“…ماذا تعني بـ ‘مواجهة’؟”
شعرت آيريس بدمها يتجمد في عروقها.
لقد افترضت، وبلا وعي منها، أن أليكسيون سيختبئ معهم هو الآخر.
مع أنه، وبالطبع، لم يكن هناك أي سبب يدعوها للاعتقاد بذلك.
حاول أليكسيون تهدئتها بقوله:
“لا يبدو الأمر خطيرًا جدًا. لذا لا داعي للقلق.”
لم تشعر آيريس في نظراته التي تهدئها بأي ذرة من الخوف.
كان فيها فقط رباطة جأش رجل واجه مواقف مماثلة عشرات، بل مئات المرات من قبل.
“أنا أعرف كارويهان سول جيدًا. إنه ليس شخصًا سيؤذيني. على الأقل، في الوقت الحالي.”
لم تسأل آيريس كيف يستطيع أن يكون متأكدًا من ذلك.
“لكنه يبقى رجلاً خطيرًا، أليس كذلك؟ حتى لو لم يؤذك مباشرة، أليس لهذا السبب تجلينا أنا وكونغ؟ لأنه قد يؤذينا بطريقة ما؟”
تنهد أليكسيون.
“فقط تحسبًا لأي طارئ.”
“آيريس، لن يصيبني أي مكروه. لكن إن حدث شيء، فلن أكون أنا من يصيبه…”
شدد قبضته على يدها.
“أنتِ أم كونغ. كما حمتيه طوال الوقت، سيحميكِ هو من الآن فصاعدًا.”
كرهت آيريس مجرد التفكير في هذا الاحتمال.
لكنها لم تجرؤ على التلفظ به.
فأليكسيون هو من سيواجه هذا الخطر المجهول الآن.
“…عدني. عدني أنك ستعود سالماً.”
“أعدكِ.”
شعرت بيده تضغط على يدها بقوة.
ذلك الدفء، تلك القوة، تلك اللحظة…
خزنت آيريس كل تفصيل في ذاكرتها بوضوح.
إن حدث هذا مرة أخرى، ستجبر أليكسيون على ارتداء كل ما يمكنها أن تقدمه له من أدوات حماية.
لكن الآن…
‘ليس لدي خيار سوى أن أتركه يذهب.’
قالت متذمرة كطفلة:
“عليك أن تعود بسرعة.”
“بالطبع.”
ابتسم أليكسيون ابتسامة خفيفة وترك يدها.
لم يكن مجرد خيال من آيريس أن نظراته بقيت معلقة في مكان يدها للحظة.
“نامي قليلاً. ستجديني هنا عندما تستيقظين.”
على أي حال، إنه يفعل أشياء قذرة حقًا.
تطلع أليكسيون إلى الأمام بنظرة ثاقبة.
لقد قال الحقيقة فقط لآيريس.
فهو حقًا لا يخاف من مكايد كارفيان.
ما إن وطئت قدماه الحديقة، حتى اندفعت نحوه كرات من الضوء مصنوعة من الطاقة السحرية.
تحرك أليكسيون بسرعة، مراوغًا إياها ومقيّمًا الموقف بذكاء.
لاحظ أن كرات الضوء هذه كانت تتعقب وجوده فحسب، ولم تظهر أي نوايا عدائية.
‘إنها ليست مصممة لإيذاء أحد.’
لو كانت وسيلة قاتلة، لما اتخذت شكل كرات ضوئية.
إذًا، ما هو هدفها؟
‘مراقبة…؟’
لكن كارفيان لم يكن غبيًا لدرجة استخدام سحر واضح إلى هذا الحد لمجرد المراقبة.
لا بد أن هناك سببًا آخر.
‘لكن لا توجد طريقة لمعرفته.’
بالتأكيد، يمكنه أن يعرف لو واجهها مباشرة.
لكن المشكلة كانت في أن ذلك يعني الوقوع في فخ كارفيان.
لذا اختار أليكسيون الحل الأسهل.
القضاء عليها جميعًا.
ما إن سحب سيفه من غمده، حتى لمعت شفرته الحادة بعكس الضوء.
بسرعة تكاد لا تُرى بالعين البشرية، شرع يقطع كرات الضوء واحدة تلو الأخرى.
مهما كان خصمه ساحرًا، لا يمكنه مجاراة أليكسيون في القتال المتلاحم.
واحدة تلو الأخرى، حتى أتى على آخرها.
‘سهل جدًا.’
تمتم باستخفاف.
بدا أنه يجب عليه أن يزور برج السحر في أقرب وقت ممكن، شخصيّا .
