مثل ذلك التّنين الصّغير الّذي لم يستطع أن يزفر نارًا ولو لمرّةٍ واحدة، بل ظلّ غاضبًا على نفسه فقط.
“… و سيفشل، لأنه غبي.”
لم تستطع أن تتركه على تلك الحال.
فمن الواضح أنّه سيفشل على أي حال.
لربّما كان الأفضل لو سلّمت نفسها الآن.
ستصبح تعيسةً وحيدةً وينتهي الأمر.
أمّا إذا فشلت، فسيصبح أولئك الثلاثة جميعًا تعساء.
“الغبي هو أنتِ، يا إيفانجيلين.”
تمتمت إيف بصمت.
“أنتِ تعرفين ما يجب فعله، أليس كذلك؟”
إنّها فقط لا تريد أن تفعله.
فقط لا تريد العودة إلى ذلك الجحيم.
“… لكن عليّ العودة. فهؤلاء الأشخاص الطيبون سيعانون جميعًا بسببي.”
رفعت إيف غطاءها ونهضت من مكانها.
ذلك الغطاء الّذي حرصت آيريس على تغطيتها به والتربيت عليها، أصبح مُربكًا في لحظة.
“أستطيع فعلها. أستطيع الذهاب.”
توجهت إيف بحذر نحو الباب.
كلّ ما عليها فعله هو الخروج هكذا.
كانت فكرة الاضطرار إلى المشي إلى القصر الإمبراطوري في الظلام خائفة، لكن كان لا بدّ من فعل ذلك.
من أجل آيريس، والدوق تيت، والتّنين الصّغير.
وكما فعلت عندما هربت من القصر الإمبراطوري، رفعت إيف قدميها على أطراف أصابعها، وأمسكت بمقبض الباب، وحاولت إدارته.
عندها، سمعت صوتًا يشبه الصّرير من خلفها.
“إلى أين تذهبين؟”
تجمّدت إيف للحظة، ثم شعرت بالارتياح.
“آه، إنه التنّين فقط.”
حتّى لو أخبرته الحقيقة، فلن يفهمها على الأرجح.
“أشعر بالملل، لذا سأخرج.”
كان ذلك خطأً.
فقد صرخ آرِن بصوتٍ مفعمٍ بالحماسة:
“أنا أيضًا! أنا أيضًا أريد الذهاب!”
قطّبت إيف حاجبيها.
“صه! سوف توقظ الجميع هكذا.”
“ماما؟ ماما نائمة. لن تستيقظ.”
“حسنًا، هذا جيد إذاً… لكنّك لا تستطيع الخروج على أي حال.”
“لماذا؟”
“لأنّي لا أريد اللعب معك. سألعب وحدي.”
على الفور، امتلأت عينا آرِن الحمراوان بالدموع.
“لا تحبّينني؟ هل أصبحتِ لا تحبّين آرِن هكذا فجأة؟”
“… لا.”
تنهّدت إيف.
أجل، ما ذنب هذا التّنين الصّغير؟
إنّه مجرّد حيوان مسكين تمّ استغلاله.
‘سألعب معه قليلًا ثم أعيده إلى غرفته.’
كان تفكيرًا بريئًا طفوليًا.
“لكن، إذا طلبت منك العودة إلى الغرفة، يجب أن تعود. مفهوم؟”
“أهمم!”
فتحت إيف الباب بكلّ قوّتها.
لحسن الحظ، فُتح الباب دون أيّ صوت يُذكر، وتمكّنا من الخروج.
“وااااه…!”
ركض آرِن في أرجاء الممرّ بوجهٍ مفعمٍ بالحماسة.
ابتسمت إيف بخفّة وتبعته.
“سيكون من الرائع لو كان لديّ أخ صغير مثله حقًا.”
قيل لها إنّ والدها مات قبل أن تولد، وأنّ والدتها ماتت وهي تلدها.
ربّما كانت حقًا كائنًا لا يجلب سوى التعاسة لمن حولها.
