تَجمّد أليكسيون من هول ما سمع، فلم يكن في حسبانه هذا الكلام.
أهكذا يشعر المرء إذا انقلبت السماء والأرض فجأة؟
سواء أَدعاه “كونغ” أم “آرِن”، فإن هذا التّنين الصّغير كان بالنسبة له وجودًا لا توصف مكانته بالكلمات.
‘لكنه يقول إني لا أريد أن أكون أبًا؟!’
لا بد وأنها واقعة في سوء فهم كبير.
فوالدا التّنين هما من يختارهما التّنين بنفسه.
لو كان آرِن يريده فعلًا، لكان ناداه “بابا” من قبل، مثلما نادى آيريس.
“أليس رأيي بلا أهمية؟ إذاً، لماذا…”.
تنهد آرِن وقد احمرَّ أنفُه الصغير المُحَبَّب بالكامل.
“أنا… أتمنى لو كان أليكسيون بابا. ل-لكن…”.
“آرِن “.
فتح أليكسيون فاه بصعوبة.
“أنا… لم أرفض أبدًا أن أكون أباك بل أنت من لم تخترني”.
“كذِب”.
هزَّ آرِن رأسه بشدة.
“أعرفُ أنه كذب”.
عندما رآه ينفي ذلك بصوتها المبحوح الضعيف وهو ينتحب، شعر وكأن قطعة من حديد قد وضعت على صدره.
“لا أفهم مطلقًا ما تقوله. متى رفضتك أنا…”.
تفوّه بصوت حنق من شدة الضيق.
“بل أنت… أنت من لم ترغب بي أبًا لك ولو مرة واحدة…!”.
“رغبتُ بك”.
قال آرِن بعناد.
“وما زلت أرغب بك! لكن أليكسيون هو من… يرفض الآن”.
احترق صدره.
لم يستطع أليكسيون أن يفهم كيف وقع آرِن في هذا الوهم.
“هل كان تعبيري قاصرًا إلى هذا الحد؟”.
إن كان الأمر كذلك، فقد بدأ يستوعب قليلًا.
لطالما غمرت آيريس آرِن بحبها، فربما بدا تعبيره هو قاصرًا بالمقارنة معها.
لكن آرِن فاجأه بكلام لم يحسب له حسابًا.
“… أنت تعتقد، أليكسيون، أنك ستصبح أبًا سيئًا!”.
وهي حقيقة لم يستطع أليكسيون المجادلة فيها أبدًا.
“…”.
“أنا محق. أنت تعتقد أني محق أنت تعرف أني محق…”.
لأنها كانت الحقيقة.
تابع آرِن حديثه بصعوبة وهو يكتم دموعه.
أغمض أليكسيون عينيه.
كان آرِن يتألم بسببه.
كان يعلم أنه يجب أن يواسيه.
لكن رأسه أصبح فارغًا، فلم يعرف بأي كلمات يمكنه تهدئته.
“…… كان من أجلك”.
في النهاية، تفوّه بما في قلبه.
“آرِن… أنا لست مثل آيريس. لو أصبح لديك أب، فيجب أن يكون شخصًا مثل آيريس، لا شخصًا مثلي”
“لماذا؟!”
صاح آرِن بصوت قريب من الصراخ.
“لماذا…! أنا أريد أليكسيون. لا أريد أبًا آخر. إذاً لماذا…!”.
“لكن”.
قال أليكسيون ببطء.
“إذا كنت تريدني حقًا… وإذا كان هذا أنا، حتى مع عيوبي، يرضيك”.
تقابلت العينان الحمراوان.
تذكر أليكسيون أول مرة رأى فيها ذلك التّنين الصغير الوردي بتلك العيون الحمراء المستديرة.
رأى الكثير من الحيوانات الغريبة من قبل، لكن هذا التّنين كان مميزًا بشكل لا يُقارن مع أي كائن حي آخر
هل لأنه أظهر قدرة خاصة؟
لا.
هل لأنه كان كائنًا خطيرًا وجميلًا في آنٍ معًا يُدعى تنينًا؟
لا.
فقط، شعر “بذاك الشعور”.
شعر أنه سيبقى يحمي هذا المخلوق الصغير مدى الحياة…
“سأكون أباك”.
رمش آرِن ببطء.
بدا وكأنه لم يستوعب بعد ما سمعه للتو.
“هل يمكنني حقًا… مناداتك بابا…؟”.
“إن كنت ترغب في ذلك”.
حالما سمع تلك الكلمات.
تغيّر جسد آرِن فجأة.
أصبح حجم جذعه بقدر رجل بالغ، وأجنحته أكبر وأجمل بكثير من ذي قبل، واتخذ شكل التنين.
ورغم أنه كان لا يزال تنين صغير لا يقارن بالتنين البالغ، إلا أن هذا كان شكله الحقيقي الذي لم يره منذ زمن.
تفاجأ أليكسيون برؤيته على حقيقته بعد هذا الغياب، لكنه اقترب منه ببطء واحتضنه بشدة.
لم تكن قشوره التي شعر وكأنها مصنوعة من معدن باردة أبدًا.
