اشتعلت عينا الإمبراطور غضبًا.
“أَتَدْرِي… بِمَ تَتَفَوَّهُ الآن؟!”
“والداي استودعاني إياكَ، يا جلالتك، وهما يلفظان أنفاسهما الأخيرة في سبيلك.”
على الرغم من أن العامة لم يعرفوا الحقيقة سوى أنها حادثة مأساوية، إلا أن دوق تيت وزوجته قد لقيَا حتفَهما في الواقع لحماية الإمبراطور.
كان الإمبراطور يومها طريح الفراش بسبب مرضٍ عضال، وكان رئيس برج السحرة حينها يزعم بثقة أنه قادر على شفاء هذا الداء.
وكانت المشكلة في الثمن.
أرواح شخص من نسل العائلة الإمبراطورية ورفيق دربه.
تطوّع دوق تيت وزوجته، المفعمين بالولاء والإخلاص للإمبراطورية وللإمبراطور، بتقديم نفسيهما قربانًا.
وكان شرطهما الوحيد هو مستقبل ابنهما.
فحتى إمبراطورٌ مثلَه، لا يكاد يعرف للضمير طريقًا، لم يسعه إلا أن يشعر بالذنب تجاههما كلما تذكرهما.
“ولهذا السبب قبلت الوصاية عليك! وبفضلي، نهضت عائلة تيت كما لم تنهض من قبل!”
“واستغللتني أنت، يا جلالتك، استغلالًا أوصلني إلى العظم.”
أجاب أليكسيون ببرود.
“إذاً؟ أتريد القول بأنك ستنقلب عليَّ، أليكسيون؟”
ردَّ أليكسيون بسؤال:
“كيف يصل رفضي إحضار التنين وأمِّه إلى القصر إلى حدِّ الخيانة؟”
أخذ الإمبراطور نفسًا عميقًا.
لقد تعدى أليكسيون كل الحدود.
“…لن أغض الطرف عن هذه المرة فقط، مراعاةً لوالديك ولكن ليس بعد الآن. أحضرهما إلى القصر غدًا”
ارتعشت زاوية فم أليكسيون.
“والتنين يرفض كيف تريدني أن آتي به؟ إفعل ما بدا لك، واقبض عليه بالقوة إن استطعت.”
شعر أليكسيون بإحساس غريب بالتحرر لم يعهده من قبل.
لم يسبق له أن تمرد علانية على الإمبراطور طوال هذه السنين.
‘لماذا فعلت ذلك؟’
أتكون تربية والديه، اللذين كانا يقدِّسان العائلة الإمبراطورية تقديسًا يقرب من العبادة، لا تزال راسخة في أعماق ذهنه؟
أم كان هناك سبب آخر؟
مهما يكن، المهم أن أليكسيون صار يملك من القوة ما يكفي لعصيان الإمبراطور.
لأن الإمبراطور كان بحاجة إليه.
عندها، فتح الإمبراطور، الذي ظل عاجزًا عن الكلام، فمه بصعوبة.
“…إذا كان هذا هو مصدر القلق، فقد أحسنتُ صنعًا باستدعاء كارفيان.”
تجمَّد الدم في عروقه.
معنى أن يكون قد استدعى كارفيان سول مُسبقًا هو…
“ألم أخبرك مسبقًا، يا جلالتك؟”
دخل كارفيان إلى قاعة الاستقبال بصحبة صوته الناعم المعهود.
“بأنه لن يحضر التنين ولا أمَّه أبدًا.”
أدار الإمبراطور رأسه ليحدق في أليكسيون.
“ألم أقل له أن يقبض عليه بالقوة؟ هذا ما ستفعله.”
شعر وكأن رأسه يضرب بالبياض.
مجرد التفكير في أن كارفيان قد يمد يده إلى آرِن أو آيريس كان كافيًا ليدفعه للجنون.
وأن ذلك سيكون بأمر من الإمبراطور.
حوَّل أليكسيون يده إلى قبضة سيفه محدقًا في كارفيان.
لكن.
كارفيان لم يرد فورًا.
بل على العكس، بدا على وجهه بعض الدهشة وهو ينظر إلى الإمبراطور فقط.
ثم…
“لم تأمرني، يا جلالتك، بإحضار التنين بالقوة. فقط طلبت مني أن أكون في الانتظار خوفًا من أن يقوم هذا الرجل بتصرف غير متوقع.”
ها.
ضحك أليكسيون بسخرية في داخله.
يبدو أن الإمبراطور قد خاف من أن يهاجمه هو.
‘أي كلام هذا.’
لم يكن أليكسيون غبيًا إلى درجة تطمح للجلوس على العرش.
حياته كدوق كانت كافية لإيلام رأسه، فما بالك لو أصبح إمبراطورًا؟ كم ستكون الحياة شاقة حينها؟
“على أي حال، لا أنوي المساس بالتنين.”
هز كارفيان كتفيه.
“لأن آيريس ستكرهني إن فعلت. ولا أريد أن أجعلها تكرهني أكثر.”
حدق فيه أليكسيون وقد خُنق.