“يبدو أنّ عقلي أصابه شيءٌ ما لوهلة أنا طفلةٌ من المفترض أن أبقى في غرفتي فقط…”.
هكذا فقط يمكنها ألا تدفع الآخرين نحو التعاسة.
كانت إيف غارقةً في أفكارها لدرجة أنّها لم تلاحظ أنّ آرِن قد اقترب منها.
“حزينة؟”
“… لا.”
“إيف حزينة. لماذا أنتِ حزينة؟”
حدّقت إيف في آرِن وهي شاردَة الذهن.
كان سؤالاً لم تكن لتجيب عنه لو كانت في كامل وعيها.
لكنّها الآن، كانت خائفة ومضطربة.
“أريد أن أكون سعيدة…”
لدرجة أنّها باحت بالحقيقة.
بعد قليل.
عندما توقّفت دموعها، شعرت إيف بأنّها أصبحت غبية بعض الشيء.
“ما هذا الهراء الذي تحدثتُ به إلى تنين صغير لا يستطيع حتى التحدّث بوضوح.”
مسحت إيف آثار دموعها بجدّ بيدها الصغيرة، وتحدّثت بصوتٍ مرتفعٍ متعمّدًا.
“ليس مهمًا، لا تهتم.”
“… آرِن يفهم.”
“تفهم؟”
تفاجأت إيف.
“إيف قابلت آرِن. آرِن.”
“…؟”
“كنّا معًا.”
لا بدّ وأنّ آرِن واقع في سوء فهم كبير الآن.
“آرِن، حينها كان في البيضة. كان في البيضة.”
“…!”
اتّسعت عينا إيف.
فعلى الرغم من أنّها كانت صغيرة ولا تتذكّر جيّدًا، إلّا أنّها شعرت أنّها تفهم ما يقوله.
“أجل… كانت هناك بيضة تنين.”
كلاهما، بيضة التنّين وهي نفسها، كانا من أسرار البلاط الإمبراطوري.
لم يكن من المستغرب أن تتمّ إدارة السرّين في نفس المكان.
بفضل ذلك، استطاعت أن تلتقط بعض المعلومات عن التنانين، وأن تدرك هويّة آرِن فورًا.
لكنّها لم تفكّر أبدًا أنّه قد يكون نفس “تلك البيضة”.
لكنّ بيضة التنّين انتقلت إلى مكان آخر بعد حوالي ثلاثة أشهر فقط.
“إيف تعيسة. آرِن أيضًا تعيس.”
“… صحيح.”
أومأت إيف برأسها.
“أنا أيضًا، وأنتِ أيضًا، كنّا تعساء.”
لوّح آرِن بكلتا يديه الممتلئتين بشكلٍ كبير.
بدا على وجهه الضيق، وكأنّه يريد قول شيء لكنّه لا يستطيع العثور على التعبير المناسب.
“لكن… لكن.”
أخرج آرِن صدره الصغير بقوّةٍ وقال بكل ثقة:
“آرِن سعيد الآن.”
“جميل.”
ابتسمت إيف.
لم تكن ابتسامة ساخرة، بل كانت صادقة.
لأنّ أحدهم أصبح سعيدًا.
حتى لو لم تكن هي ذلك “الأحد”.
وحتى لو لم يكن باستطاعتها أن تصبح ذلك “الأحد” أبدًا.
“بفضل ماما.”
“ماما؟”
“أهمم!”
استطاعت إيف بسهولة أن تخمّن أنّ “ماما” هذه هي آيريس.
ابتسمت بسخرية وأضافت مبالغة:
“جميل أن لديكِ ماما وبابا جيدان.”
“… آرن، لا يوجد لديه بابا.”
تفاجأت إيف.
إذا لم يكونا يلعبان لعبة العائلة حيث تتخذ آيريس أمًا والدوق أبًا.
“ألا يريد الدوق أن يكون بابا آرِن؟”
“… أليكسيون.”
