كانت الصحوة نعمة وعذابًا في آن واحد.
نعمة، لأنه أخيرًا فهم ما يريده قلبه.
وعذاب، لأن كل لحظة يقضيها بجانب آيريس كانت تخلع قلبه.
أكمل أليكسيون تلك “النزهة” السخيفة، ملبياً رغبات الأطفال، رغم أن الأمر كان يتطلب منه جهدًا خارقًا.
ففي بعض اللحظات، كان يتصبب عرقًا، كهذه اللحظة.
“ماما، بابا!”
اندفع آرِن بينهما بعفوية.
تنفس أليكسيون الصعداء، فقد ظن أنه سيتمكن الآن من الابتعاد قليلاً عن آيريس.
لكن آرِن فاجأه بطلب لم يكن في الحسبان.
“ماما وبابا، احضنوني معًا.”
“أتحب أن تُحضَن؟”
ضحكت آيريس بلطف وضمّت آرِن إليها.
لفّ آرِن ذراعيه حول عنقها وأخذ يتذمر:
“بابا أيضًا! بابا!”
“ل… لكني سأحضنك وحدك فيما بعد!”
“احضنوني معًا! مثل المرة الماضية.”
بدا أنه يقصد تلك المرة التي كان فيها آرِن على هيئته التنينية، واحتضناه معًا.
لكن في ذلك الوقت، كان حجم آرن أكبر بكثير مما هو عليه الآن.
كان بإمكانهما احتضانه معًا دون أن يتلامسا.
أما الآن…
“ألا تحبني يا بابا؟ هل لم تعد تريد احتضاني بعد الآن؟”
استفزّه آرِن بصوته المتذمر.
ابتلع أليكسيون ريقه.
“ل… ليس هذا صحيحًا. لكن المكان ضيق جدًا…”
“لكن آرِن يريد أن تحتضناني معًا مثل المرة الماضية!”
فكّر أليكسيون.
لا شك أنه… دَلَّل آرِن أكثر من اللازم.
لكن من ناحية أخرى، فهو طفل لا يتجاوز عمره العقلي والجسدي الخمس سنوات، فمن الطبيعي أن يطلب أشياء كثيرة بدلال الطفولة.
علاوة على ذلك، ما طلبه آرِن هو مجرد “احتضان معًا”.
كان طلبًا يصعب رفضه بقسوة.
يبدو أن آيريس شعرت بالشيء نفسه، فنظرت إليه بارتباك.
“إنه شديد الإلحاح.”
“لستُ ملحًا.”
تجهّم آرِن.
“فقط للحظة واحدة، اتفقنا؟”
“لحظة واحدة فقط. هل أنتِ موافقة، آيريس؟”
“… نعم.”
في النهاية، احتضنهما أليكسيون ببطء شديد…
آيريس وآرِن معًا.
ارتجفت آيريس وتصلبت، ثم سرعان ما استرخت.
انتشرت حرارة دافئة وناعمة تدريجيًا.
تموج شعرها الأشقر المائل للوردي أمام عينيه.
بما أن آيريس كانت تحتضن آرِن بالكامل، فقد كان احتضان أليكسيون لآيريس أكثر منه لآرِن.
لكن…
‘… لا أريد أن أتركها.’
متى ستتاح له فرصة أخرى للاقتراب منها هكذا؟
آيريس لا تعلم شيئًا عما في قلبه.
لو فكرنا في شخصيتها، فهي لا تستطيع حتى تخيل مستقبل باهر مثل أن تكون دوقة.
فكل ما تريده آيريس هو العيش بسعادة مع عائلتها.
وبالطبع، ليس من بين أفراد تلك “العائلة” شخص مثل أليكسيون تيت، دوق الإمبراطورية.
لكن…
‘أنا بابا آرِن.’
وآيريس هي “ماما” آرِن.
أليس بإمكانه أن يصبح أحد أفراد “عائلتها” ولو بهذه الصفة؟
تملكته هذه الأفكار، فاحتضن آيريس بقوة أكبر.
“أليكسيون؟”
سألته آيريس بارتباك.
“أنا… آرِن… يبدو أنه يختنق…”
فوجئ أليكسيون وابتعد عنها بسرعة.
كانت آيريس تنظر إليه بوجه متورد.
سعل أليكسيون وأنزل نظره إلى الأسفل.
كان هناك التنين الصغير ذو العيون الحمراء الشبيهة بعينيه، يتلألأ بريقًا.
“هل أنت راضٍ الآن، آرِن؟”
“نعم!”
هز آرِن رأسه بقوة.
“ماما وبابا الأفضل!”
ثم ركض نحو إيف ليطبعه كفًا.
مرة أخرى، بقيا وحدهما، آيريس وأليكسيون، وساد بينهما صمت محرج.
