داكن، وعينان زرقاوان تميلان إلى الرمادي، نظرة غامضة تسحب التركيز كله إليه، كأن ما حوله يُمحى.
لا تقل… هل سمع؟
”ما الذي لن تعطيهِ؟”
“هاه؟”
“قلتِ إنكِ لن تعطي شيئاً.”
مأزق. حتى سمعه حاد.
لا أحد على الطاولة بدا وكأنه سمع، لكنه وحده التقطها. كان ينتظر الإجابة، ولم أفهم لماذا كان ذلك مرعبًا إلى هذا الحد.
“الطعام… لا يجوز أن أعطيه.”
تمنيتُ من قلبي أن يمرّ الأمر بسلام.
كنت أنظر إليه دون أن أستطيع حتى بلع ريقي، حين أدار عينيه ببطء إلى الأسفل.
تبعتُ نظره… فكان صحنِي.
شريحة اللحم الممزقة كانت في حالٍ يُرثى لها، كأن من قطّعها كان يحمل ضغينة شخصية ضدها.
“حتى من دون قولكِ ذلك…”
عاد بصر الدوق إليّ، وفي عينيه وميض أزرق، كأن ضوء الشمس انعكس فيهما.
“لن آخذها.”
“……”
اللحم…؟
لا، مستحيل. ليت الكلمة الناقصة كانت “الأحجار السحرية”.
راودتني كلمات مرعبة أخرى—كحياتي مثلًا—لكنني تجاهلتها جاهدَة.
كان الجوّ الذي ازداد كآبةً مقارنةً بالسابق يبعث على اليأس بحق.
يبدو أن الجميع بالكاد يبتلع طعامه، فلا يُسمع سوى صليل خفيف لأدوات المائدة.
كنت أحدّق شاردةً بالتناوب بين طبقي والدوق الذي بدا هادئًا كليًا، حين تشوّه حاجباه فجأة لبرهة.
“سأستأذن لحظة.”
“نعم؟”
لم يصل سؤال أبي إلى الدوق. فقد نهض بسرعة وكان قد غادر المائدة بالفعل.
“ما هذا الـ…….”
دوّى صوت إغلاق الباب، وبقينا نحدّق في مقعد الدوق الفارغ بذهول لبضع ثوانٍ.
وخلال ذلك، بدأت العائلة التي كانت متيبّسة، تحبس حتى أنفاسها، تتكلم كلٌّ على حدة.
“يبدو أن أمرًا عاجلًا قد طرأ، أليس كذلك؟”
قالت أختي ميرلين بصوت ساخر لا يقل برودًا عن تعبيرها، رافعة أحد طرفي فمها بازدراء.
عقدت ذراعيها وأمالت رأسها، ما أوحى بوضوح بعدم رضاها.
“أم… مع ذلك، أظن أنه من الأفضل أن يطمئن أحد عليه، لذا سأتبعه.”
عند الصوت غير المتوقع، التفتُّ بسرعة، فإذا بستيفان—الذي بالكاد كان يُلحظ وجوده—ينهض بتردّد.
بشعره البني الفاتح وعينيه البنيتين الناعمتين، كان خطيبُ أختي ميرلين رجلًا جميلًا هشًّا، يبدو وكأنه سيسقط إن لمسته.
وكان باطنه، تمامًا كظاهره، رجلًا زجاجيّ القلب.
“فكرة صائبة. اذهب أنت.”
خرج ستيفان، الذي بدا مشيه مقلقًا بلا سبب واضح، بعد أن أغلق الباب بحذر.
في الوقت نفسه، أطلقتُ أنا، المنهكة إلى أقصى حد، زفرة طويلة وضغطتُ على جفوني.
لم آكل شيئًا يُذكر، ومع ذلك شعرتُ بثِقل مزعج في معدتي.
حقًا، من الأفضل الهروب سريعًا من هذه الصالة الخانقة.
على أي حال، كانت مأدبةً فاشلة.
“سأصعد الآن. قولوا إن صحتي لم تكن على ما يرام، ولفّقوا الأمر كما تشاؤون!”
“سيرا رييلز.”
كنت قد نهضتُ على عجل تحسّبًا، لكن نظرة أمي الباردة أصابتني بلا رحمة.
“من أين تعلّمتِ هذا السلوك؟”
“……إذًا، هل يُسمح لي فقط بالخروج قليلًا لاستنشاق الهواء ثم أعود؟”
“لا تتأخري عن الدوق.”
“……نعم.”
كيف عرفت؟ كنت أنوي التسكّع بهدوء ثم العودة متأخرة قليلًا كخطة بديلة……
نهضتُ بهدوء، ومشيت بخطوات متزنة حتى لا أبدو وكأنني أهرب.
ربّما بسبب التوتر المستمر، كان جسدي متيبّسًا بشكل غير مريح.
“سأتمشّى في الحديقة ثم أعود.”
سمعتُ أنّ طاولة شاي ضخمة قد أُعدّت في وسط الحديقة نهارًا.
وبالنظر إلى الأجواء، لا يبدو أنها ستُستخدم.