أهذا… الذي يقوله الآن…
“كارفيان سول…”
تمتم الإمبراطور بوجه مرتبك.
“هل… تتودد إلى الابنة الثانية لروبين؟”
“فلنقل ذلك.”
ابتسم كارفيان.
“لذا أرجو أن تتغاضى عن أمري، يا جلالتك.”
“…قل لي أنك تمزح. أرجوك، كارفيان!”
أمال كارفيان رأسه باستغراب.
“أنا لا أمزح في مثل هذه الأمور.”
“على أي حال، ستنتهي الحال كما حدث مع النساء السابقات! ستطاردها حتى تكرهك، أو ربما يرتكب أحدهم جريمة بحقك!”
“هذه المرة مختلفة.”
تمتم كارفيان وكأنه يحلم.
“آري هي حقًا المرأة التي كنت انتظرها.”
“…سأفعل أي شيء لأظفر بها.”
قطَّب أليكسيون جبينه.
كانت الشائعات حول علاقات كارفيان الغرامية تصل حتى مسامعه، رغم انعزاله عن المجتمع الراقي.
كان كارفيان يقع في الحب بشدة كل ستة أشهر تقريبًا، ويطارد المرأة المعنية دون اكتراث برأيها.
لدرجة أن النساء اللواتي كن يملن إليه في البداية كرئيس وسيم لبرج السحرة، كن يهربن منه في النهاية بسبب إلحاحه المزعج.
وبالتأمل، كانت جميع النساء اللواتي طاردهن من ذوات الشعر الأشقر والعيون الزرقاء.
تمامًا، مثل آيريس.
أما الإمبراطور، فقد تجاوزت دهشته الحد لتصل إلى الدوار.
أمسك بجبينه وكأنه يستسلم، ونهض متمايلًا من مكانه.
“افعلوا ما تشاؤون. وأما أنت، أليكسيون…”
لم تظهر عليه ملامح الحدة والصرامة التي كانت قبل قليل.
بل كان مجرد رجل في منتصف العمر مرهق للغاية.
“إن ذكرت والديك مرة أخرى… فلتكن على استعداد للعواقب.”
اليوم، تمرد عليه كلا العمودين الأساسيين اللذين تقوم عليهما الإمبراطورية.
وبسبب ذلك، انهارت خطته المكتملة التي كانت تهدف إلى استخدام التنين للسيطرة عليهما أكثر.
خرج الإمبراطور متعثرًا من قاعة الاستقبال متكئًا على مساعده.
تذمر كارفيان.
“وعدني بأن يحقق لي ما أتمنى… فظننت أنه سيسلمني آيريس يا لقسوة جلالته.”
ظل أليكسيون صامتًا.
لم يستطع استيعاب ما يحدث فجأة.
‘…أيودُّ آيريس؟’
بالطبع كان يعلم أن كارفيان كان يراقب آيريس بمشاعر خاصة، لكنه لم يعتقد قط أن هذا من نوع ‘المغازلة’.
إذا تذكر أليكسيون أفعال كارفيان السابقة، فإن احتمالية كسبه لقلب إيريس كانت تكاد تكون معدومة.
فآيريس كانت تمقت كارفيان، وتحاول ألا تقترب منه حتى.
“هل كنت جادًا فيما قلته لجلالته قبل قليل؟”
“طبعًا.”
أومأ كارفيان برأسه بشدة.
“أشعر أن الحياة لا طعم لها إن تخليت عن آري ولهذا أتيت مسرعًا رغم انشغالي… يا لقسوة جلالته.”
نقر بلسانه باستياء خفيض.
“يوهمني بالترقب، ثم يأمرني باختطاف تلك السحلية ألا يجعل ذلك آيريس تكرهني أكثر؟”
كلما سمع أليكسيون، زاد استغرابه.
بعد كل ما فعله بنفسه، يأتي الآن ليتنصل وكأنه من نوع آخر.
“…آيريس تكرهك بالأساس.”
أصدر كارفيان صوت “أوه”.
“وما شأن الدوق بذلك؟”
“وكيف لا يكون لي شأن؟ آيريس هي أم آرِن، وأنا مسؤول عن حمايتها.”
“ومع ذلك، آري ليست أختك ولا ابنتك، أليست كذلك؟ أي شأن لك سواء تقدمت لخطبتها أم لا؟”
أجابه أليكسيون وهو لا يصدق ما يسمع.
“كلما اقتربت منها، كلما زادت معاناتها!”
“آه، لا داعي للقلق الآن. فلن أتقدم إليها بعشوائية كما في الماضي. لقد تعلمت من أخطائي.”
ارسمت ابتسامة كارفيان على شكل قوس.
“أتفهم يا دوق؟ أنا أقول لك إنه لن يأتي اليوم الذي أتخلى فيه عن آيريس أبدًا.”
“سمعت أنك قلت الكلام نفسه لنساء أخريات، كارفيان سول.”
اتسعت ابتسامة كارفيان أكثر.
وكأن أليكسيون قد قال أطرف نكتة في العالم.
“تلك النساء كن مجرد بديلات لآري، أيها الدوق.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 89"