***
مرَّت الأيامُ سريعةً، وإذ بنا نجد أنفسنا في آخر يومٍ من السنة.
أما آرِن، فقد ازداد حديثه خلال الفترة الماضية، وأصبحَ سريعًا في جريهِ لدرجة أن معظم الكبار لا يستطيعون الإمساك به.
كان جسده لا يزال كجسد طفلٍ في الثالثة من عمره، لكنه كالإسفنجة، يمتصُّ كل ما يتعلمه بسرعة، حتى أنه بات يُجيد العمليات الحسابية الأساسية ببراعة.
أخبرته ريبيكا أنه بعد بضعة أشهر، سيصبح بمستوى يستطيع فيه اللعب مع أطفالٍ في مثل سنه.
في الحقيقة، كان بإمكانه فعل ذلك الآن أيضًا، لكن من الأفضل أن يتعلم كيفية التحكم بقوته أولاً قبل أن يختلط بالآخرين.
لكن هذا أمرٌ سيُفكرون فيه بعد بضعة أشهر.
أما الآن، فالأهم كان…
“ماما، ما هذه؟”
كانت تناديها بصوتها المميز، ذلك الصوت الحاد الذي يعلو عندما تندهش أو تتحمس.
بدت شجرة الكريسماس الخضراء الموضوعة عند كل بابٍ مثيرةً لفضولها.
“إنها شجرة الأمنيات.”
“شَجَرةُ الأُمْنِيات…؟”
“شجرة الأمنيات.”
أصبح نطق آرِن جيدًا الآن، لكن الكلمات الجديدة لا تزال تحتاج بعض الوقت حتى يعتاد عليها.
“شجرة… الأمنيات. ما هي؟”
“هل تعرف ما هي الأمنية؟ هو أكثر شيء تتمناه آرن.”
“ماما!”
“أنت تملكها بالفعل.”
قالت آيريس بلطف:
“قد يكون شيئًا لا تملكه الآن، ولكنك ستحصل عليه في المستقبل أو ربما شيئًا تملكه الآن وتتمنى استمراره في المستقبل أيضًا.”
“ماما. كنتُ أتمنى ماما بالأمس، وأتمنى ماما اليوم، وسأتمنى ماما غدًا.”
كتمت آيريس في داخلها الرغبة الملحة في احتضان آرِن بشدة.
“لكن المهم، أننا نحتاج إلى أمنيتين. واحدة منهما هي ما يطلبه آرن، مثلما قلت للتو. والأخرى، هي ما يتمناه الشخص للآخرين.”
يُقال إن شجرة الأمنيات لا تحقق أمنية الشخص الأناني الذي يفكر في نفسه فقط.
لابد من أمنية للآخرين.
وأمنية للنفس.
بهاتين الأمنيتين تتحقق الأماني.
كانت الأمنية للآخرين سهلة.
‘أتمنى أن يكبر آرن بخير، دون أي قلق.’
لكن الأمنية لنفسها…
وبالصدفة، تزامن سؤال آرِن مع لحظة تفكير آيريس تمامًا.
“وماذا عن ماما؟ ماذا تتمنى ماما؟”
‘ماذا عساي أتمنى؟’
كانت آيريس سعيدة الآن.
لقد حصلت على كل ما تريده.
المال، العائلة، المنزل، كونغ، صداقتها مع أليكسيون…
‘أأطلب أن أحافظ على كل هذه النعم؟’
لكن إن طلبت ذلك، لكانت أمنية كبيرة جدًا.
الأمنية التي تُكتب على ورق جميل وتُعلق على الشجرة لابد أن تكون بسيطة.
“أمنية ماما!”
ابتسمت آيريس برقة لآرِن الذي كان يضغط عليها باستمرار ليعرف أمنيتها.
“أمنية الشخص للآخرين، لا تُعرف بسؤالهم. بل هي أن تفكر أولاً. ماذا يتمنى؟ ما هو الشيء الجميل الذي يمكن أن يتمناه؟”
“ألا يمكنني أن أسأل؟”
“لا.”
أومأت آيريس برأسها.
“هذا هو الأهم.”
“… فهمتُ.”
ظلوا طوال الصباح يكتبون أمنياتهم ليعلّقوها على الشجرة.
بطبيعة الحال، آرِن لا يجيد الكتابة بعد، لذا كتبت إيريس الأمنية أولاً، ثم أعاد آرِن كتابتها فوق ما كتبته أمه.
لكن ما فعله آرِن كان أقرب إلى الرسم منه إلى الكتابة.
الأمنية التي كتبتها آرِن لنفسه كانت: ‘العام القادم لا آكل الجزر’.
أما الأمنية التي كتبها لأجل آيريس فكانت:
‘ابتسامة ماما.’
…هكذا.
أصر آرِن على أن تكون هذه الأمنية بالتحديد، أكثر من أي أمنية أخرى.
“لا بأس إن لم تكن لي أمنية أمنية ماما هي الأفضل.”
“… لنكتبهما معًا.”
كتبت آيريس لآرن ما يريد كتابته.
وما تبقى الآن هو أمنيتها هي…
‘أمنية لنفسي.’
أغمضت عينيها وفكرت للحظات.
‘هل أكتب… أرجو ألا أقابل كارفيان مرة أخرى؟’
لكن بالمعنى الدقيق، لا يمكن اعتبار هذه أمنية لنفسها فقط.
وفوق ذلك، هناك بعض الروابط التي لا تستطيع حتى شجرة الأمنيات التغلب عليها.