“… آسف على ما حدث. لم يسبق لي أن احتضنت أحدًا بهذه الطريقة من قبل…”
برغم اعتذاره الواضح، لم تلاحقه آيريس بالأسئلة، بل أومأت برأسها بخفة.
“… المهم أن آرِن سعد بذلك.”
نظرت من النافذة.
“لقد غربت الشمس بالفعل… هل نرتب الأشياء؟”
“أجل… هذا أفضل.”
حدّق أليكسيون في آيريس وهي تنهض من مكانها، وأدرك.
الليلة…
‘لن أنام.’
حتى لو ارتدى السوار الذي أعطته إياه آيريس ليمنعه من الكوابيس.
فأرق الليلة لن يكون بسبب كابوس، بل بسبب أنفاس آيريس، وخصلات شعرها، وعطرها.
***
في جوف الليل.
هبت ريح باردة تعصف بالنافذة محدثة صوتًا عاليًا.
نهضت آيريس من فراشها تلهث.
كان الملاءات مبللة بالعرق البارد.
“… يا إلهي.”
كابوس بعد غياب.
لم تكن تذكر تفاصيله جيدًا، لكن…
“يبدو أنه كان عن الماضي.”
هزت آيريس رأسها محاولة التخلص من الذكريات. كانت تتوقع أي كابوس كان.
لطالما كانت تراودها هذه الكوابيس بين الحين والآخر.
“لا بد أنه كان حلمًا عن ذلك المكان الرهيب.”
تذكرت الآن ومضات غير واضحة.
تذكرات كانت قريبة من السطح، بحيث لو حاولت جاهدة لاسترجعت تفاصيلها بوضوح.
لكن لسبب ما، كانت آيريس لا تريد أن تتذكر.
آيريس كانت سعيدة جدًا بحياتها الآن.
آرِن، أليكسيون، أختها، والداها، وحتى إيف.
لم يتغير شيء كثيرًا عندما أصبح أليكسيون “بابا”.
بل على العكس، أصبح كل شيء أفضل من ذي قبل.
فعندما تغيب هي، يتولى أليكسيون رعاية آرِن، والعكس صحيح.
وآرِن، الذي أصبح قريبًا جدًا من أليكسيون بسرعة، كان يكبر سعيدًا.
‘لذا… الماضي لا يهم أبدًا لست بحاجة لمعرفة أي شيء عنه!’
بهذه الأفكار، نزلت آيريس من السرير وتطلعت من النافذة.
“؟”
رمشت آيريس.
كان المفروض أن ترى ظلامًا دامسًا، لكنها رأت ومضات خافتة.
كانت تلك الأضواء المتلألئة كالعفاريت، ليست مصابيح عادية بالتأكيد.
“يجب أن أخبر أليكسيون.”
أسرعت آيريس باستدعاء ميريام وإيقاظ الأطفال.
كانت إيف خائفة جدًا، أما آرِن فكان مفتونًا فقط.
حذرته آيريس بحزم:
“آرِن… لا تنظر له وكأنه شيء مدهش.”
“تشي.”
زم آرِن شفتيه.
“يجب أن نكون حذرين، فهمت؟”
“لكنه لا يبدو خطرًا أبدًا.”
“نحن لا نعرف ما هو بعد.”
حدقت آيريس في عيني آرِن وهي تقول:
“لذا، لننتظر حتى يأتي أليكسيون.”
لحسن الحظ، وصل أليكسيون سريعًا.
كان يبدو متعبًا، كمن لم ينم طوال الليل.
“تأكدت في طريقي إلى هنا إنها نتاج سحر بالتأكيد.”
“…”
عضت آيريس على شفتيها.
بمجرد سماع كلمة “سحر”، تذكرت كارفيان سول. الذي سبب لهم صدمة حقيقية.
“هل يمكن أن يكون من فعله؟”
“على الأغلب.”
وافق أليكسيون.
“لكن لا أحد يعلم قصده.”
“…”
“الأفضل أن نُخلي المكان الآن. إلى الطابق السفلي حيث لا نوافذ، فلا يمكن لتلك الأشياء الدخول.”
امتثلت آيريس وآرِن وإيف لأوامر أليكسيون فورًا.
تقدّمهم أليكسيون بخطوات سريعة وهو يشرح:
“إنه ليس كالقبو العادي بالطبع يوجد قبو عادي أيضًا… لكن المكان الذي ستختبئون فيه هو أشبه بملجأ طوارئ.”
“ستختبئ… ماذا عنك أنت، أليكسيون؟”
سألته آيريس بصوت مرتجف.
“أنا؟”
ضحك أليكسيون بصوت مسموع.
“أنا، بالطبع، سأذهب لمواجهة تلك الأشياء.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 98"