تصلّبت ملامحُ أليكسيون وهو يُحدّق في النافذةِ حيثُ يحلُ الظلامُ خارجًا.
صحيحٌ أنّ تدخّلَ العائلة الإمبراطورية قد تضاءلَ بشكلٍ ملحوظ، لكن الشتاءَ يحملُ من الأعمالِ ما لم يحمله غيره من فصول.
فكان على الدوق أن يُشرفَ على أمورٍ أكثر من أي وقت مضى، لاسيما ما يتعلق بتأمين احتياجاتِ أهالي الإقطاعية لمواجهةِ بردِ الشتاء القارس.
كان بإمكانه تفويضُ كلّ شيءٍ إلى طاقمِ الإدارة، لكنّه، بسبب شكوكِه المزمنةِ التي لازَمَته منذُ نعومة أظفاره، لم يستطع أبدًا أن يمنحَ الثقةَ الكاملةَ لأحد. لهذا السبب بالتحديد، ومنذُ أن ورثَ مقعدَ الدوقية في سنٍّ مبكرة، حرصَ على أن يبقى القرارُ النهائيُّ بيده هو شخصيًا، حتى بعد أن أعاد هيكلةَ نظامِ العمل.
‘على الأقل، لستُ مضطرًا لجولةٍ تفقديةٍ للإقطاعية في الوقت الحالي… هذا من حسن حظي.’
كان يعلمُ أنه في حالِ نشوبِ مشكلةٍ كبيرة، سيتعيّنُ عليه الذهابُ بنفسهِ لتفقدِ الإقطاعية وحلِّ الأمر.
وهذا يعني بالضرورة أن يبتعدَ عن آرِن، وعن آيريس أيضًا، لفترةٍ ليست بالقصيرة.
‘أتمنى ألا يأتي ذلك اليوم أبدًا.’
نهضَ أليكسيون من مكانه.
كان الوقتُ ما زال مبكرًا على موعدِ نومِ آرِن.
وبما أنه لم يمضِ وقتٌ طويلٌ على كونه ‘أبًا’، فقد خطر بباله أن يذهبَ ليلقيَ عليه تحيةَ المساء قبل أن يخلدَ إلى النوم.
ثم… إن آيريس قد عادت.
كان بالطبع على علمٍ بكلّ تحركاتها، فوضعُها يستدعي الحمايةَ المستمرة، خاصة مع وجودِ متغيّرٍ مثل كارفيان سول.
إذاً، فزيارته الليلة كانت بقصدين: التقرب أكثر من آرِن، والاطمئنان على سلامةِ آيريس.
بذلك برّرَ لنفسه وهو يُسرعُ الخطى نحوَ غرفةِ آيريس وآرِن.
“أه، أليكسيون؟ ما الأمر؟”
عندما فتح البابَ ودخل، استقبلتهُ آيريسُ بوجهٍ متوردٍ قليلاً، لكنه كان يحملُ علاماتِ ارتباكٍ واضحة.
أدرك أليكسيون ذلك ببديهته.
لقد كانت أكثرَ اضطرابًا من المعتاد.
لم تكن زياراته المفاجئة لهما أمرًا غريبًا، وكانت آيريس دائمًا ما ترحّبُ به بحفاوة.
لكن ماذا حدث اليوم؟
‘لماذا؟ هل وقع شيء؟’
دارتِ الأفكارُ في رأسه بسرعة.
من المستبعد أن يكون الزوجان روبين قد قالا لها ما يؤذيها.
كما أن مكانتهما في ازدياد، فلا توجد مشكلة خاصة قد تقلق آيريس على ما يبدو.
‘لقد أُبلغتُ أيضًا أن طريقَ ذهابها وإيابها كان آمنًا دون أي مشاكل.’
إذاً لهذا السبب كانت تنظرُ إلى معصمه بتلك النظرات؟ شعر بحرارةٍ تغزو أذنيه.
“… شكرًا لكِ، دائمًا.”
بعد تبادلِ التحيةِ الأخيرة مع آيريس، كان على وشكِ مغادرةِ الغرفة، عندما جذب آرِن، الذي كان ما يزالُ جالسًا ولم يذهب للنوم بعدُ يُحدقُ فيه، جذبَ طرفَ ثوبه بوجهٍ حزين.
“بابا… هل ستذهبُ بالفعل؟”
جثا أليكسيون على إحدى ركبتيه ليتساوى بنظره مع آرِن.
“نعم، لأن الليلَ قد تأخر. لكنني سأعودُ غدًا. أعدك.”
“أوم…”.
وفجأة، تجمّد أليكسيون في مكانه.
اقترب آرِن منه فجأة، وقفزَ إلى حضنه دون مقدمات. ثم همسَ في أذنه:
“بابا، هل يمكنني أن أطلبَ أمنيةً واحدة؟ أنت تستطيعُ فعلَ أي شيء.”
ابتسم أليكسيون باستخفاف.
مهما كانت أمنيةُ التنين الصغير، فلن تكون شيئًا عظيمًا.
بل إنه، بصفته تنينًا، كان يملكُ من القوةِ ما يمكنه من تحقيقِ حتى الأمنياتِ الكبيرة.
“همم. تفضل، قل لي ما هي.”
احتضنه آرِن بقوةٍ أكبر.
“شكرًا لك، بابا!”
كانت المفاجأةُ سارةً لأليكسيون، خاصة مع استعمالِ آرِن للغة الاحترامِ غير المعتادة.
ولكن، في تلك اللحظة، اخترقت أمنيةُ آرِن أذنيه، تلك الأمنيةُ التي لم يتوقعها أبدًا.
التعليقات لهذا الفصل " 95"