لسبب ما، كانت تشعر بأنها مرتبطة بكارفيان برابط سيء.
فركت جبينها.
في الحقيقة، هناك شيء آخر تتمناه حقًا.
شيء سخيف للغاية لدرجة أنها لم تجرؤ حتى على التمني.
لكنها شجرة أمنيات… ألا يمكنها أن تتمنى ولو لمرة واحدة؟
كتبت ببطء أمنيتها لنفسها، ثم لفّتها بإحكام وطوتها.
لدرجة أنها تمنت ألا يجرؤ أحد على رؤيتها.
***
وفي مكان غير بعيد عنهم، كان يدور حوارٌ مماثل.
“آه، هل كتبت أمنيتك؟ لقد رأيت الشجرة خالية من أي شيء.”
رد أليكسيون على كلام بنجامين بسخرية:
“في أي سن تظنني؟ في السابعة؟”
“أنا أيضًا أكتب أمنيتي، فلمَ لا تفعلها أنت أيها السيد؟”
“…”
صمت أليكسيون. ل
قد مضى وقت طويل منذ أن كتب أمنية ليعلقها على الشجرة.
منذ أن بدأ يرى الكوابيس، ظلّت أمنيته واحدة.
لنفسه: أرجو ألا أرى تلك الكوابيس.
للآخرين: أرجو أن أنقذ تلك الفتاة الصغيرة في كابوسي.
…وبالطبع، لم يحدث شيء.
استمر في رؤية الكوابيس، ولم تُنقذ الفتاة.
فلماذا إذاً يكتب أمنية؟
أمسك بنيامين الذي كان على وشك الخروج.
“…بنيامين، أنت لم تسألني طوال الفترة الماضية لماذا لا أكتب أمنية. لماذا تسألني الآن؟”
توقفت نظرة بنيامين، المليئة بالشفقة، عليه للحظة.
“بدا لي أن لديك شيئًا تتمناه هذه السنة، سيدي لنفسك، وللآخرين أيضًا.”
غادر بنيامين، لكن أليكسيون ظل يفكر فيما قاله لبعض الوقت.
أما الأمنية للآخرين… ‘لا بد أنه آرِن.’
تمنى من أعماق قلبه أن تكون بقية حياة آرن مليئة بالسلام والسعادة.
التنانين تعيش أطول بكثير من البشر.
هو ولا آيريس لن يستطيعا حماية آرن مدى الحياة.
لكن أليكسيون سرعان ما تذكر أنه عليه أن يتمنى ‘أمنية للسنة القادمة’ فقط.
ولما كان من المسلّم به أن آرن سيكون سعيد وبصحة جيدة في العام القادم، انتقل تفكيره إلى شخص آخر.
‘آيريس.’
بدا أنه لا بأس في أن يتمنى أمنية لأجل آيريس.
أما الأمنية لنفسه، فكانت…
‘…’
أن لا تغادر إيريس هذا المكان.
على الأقل في العام القادم فقط.
ابتسم أليكسيون بسخرية.
‘هل عليّ أن أتمنى ألا يظهر والد آرن؟’
سواء كان ذلك مؤسفًا أو محظوظًا، فإن ‘عملية البحث عن والد التنين الصغير’ قد توقفت تمامًا بفضل كارفيان.
ويعود الفضل في ذلك جزئيًا إلى ريبيكا روبين أيضًا.
فلولا إصرارها على ضرورة فصل آرِن عن آيريس لتنشئته اجتماعيًا، لكانت آيريس لا تزال تأخذ آرن معها أينما ذهبت.
‘… هذا على أي حال. أما بخصوص آيريس.’
فكر أليكسيون مليًا، لكنه لم يجد شيئًا مناسبًا.
آيريس عادة لا تبدو عليها أي طموحات.
حتى أنها ترفض قبول الجواهر إذا قدمها لها، فهذا يدل على كل شيء.
“….”
رغم تفكيره الجاد، لم يجنِ سوى الصداع.
ومرت عشرات الدقائق على تفكيره، فشعر بأنه أحمق كبير.
لماذا عليه أن يخمن ما تفكر فيه آيريس ويتمنى أمنية بناءً على ذلك، في خرافة مثل شجرة الأمنيات؟
على أي حال، مهما كانت الأمنية التي تريدها، فهو قادر على تحقيقها.
من المؤكد أن آيريس كتبت أمنيتها من أجل إسعاد آرِن، فيمكنه أن يقرأها لاحقًا ويحققها لها.
تمامًا كما يحاول الآباء قراءة أمنيات أطفالهم المعلقة على الشجرة والسعي لتحقيقها.
…رغم أن والديه فشلا في ذلك.
***
طرقت آيريس باب ريبيكا.
رأت مظروفين معلقين على شجرة الأمنيات، مما يعني أنها كتبتهما بالفعل.
لسبب ما، شعرت أنها تعرف ما هما.
بعد لحظة، فتحت ريبيكا الباب وأطلت برأسها.
“مرحبًا، آيريس.”
“مرحبًا، أختي. أتمنى أن تتحقق كل أمنياتك!”
بمجرد أن رحبت بها إيريس بحماس، تجهم وجه ريبيكا.
“إنها مجرد خرافة سخيفة.”
“أوه، انظري. لكنكِ كتبتيهما مع ذلك؟”
“…بسبب أحمق ما طلب مني ذلك.”
“أخي روب؟ إذاً ما زلتما على تواصل!”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 75"