هل كان ذلك مجرّد وهم؟
كلّما اختار آرِن كلماته، بدا أن نطقه أصبح أوضح، وشعرت وكأنّ جسده يكبر شيئًا فشيئًا.
ابتلعت إيف ريقها بصعوبة.
‘ألن يتحوّل هكذا فجأة؟’
بالتأكيد، شكله الحقيقي سيكون تنينًا مرعبًا.
حتى لو كان صغيرًا الآن لكونه طفلاً.
أكمل آرِن كلامه ببطء:
“أليكسيون خائف من أن يصبح بابا آرِن.”
“لماذا؟”
سألت إيف في حيرة.
“لأنّي تنين.”
تراجعت إيف إلى الوراء.
لأنّ آرِن نهض وأصبح جسده بنفس حجمها تقريبًا.
“لقد كبر أيضًا.”
لم يعد يبدو طفلاً في الثالثة من عمره، بل أصبح يبدو في الخامسة مثل إيف.
“… لهذا ماما عظيمة ماما لم تكن خائفة مني ولم تكن خائفة من أن تصبح ماما لي أيضًا.”
“آرِن، أنت…”
حدّق فيها آرن.
“أنا، أعرف لماذا كنتِ ستهربين، إيف. كنتِ ستذهبين إلى هناك، أليس كذلك؟ إلى ذلك المنزل.”
“… نعم.”
“لا تذهبي.”
هزّت إيف رأسها.
“لا بدّ أن أذهب. إذا لم أذهب، أنتِ و(ماما) ستكونان تعساء بسببي.”
“لا.”
قال آرِن بحزم:
“ماما تستطيع حلّ مشكلة إيف.”
شعرت إيف بخيبة أمل.
ماذا يفيد أن يكبر جسده؟ في النهاية، ما زال طفلاً في تفكيره.
فتحت فمها للردّ عليه.
عندها، سمعوا صوتًا مذعورًا من الخلف:
“أنتما، ماذا تفعلان هنا؟”
كانت آيريس.
***
“… لهذا كان الأمر.”
تنهّدت آيريس.
بعد أن أعطت إيف وآرِن كوبًا من الكاكاو الساخن لكلٍّ منهما، استمعت إلى ما حدث، وفهمت كليهما.
وحتّى النمو المفاجئ لآرِن.
‘لم أكن أتوقّع أن يحدث بهذه الطريقة، أمام الآخرين.’
شعرت بغرابة بعض الشيء.
فبالرغم من أنّه كان ملتصقًا بها طوال الوقت، إلّا أنّه كبر أمام إيف التي التقى بها اليوم لأول مرة.
بالطبع، هما تقابلا قبل أن يفقس، كما يقول.
“على أي حال، فكرة الهرب كانت خاطئة جدًا كيف تريدين الذهاب في هذا الليل؟ ستموتين من البرد قبل أن تذهبي.”
“… لو لم أجد مخرجًا، كنت سأمسك بأيّ فرد من أفراد الحرس وأطلب منه أن يوصلني إلى القصر الإمبراطوري.”
“يجب أن تتحدثي بكلام معقول.”
هزّت آيريس رأسها.
لم يكن أيّ من أفراد الحرس ليأخذ طفلة صغيرة ترتدي البيجاما فقط إلى القصر الإمبراطوري.
بغضّ النظر عن مدى محاولتها التصرّف بوقار يفوق سنّها، وحتّى لو كانت أفعالها وكلماتها مهذّبة، إلّا أنّها كانت فقط في الخامسة من عمرها.
على الرغم من أنّها تدّعي أنّ عيد ميلادها السادس سيأتي قريبًا.
“أعرف ذلك لكن… إذا بقيت هنا، سيصبح الجميع تعساء!”
في النهاية، انفجرت إيف بالبكاء.
كان هذا أكثر منظر طفولي رأته آيريس عليها اليوم، فاضطرب قلبها.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 82"