على النقيض من إشراق وجه آيريس، بدت ريبيكا وكأنها سمعت ما لم يكن يفترض بها سماعه.
“منذ متى وأنتِ تنادين روب بـأخي بهذا الانتظام؟”
“منذ أن عرفت مشاعره الحقيقية، وأدركتُ أنه يجب عليّ احترامه لذلك.”
“…….”
تنهدت ريبيكا وهزّت رأسها، علامةً منها أنها لا ترغب في الحديث أكثر عن روبرت شيرين.
“حسنًا، ما الذي جاء بكِ اليوم؟ أتمنى ألا تكوني قد أزعجتني فقط لتطلبي مني تحقيق أمنية.”
دحرجت آيريس عينيها.
لقد نسَت للحظة، لكن هذه هي طبيعة العيش مع أختها الكبرى.
“كنت أفكر في اصطحاب آرِن لمشاهدة حَرْق القمر، ما رأيكِ؟”
حَرْق القمر.
طقس يُقام في اليوم الأخير من السنة، حيث يُشعلون نارًا ضخمة بحجم منزل، أملاً في زوال كل الحظ السيئ.
وبالنظر إلى نَفَس التّنين الذي اعتاد آرِن إطلاقه من حين لآخر، فقد ظنّت أنه سيعجبه بالتأكيد.
“……هممم.”
غاصت ريبيكا في التفكير.
“أظنها فكرة ليست سيئة. سيأتي شتى أنواع الناس، مما سيساعد آرِن على التأقلم مع الغرباء. لكن…!”
حدّقت ريبيكا في آيريس بتمعن.
“بما أنكِ تعرفين شخصية التّنين أكثر مني، دعيني أسألكِ: هل هناك احتمال أن يثير حَرْق القمر حساسية آرِن أو يستفزّه؟”
“حسنًا… آرِن لم يسبق أن سبّب أي مشكلة مع نار المطبخ أو الموقد، لذا أعتقد أنه بخير.”
صحيح أنه أحيانًا ما كان آرِن يحدّق في المدفأة كما لو كان مفتونًا بها.
لكن أليس هذا رد فعل يظهره أطفال البشر أحيانًا؟
“ومع ذلك، أنصحكِ بالذهاب برفقة سمو الدوق.”
“لا حاجة لتذكيري، فسيأتي معي حتمًا.”
هزّت آيريس كتفيها.
فأليكسيون كان دائم الاهتمام بأمنها حتى من قبل، لكنه منذ أن بدأ كارفيان بالظهور فجأة من هنا وهناك، أصبح حمايته مفرطة تقترب من الوصاية.
لكنها لم تكن تشكو بالطبع.
فالخروج مع أليكسيون كان دائمًا ممتعًا.
“إذاً لا مشكلة.”
أشارت ريبيكا بيدها نحو الباب، كأنها تطلب منها المغادرة الآن.
“تمتعي بوقتكِ.”
“وأنتِ؟”
“لن آتي.”
لم تكرر آيريس السؤال مرتين.
بدلًا من ذلك، خرجت مسرعةً تكاد تركض في الرواق، حتى قرعت باب مكتب أليكسيون.
“ادخل.”
بعد أن أُذن لها، ولجت آيريس إلى المكتب على الفور.
كان أليكسيون يدوّن شيئًا ما، لكنه ما إن رآها حتى أسرع بوضع الورقة في الدرج، وبدت على وجهه علامات الارتباك.
“ظننتك بنيامين.”
“هل أصابك خيبة أمل؟”
“…..لنقل إنها مفاجأة سارة.”
ضحكت آيريس بخفّة واقتربت منه.
“أراك مشغولًا، لذا سأختصر. أفكر في اصطحاب آرِن لمشاهدة حَرْق القمر هذا المساء، ما رأيك؟”
“……حَرْق القمر، أجل.”
“هل تكرهه؟”
سألت آيريس بتوتر خفيف.
فبعض الناس يكرهونه لاعتباره مجرد خرافة، وربما كان أليكسيون منهم.
“ليس الأمر متعلقًا بالكره أو الحب. إذا ذهبتِ، فيجب أن أذهب معكِ.”
“في الحقيقة، أنا لستُ من المعجبين به كثيرًا. ولا أكرهه طبعًا. لكني أظن أن آرِن سيحبه… فهو تنين، أليس كذلك؟”
همست آيريس وكأنها تفشي سرًا، فارتفع حاجبا أليكسيون متسائلًا عن سبب هذا الهمس.
فأخفضت صوتها أكثر:
“مؤخرًا، أظنه يعتقد حقًا أنه إنسان. لو أخبرته أنه تنين لَبكى… لذا أنا فقط أجامله.”
“…….”
لم يتوقع أليكسيون هذا الرد مطلقًا، فشعر بانقباض في قلبه.
حتى لو أنكر آرِن حقيقته الآن، فسيأتي يوم ويدرك فيها أنه ليس إنسانًا، بل تنين.
وأنه لن يستطيع أبدًا أن يكون إنسانًا مثل “ماما”.
وأن معظم الناس سيخافون منه، ومن لا يخافون، فإن القلة القليلة منهم ستسعى لاستغلاله أو السيطرة عليه.
“ليس من الجيد تركه يعيش في هذا الوهم.”
“….أعرف ذلك.”
انخفض صوت آيريس فجأة.
“لكنه لا يزال طفلاً.”
“لكن تعليمه في الصغر كالنقش على الحجر…!”
ابتسمت آيريس ابتسامة مريرة.
