كان صوتُه باردًا وقاطعًا كخنجرٍ نُحِتَ من الجليد.
“أبلغوا جلالته.
سيبقى التّنين وأمّ التّنين في داري.”
“سيدي الدوق.”
شحبَ وجه المرسول أكثر.
بدا الآن شاحبًا وكأنّ الدماءَ نزفتْ من جسده بالكامل.
“إنْ جاز لي التطوّلُ على مقامكم السامي…”
“أراك قد تطاولتَ بالفعل.”
“
أنا… آسف.”
“ماذا؟ إن لم أُرسِل هذين الاثنين، أيُهدِّدكم بإبادة عائلتكم؟”
تلعثمَ المرسولُ في كلامه.
“ل… لا، ليس ذاك، ولكنّ… لديْه طرقٌ عديدة لإحضارهما قسرًا.”
“…….”
“قال إنّه سيمنحكم ثلاثة أيامٍ للاستعداد، وإنّه لن يأذنَ بمقابلته خلال هذه الفترة… هذا ما قاله.”
كاد المرسول، الذي بلغ من التوتر حدًّا كاد معه قلبه ينفجر، أن يبكيَ عندما ردَّ أليكسيون أخيرًا.
“هل أنهيتَ ما عندك؟”
“… نعم.”
“اخرج.”
أدار الرسول ظهره فورًا وغادر القصر هاربًا كأنه يفرّ من الموت.
“…….”
بعد رحيله، ساد صمتٌ ثقيل أرجاءَ غرفة الاستقبال.
لم تستطع آيريس قول أي شيء، واكتفتْ بإلقاء نظرة خاطفة على أليكسيون.
كان يحدّق في الجدار بنظراتٍ جامدة.
أخيرًا، تفوّه بكلماته:
“… كنتُ أعلم أن هذا اليوم سيأتي. لكنني لم أرغب في التصديق فحسب.”
اتجهَتْ عيناه نحو آيريس.
“ولم أكن أعلم أنه سيأتي بهذه السرعة أيضًا، بصراحة.”
“أليكسيون…”
“ظننتُ أن الإمبراطورية لن تطالب به إلا عندما يقترب من سن الرشد. حينها فقط يصبح له فائدة.”
تموجَ في صوته غضبٌ قديم متراكم.
“لكن، لماذا آرِن بالتحديد الآن؟ إنه بالكاد يستطيع النطق ببضع كلمات فقط.”
تحدثت آيريس بحذر:
“قد لا يكون السبب هو آرِن.”
“… ماذا تعنين بذاك؟”
فكّرت آيريس لبرهة في كلام المبعوث الذي جاء قبل قليل.
‘كان جلالته يعلم مسبقًا أن أليكسيون سيعترض بشدة. لكنه يطلب شيئًا لا فائدة تُرجى منه عمليًا…’
ربما، لم يكن الهدف هو التّنين.
“أعني أن هدفه ربما يكون استفزازك.”
“…….”
ظل أليكسيون صامتًا لوهلة.
غطّى وجهه بيده وأطلق زفيرًا عميقًا.
“صحيح… هذا وارد أيضًا.”
سألته آيريس بحذر أكبر:
“ألا يكون… بسبب إيف؟”
“…يبدو ذلك صحيحًا.”
أزال أليكسيون يده عن وجهه.
استعاد هدوءه بصعوبة، لكن التجاعيد الباقية بين حاجبيه كانت دليلاً واضحًا على التوتر الهائل الذي يشعر به.
“… إنه خطأي. كان يجب أن أُظهر على الأقل أنني أبحث عنها.”
“أليكسيون…”
ابتلعت آيريس ريقها.
“أنا… لا بأس معي.”
“…….”
“بالطبع، أنا خائفة بعض الشيء. لكن آرِن بحاجة إليَّ، أليس كذلك؟ لذا لن تؤذيني العــائلة الإمبراطورية. المشكلة هي آرِن.”
أخذت آيريس نفسًا عميقًا.
من المؤكد أن آرِن لن يتكيف مع البيئة الجديدة.
لم يكن السبب هو اختلاف المكان بين قصر الدوق والقصر الإمبراطوري.
‘إنه بسبب أليكسيون.’
في القصر الإمبراطوري، لن يكون أليكسيون موجودًا.
هل يستطيع آرِن، الذي يريد بالفعل في أعماقه أن يجعل من أليكسيون أباه، أن يتحمل الحياة في القصر بدونه؟
في رأي آيريس، كان الجواب هو “لا”.
“آرِن سيعاني.”
مرة أخرى، حلّ الصمت.
كانت نفس آيريس تتلظى.
ثم فتح أليكسيون فمه ببطء:
“… لقد أعطاني ثلاثة أيام. لو كان هدفه الحقيقي هو إدخالكِ أنتِ وآرِن إلى القصر، لما منحني وقتًا للاستعداد. لأنه لا يريدني أن أستعد.”
“لا يمكن أن يكون…”
“أجل، لا يمكن.”
تفوّه أليكسيون بالكلام بحدّة:
“إنه يريد استدعاء إيف.”