بل كان وكأنه يحتضن لهيبًا دافئًا.
زاد أليكسيون من قوة احتضانه.
رغبة منه في نقل ما في قلبه بهذه الطريقة.
راجيًا أن يصدقه آرِن ويتقبله كما هو…
“أنا هنا “.
“بابا…!”.
كان صوت آرِن لا يزال طفوليًا رقيقًا.
كان يدفع رأسه بعشوائية في كتفه، فبالرغم من كبر حجمه، إلا أن تصرفاته كانت لا تزال تصرفات طفل في عمره البشري.
كم من الوقت مضى على هذا الحال؟
شعر بدفء صغير بجانبه.
أدار رأسه بخفة، فإذا بآيريس قد اقتربت منهما وأحاطتهما بذراعيها لتحتضن آرِن معه.
لحظتها، تقابلت عيناه مع عينيها.
شعر أليكسيون بالارتباك وأراد أن يدير وجهه، لكن آيريس كانت أسرع منه.
وقفت على أطراف أصابعها وهمست في أذنه:
“أحسنتَ”.
***
طق.
طق طق.
أدارت آيريس رأسها لا إراديًا على صوت شيء يصطدم بالنافذة مرارًا… ثم قفزت مذعورة.
كانت النافذة في الطابق الثاني بكل تأكيد، لكن باقة زهور ضخمة كانت تضرب الزجاج المغلق!
“أليكسيون!”.
جاء أليكسيون مسرعًا فورًا، وكان يلعب مع كونغ في غرفة الألعاب.
“ما الخطب…”.
وقبل أن يُنهي جملته، استسلمت النافذة للباقة وانفتحت على مصراعيها.
تدحرجت باقة الزهور إلى الداخل، وكان حجمها أكبر من آرِن حتى.
مليئة بالزهور الوردية والصفراء.
اقتربت آيريس من الباقة ببطء.
كانت تعرف جيدًا من أرسلها.
“قد تكون خطرة، دعيني أتفقدها أنا”.
أسرع أليكسيون ليلتقط الباقة قبلها، وفي تلك اللحظة سقطت بطاقة ذهبية على الأرض.
[اخترت هذه الزهور متذكرًا لون شعرك الجميل. – المُخلِص لكِ، كارفيان]
تجهم وجه آيريس على الفور.
‘لا أدري إن كان من حسن الحظ أم سوئه أن يكون الأمر كما توقعت.’
كانت أخباره قد انقطعت لبعض الوقت، ويبدو أنه غير استراتيجيته.
‘يحاول كسب ودي بطريقة عادية نوعًا ما… وإن كانت ما زلت بعيدة كل البعد عن الصواب.’
استدارت نحو ميريام التي كانت تنتظرها منذ وقت طويل.
“ميريام، أنا آسفة لإزعاجك، لكن هل يمكنك التخلص من هذا؟”.
تسلمت ميريام الباقة والبطاقة فورًا واختفت من الغرفة.
لم تتنفس آيريس الصعداء إلا بعد أن أُخرجت الزهور تمامًا من الحجرة.
“الحمد لله أنه على الأقل لم يعبث بالزهور نفسها. يكفي أن نرميها فقط”.
تردد أليكسيون قليلًا ثم سألها:
“ألا تحبين… الزهور؟”.
“أحبها”.
قطبت آيريس جبينها.
هل هناك سؤال أقل ملاءمة من هذا للموقف الحالي؟
لكنها قررت أن تشرح له بلطف.
“ومن من الناس لا يحب الزهور؟ لكن المهم ليس الزهور، بل الشخص الذي يقدمها”.
“… حقًا؟ لم أعرف هذا من قبل”.
نظرت إليه آيريس بدهشة طفيفة.
لأنه كان يبدو وكأنه يسمع معلومة جديدة تمامًا، رغم أنها قالت أمرًا بديهيًا للغاية.
“والأمر لا يقتصر على الزهور فحسب، بل ينطبق على أشياء أخرى أيضًا”.
“ماذا عن الشوكولاتة؟”.
“الشوكولاتة؟”.
سألته آيريس باستغراب بسيط.
“الشوكولاتة متاحة لي دائمًا، متى أردتُها… أهي شوكولاتة مميزة؟”.
“وإن كانت شوكولاتة عادية؟”.
“الأفضل عدم قبولها، على ما أعتقد. سأكون شاكرة بالطبع لو تلقيتُها… لكنني لست من عشاق الشوكولاتة كثيرًا أيضًا”.
كان أمرًا غريبًا.
انتشرت على وجه أليكسيون ابتسامة عريضة لا يمكن إخفاؤها بعد سماع كلامها.
“إذاً، لو قدم لك كارفيان سول الشوكولاتة؟”.
“لا تقل مثل هذا الكلام المخيف”.
ارتجفت آيريس.
“لكن لو فعل ذلك حقًا، فسيضايقني ذلك بشدة. أليس معناه أنه يقدم هدايا عشوائية دون أن يكلف نفسه حتى التفكير فيما قد يعجبني؟”.
“أجل، صحيح”.
أومأ أليكسيون برأسه.
كانت إيماءة أقوى بكثير من المعتاد.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 91"