“أليكسيون، لو كنت مكانه، وكل من حولك كانوا تنانين، وأنت الوحيد الذي ليس كذلك، أتظن أنك كنت ستتقبل هذه الحقيقة وعمرك ثلاث سنوات فقط؟”
“……”
“تحدثتُ كثيرًا مع ريبيكا أيضًا وهي تتفق معي في أن نؤجل الحديث معه حتى يكبر قليلاً. وربما… ربما لا نحتاج لأن نخبره أصلًا.”
خفضت رأسها.
“ربما يدركها بنفسه في النهاية. الآن هو محاط بالكبار فقط، لكن عندما يختلط بأطفال في مثل سنه، سيشعر بالفرق بوضوح.”
“……”
صمت أليكسيون.
لم يستطع المجادلة أكثر، فقد شعر بصدق آيريس وهي تحاول جاهدة تفهم مشاعر آرِن.
“أترك الأمر بالكامل لكِ.”
أضاف مازحًا محاولًا تخفيف الأجواء:
“أنا بمثابة حارس شخصي فقط.”
برقت عينا آيريس بمكر.
“حارس وسيم جدًا لهذه الدرجة أظن أن مكانه الأصلي هو على خشبة المسرح…”
والمثير للدهشة أن رد أليكسيون جاء بطيئًا جدًا:
“….هل تظنينني وسيمًا؟”
فتحت آيريس فاها مندهشة.
بدا لها هذا أغرب نكتة سمعتها منه على الإطلاق.
‘ألا… ألا يعلم أنه وسيم؟’
“بالطبع… بالطبع أنت وسيم!”
لم تصدق.
حسب تجربتها، كان هناك رجال لا يملكون حتى نصف أو ربع جمال أليكسيون، ومع ذلك كانوا يتجولون متباهين بأنفسهم، واثقين تمامًا أنهم نسخة من كازانوفا* الأسطوري.
•|هو مغامر وكاتب ومؤلف ومكتبات إيطالي من البندقية، اشتهر بكونه أحد أشهر العشاق في التاريخ وتوثيق علاقاته الغرامية في سيرته الذاتية الضخمة “قصة حياتي” كان كازانوفا مثقفًا عمل في القانون، الجندية، الدبلوماسية، والكيمياء، ومات فقيراً في بوهيميا.
أما أليكسيون، الذي يبدو كـملاك نزل من السماء، فيقول هذا الكلام!
‘هل هو يخجل فقط؟’
لكن من المنطقي أن شخصًا مثله قد سمع عبارات الثناء هذه مرات لا تحصى، فكيف يخجل من كلمة واحدة قالته هي؟
لكن من ناحية أخرى، كان أليكسيون يفكر فيما لا يمكن لآيريس تخيله:
‘هل هي… تراني وسيمًا؟’
تذكّر أنه سمع ذلك بضع مرات عندما كان صغيرًا.
لكن ملامحه شحبت وأنهكها الكابوس بمرور الوقت، وحتى بعد أن كبر، لم يرَ تغيرًا يذكر في مظهره.
‘يبدو أن مظهري ليس بذلك السوء الذي تصورته على الأقل.’
لم يخطر ببال أليكسيون أبدًا أن آيريس تتملقه أو تكذب.
فلم تكن بحاجة للتودد إليه.
من الواضح أن ذوقها يختلف كثيرًا عن ذوق الناس العاديين.
“هل… هل لا تصدقني؟”
رمش أليكسيون بعينيه عدة مرات.
كانت آيريس تحدق فيه بوجهٍ قلق.
“إن كنت حقًا لا تدري، فدعني أخبرك بوضوح: أنت وسيم حقًا يا أليكسيون عندما رأيتك أول مرة، ظننتك ملاكًا نزل من السماء.”
“……هذا هراء.”
“بل حقيقة! أنت تشبه تمثال في المعبد تمامًا!”
قطب أليكسيون جبينه.
كان لديه عينان أيضًا.
لم يتأمل التمثال في المعبد كثيرًا، لكنه متأكد أنه يختلف عنه في الشكل.
فلا أحد سينصب تمثالًا قبيحًا فالمعبد.
“أظنك حقًا لا تصدقني.”
انحنت آيريس بالكامل فوق مكتبه وأمسكت بقلم وورقة.
‘……؟’
تتبعها أليكسيون باستغراب، غير راغب في منعها.
بدأت آيريس ترسم خطوطًا سريعة على الورقة. وبسرعة وبراعة متناهية، رسمت وجه رجل وسيم.
رجل ذو أنف مرتفع وحاد وملامح جريئة.
“انظر. هذا هو التمثال في المعبد.”
انتقلت آيريس إلى ورقة أخرى، وراحت ترسم رسمة أكثر دقة.
وبينما ترسم، كانت ترفع بصرها بين الحين والآخر لتحدق في أليكسيون، مما جعله يشعر بالخجل فيلتفت بعيدًا.
شعر بشيء من الأسف.
لأن منظر آيريس وهي غارقة تمامًا في الرسم كان جميلًا.
“إذا داومت على إدارة وجهك، سأضطر لرسمك من الجانب. انظر إلي.”
“……”
حدّق أليكسيون في الرسمتين.
‘……؟’
لم يجد غضاضة في رسمة التمثال.
المشكلة كانت في الرسمة الأخرى، رسمته هو.
كانت الرسمة تصوره وهو يميل برأسه قليلاً، مرسومًا بدقة أنفه ووجنتيه وذقنه، وكأنها…
التعليقات لهذا الفصل " 76"