فكّرتُ أن أجلس هناك قليلًا على الأقل، وتوجهتُ نحوها، لكنني رأيتُ ضيفًا سبقني.
كان الدوق.
حتى قبل لحظات، لم يكن في عيني سوى لصٍّ يطمع فيما أملك، لكن في تلك اللحظة، وبما يكفي لأن أنسى كل شيء، بدا مثاليًا.
ملامحه الجانبية تنسجم مع الليل وضوء القمر انسجامًا مخيفًا.
لم يسبق لي أن تأثرتُ بصدق بجمال شخصٍ ما، لذا كان الأمر مربكًا.
“……منذ صغره، كان وجهه مميّزًا فعلًا.”
رؤيته وقد صار وسيمًا إلى هذا الحد فوق المتوقع جعل صدري يضيق أكثر.
هل كانت آخر مرة رأيته فيها حين كنتُ في التاسعة؟
—لا تتظاهري بمعرفتي. من الآن فصاعدًا، اعتبريني شخصًا لا تعرفينه.
حتى الآن، كلما تذكّرتُ ذلك الموقف، بدا سخيفًا ومثيرًا للغضب.
مع أن وجهه وقتها كان يبدو أشدّ ألمًا من كلماته.
“ومع ذلك، لا يغيّر هذا من حقيقة كونه وحشًا يطمع فيما أملك.”
تمتمتُ بقسوة لأستعيد وعيي. ولم أتردّد لحظة في هل أتجاهله وأعود أدراجي أم ألقي التحيّة.
رفعتُ كعبي واستدرتُ بهدوء… حين وقعت عيناي على وجهٍ مألوف.
شعر بني باهت، يبدو عليه الضُّعف من النظرة الأولى.
“ستيفان؟”
قفز كتفاي المشدودتان. تساءلتُ ما به، وحين نظرتُ جيدًا رأيتُ في يده شيئًا غريبًا.
سكين؟
كان الأمر غريبًا لدرجة أنني عقدتُ حاجبي تلقائيًا.
وفي اللحظة التالية، اندفع ستيفان كثورٍ هائج. الاتجاه الذي ركض نحوه كان حيث يقف الدوق، ديركيان روشباتز.
“مجنون!”
تحرّكت قدماي من تلقاء نفسي. غير آبهة بالفستان الثقيل، ركضتُ بأقصى ما لديّ نحوه.
“دير!”
أدركتُ الخطأ فورًا. بسبب شرودي في الذكريات، خرج الاسم دون وعي.
لماذا يظهر لقب الطفولة الذي كنت أناديه به هنا بالذات؟!
على عكس الفوضى من خلفه، بدا هو وحده هادئًا. أدار رأسه ورآني، فمرّت دهشة خاطفة في عينيه اللتين كانتا حتى للتوّ ساكنتين.
أنا أندفع بلا تفكير، وستيفان يهاجم.
ومع آخر صورة لملامح الدوق الشاردة وهو ينظر إلينا، أظلمت رؤيتي.
“أه؟”
بعد اندفاعٍ طويل لم أستطع التوقّف بسهولة، فاحتواني بين ذراعيه واستدار بجسده، موجّهًا ظهره نحو الاتجاه الذي كان ستيفان يندفع منه.
“……سيدي الدوق؟”
“ابقي ساكنة.”
اليد الكبيرة التي أحاطت بمؤخرة رأسي ضغطتني مجددًا برفق إلى صدره.
“ليس هذا المقصود، الآن—!”
حاولتُ التملّص وأنا أتحرّك باضطراب، لكنه لم يتزحزح. لم يكن هذا وقتًا كهذا. ستيفان كان يستهدفه بسكين.
لكن… كان هناك خطأ جسيم، خطأ فادح.
“قلتُ إن الأمر بخير.”
“ليس بخير. ليس بخير أبدًا!”
ربما لأنه كان يمسكني بإحكام، لم أستطع سماع ما حولنا جيدًا. لم يصلني سوى صوته. ومع ذلك، شعرتُ به.
الدفء والرطوبة اللذان كانا ينتشران عند موضع بطني الملتصق به.
“هل… طُعنت؟ أظن أن هناك دمًا، دمًا…”
ارتجف صوتي. انتظرتُ بقلق، لكن ما لامس أذني كان زفرة منخفضة ونفَسًا حارًا.
ازداد الثقل الذي يضغط عليّ تدريجيًا.
“سيدي الدوق……؟”
وحين أمسكتُ بجسده وهو ينهار نحوي وجلستُ أرضًا، رأيتُ أخيرًا.
دمًا أحمر يحتل الأرض.
وفوقه، خنجرٌ سقط مُحدثًا صوتًا حادًا مرعبًا.
رفعتُ بصري ببطء، فرأيتُ إنسانًا شاحبًا كالأموات. كان مذعورًا إلى حدٍّ قد يجعل أيّ ناظر يظنه هو المطعون.
“…….”
خطيب أختي ذو الوجه البريء، قتل دوقًا في بيتنا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 1"