هذه المناوشات تافهة، وإذا تكررت، فعليه أن يذكر كارفيان سول بمن هو الأقوى.
‘على الأقل سأعود إلى آيريس سريعًا.’
كان يؤلمه رؤية وجهها القلق.
فالابتسامة والسعادة هما ما يليقان بآيريس…
لكنه كان متأكدًا أنها حالما تراه عائدًا سالمًا، سيزول القلق ويتفتح وجهها.
لكن، في اللحظة التي استدار فيها للعودة…
شعر بطاقة مرعبة تلمس كاحله.
كانت آخر كرة ضوئية، التي ظنها قد قضى عليها، قد اختبأت تحت قدميه، مترقبة الفرصة.
اتسعت عينا أليكسيون ثم تجمدتا في مكانهما.
“أوه…”
تأوه أليكسيون ألمًا وانهار على الأرض كدمية قُطعت أوتارها.
في ظلام دامس.
“هوه… هووه…”
سمع صوت بكاء مألوفًا.
أدرك أليكسيون على الفور.
‘إنه كابوس.’
يبدو أن مكيدة كارفيان كانت سحرًا يوقع من يلمسه الضوء في كابوس.
كان الأمر مثيرًا للسخرية.
فهذا الكابوس لم يعد يعني له شيئًا.
قبل أن يلتقي بآيريس، كان الكابوس مستنقعًا لا مفر منه، ومصدرًا للذنب.
لكن بعد أن عرفها، استطاع التحرر منه.
مؤخرًا، أصبح يشبه أي حلم عادي.
مجرد كابوس يراها أحيانًا عندما تخطئ في حساب مواعيده.
إنه ليس مزعجًا بالطبع، لكنه مجرد حلم في منتصف الليل يمكن نسيانه بسرعة، مثل أي كابوس آخر.
تأمل أليكسيون الفتاة الصغيرة الباكية بعينين جافتين.
كانت في العاشرة من عمرها تقريبًا، بشعر أشقر يميل إلى الوردي.
وعيونها الزرقاء محتقنة بالدم.
توقف قلبه للحظة.
لم يسبق له أن رأى ملامح الفتاة بهذا الوضوح من قبل.
كان هذا الوجه، كما لو أنه…
‘آيريس.’
جف حلقه.
بدا وكأن عقله الباطن قد استحضر آيريس إلى كابوسه.
نسي أليكسيون للحظات أن هذا مجرد كابوس سيزول، وجثا على ركبتيه، مادًا يده نحو آيريس.
كانت يدًا صغيرة لم تكبر بعد، تبدو في مثل عمر الفتاة تقريبًا.
“…لا تبكي، آيريس.”
“كيف… كيف لا أبكي وأنت مصاب بهذا الشكل، أليك؟”
تنهدت آيريس باكية.
شعر بقشعريرة تسري في جسده.
صوتها، وطريقة نطقها لاسمه “أليك”، كل شيء كان آيريس الطفلة نفسها.
لم يسبق له أن التقى بآيريس الطفلة من قبل…
لكنه كان متأكدًا أنها لو كانت كذلك، لبدت تمامًا بهذا الشكل.
“لم أصب.”
لكنه شعر بطعم دم في فمه وهو يقول هذا.
“أليك.”
همست آيريس.
“أنت تكذب مجددًا.”
“…أنا… أكثر ما أكرهه هو عندما تكذب، أليك.”
نظر أليكسيون إلى جسده المليء بالندوب.
كانت الملابس الرثة التي تلف جسده النحيل تشبه تلك التي اعتاد ارتداءها.
“…لكنني لا أشعر بالألم رغم ذلك.”
أشرق وجه آيريس.
رمشت عينيها وقبضت على يده بقوة.
“هل كان للدواء الذي أعددته تأثير؟”
“يبدو ذلك.”
أجاب أليكسيون بسرعة.
“شكرًا لكِ، آيريس.”
“سأعد… سأعد لك المزيد!”
أجابت آيريس على الفور.
“قالوا إن لدي موهبة قالوا إنني بهذه الموهبة أستطيع إنقاذك أنت، وإنقاذ الطفل الآخر أيضًا… لذا سأنقذكما معًا.”
“طفل آخر؟”
قطب أليكسيون حاجبيه.
طفل آخر؟
لم يظهر في هذا الكابوس أي طفل آخر سواه وهذه الفتاة الباكية.
“نعم.”
أومأت آيريس برأسها بقوة.
“يقولون إنه ليس له اسم… أليس هذا غريبًا؟ لذا سميته أنا.”
تسارع أنفاس أليكسيون.
بغرابة… تذكر أنه سمع هذه القصة من قبل.
“كارفيان.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 99"