***
عادت آيريس إلى غرفتها واضعةً يدها على صدرها، حيث كان قلبها لا ينبض فحسب، بل بدأ يُؤلمها من شدّة الخفقان.
‘قال أليكسيون إنه سيحل المشكلة بطريقة أو بأخرى… لكن هل هذا ممكن؟’
الخصم هو الإمبراطور.
مهما كان أليكسيون دوقًا، فليس من السهل معارضة سلطة الإمبراطور الجبارة.
“ماما!”
عندما فتحت الباب، كان آرِن ذو الوجه المُشرق يلوّح لها بيده.
“لقد لعبتُ كثيرًا مع إيف!”
“…أحقًا؟ هذا جيد.”
أجابت آيريس بصعوبة متجاهلةً الألم الذي اعتصر قلبها لحظة سماعها اسم “إيف”.
لكن آرِن سرعان ما استشعر انخفاض معنوياتها.
“ماما، هل حدث شيء؟”
“… لا.”
“يحدث.”
“…….”
“ماما، آرِن يمكنه مساعدتك الآن. آرِن أصبح تنينًا كبيرًا.”
“لا زال أمامك وقت طويل لتكبر يا آرِن.”
“ومع ذلـ…”
ابتسمت آيريس وضغطت برفق على جبين آرِن بإصبعها.
“أين إيف؟”
“إنها نائمة.”
“إذاً، علينا ألا نُزعجها.”
وسّع آرِن عينيه.
“ماما، هل الأمر يتعلق بإيف؟”
“كلا.”
هزّت إيريس رأسها، لكن يبدو أن آرِن لم يصدقها إطلاقًا.
“هل فعلت إيف شيئًا خاطئًا؟”
“لم تفعل أي خطأ على الإطلاق.”
“لكن، إيف هي…”
“اهدأ.”
وضعت آيريس إصبعها على شفتي آمين مباشرة.
“الأمر لا يتعلق بإيف إطلاقًا، لا تفكر هكذا. فهمت؟”
“همم…”
غاصت آيريس في أفكارها.
هل يجب أن تخبره أنه قد يضطرون للذهاب إلى القصر الإمبراطوري؟
ألا يجب أن تُهيئه نفسيًا لذلك؟
‘لكن لا، ليس الآن.’
ربما يستطيع أليكسيون حل هذه المشكلة بأعجوبة.
بطريقة لا تُضحّي فيها لا بإيف ولا بآرِن.
‘لن أقل له شيئًا… حتى تتأكد الأمور.’
ربّتت على رأس آرِن.
“على أي حال، أنا سعيدة لأنك استمتعت باللعب مع إيف. الأفضل أن نتناول الحلوى بعد أن تستيقظ إيف، أليس كذلك؟”
“نعم!”
تدلّل آرِن وتعلّق بآيريس.
ابتسمت إيريس واحتضنته.
كان ثقيلاً بشكل ملحوظ عمّا كان عليه قبل فترة، مما شكل بعض الجهد عليها، لكنها لم تُظهر ذلك أبدًا.
‘مهما كبر آرِن، سأظل أحتضنه.’
مهما قال أحد، فهي…
إنها ماما آرِن.
***
كارفيان سول.
هو أصغر رئيس لبرج السحر وأعظم عبقري في التاريخ.
كان يحدّق في البوابة الرئيسية للبرج المتهالكة المدمرة.
بعد أن ظل المدخل يتحطم باستمرار مهما أصلحوه، يئس الأعضاء من الترميم وتركوه مفتوحًا على مصراعيه.
“أين وضعتم سحركم أيها السادة؟”
لمّا سخّر بهم صراحةً، تردد السحرة وبدأوا يتذرّعون:
“هذا… نحن ننتظر لنجري ترميمًا شاملاً لاحقًا.”
“لا أفهم كيف تُفكرون وتتركونه مهملاً هكذا ليتمكن أي كان من الدخول.”
رفع يده.
من الأرض الخالية، بدأت أغصان وردٍ صفراء زاهية تتلوى وتتصاعد كالأزهار المتفتحة.
حرّك كارفيان أصابعه الطويلة الأنيقة، فتبعتها الأغصان بسرعة، لفتّ المدخل وتشكّلت على هيئة باب.
بدا راضيًا عن المشهد، واستدار ليغادر.
عندها، وصل مرسول الإمبراطورية مسرعًا على جواده وتوقف أمامه مباشرة.
لم يفاجأ كارفيان.
كان الإمبراطور رجلاً عنيدًا للغاية، وكان يتوقع مسبقًا أنه سيرسل في طلبه مجددًا.
“إن كان الأمر يتعلق بالبحث عن حفيدة الإمبراطور… إيفا أو إيفان…”
“ليس هذا الأمر!”
صرخ المرسول بسرعة.
“جلالته يقول… إنه سيساعدك على الظفر بما كنت ترغب فيه تمامًا، أيها السيد رئيس البرج.”
التقط المرسول أنفاسه وهو يلهث، لكنه أكمل كلامه حتى النهاية.
“لكن، في المقابل، على سيد البرج أن يتعاون قليلاً فقط.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 87"