***
في الحقيقة، لم تُحدث صوبة الكونتيسة كيتو أيّ انطباع في نفس آيريس.
فدون الحاجة حتى لذكر قصر الدوق تيت، كانت حدائق بيت روبين أيام طفولتها أكثرَ جمالاً من هذا.
أثنت عليها مرارًا بحسب ما يقتضيه الذوق العام، وما إن غادرت الصوبة حتى فتحت فمها لتقول إنه عليها الذهاب الآن.
لكن في تلك اللحظة.
وصلت الكونتيسة كيتو إلى الصوبة في الوقت المناسب، وصاحت بصوتٍ عالٍ:
“لا بد أنكنّ متعبات جميعًا! لقد جددت مؤخرًا غرفة الاستراحة لكي تتمكنّ من الاستلقاء والراحة أودّ معرفة رأيكنّ، فهل تأتين معي؟”
أخذتهنّ إلى غرفة استراحة مريحة، بحجة أنهنّ متعبات ويحتجن للراحة، وهناك قدّمت لهنّ الشاي، فلم يستطعنَ رفضه.
لو أن أيًّا من الحاضرات نهضت، لكان بإمكان آيريس المغادرة معها، لكن الجميع بدوا غير راغبين في الرحيل.
لكن آيريس كانت تعرف كيف تضع حدًا للمجاملة في الوقت المناسب.
“لا يمكنني أن أُبقِي التِنِّينَ في الانتظار طويلاً، عليَّ الذهاب الآن.”
صَنَعَتِ الكونتيسة كيتو وجهًا عابسًا وقالت:
“آه يا آنسة آيريس، يا لَلأسف! لقد ظننتُ أنكِ ستبقين معنا لتناول العشاء أيضًا.”
أجابت آيريس بكل وقاحة:
“آرِن لا يأكل إذا لم أكن معه، لهذا السبب، أنا آسفة حقًا أيضًا…خاصةً وأنكم كنتم لطفاء معي لهذا الحد.”
ردَّتِ الكونتيسة:
“إذا كان الأمر كذلك، فلا حول لنا ولا قوة!”
ثم التفتت نحو الحاضرات وقالت:
“أظن أن لا أحد منكنّ ستضيق صدرًا، أليس كذلك؟”
أومأت جميعهنّ برؤوسهنّ موافقات.
شعرت آيريس بشيء غريب ومُربك في طريقة تصرفهنّ، لكنها لم تقل شيئًا.
ففي النهاية، هنّ لسنَ من الأشخاص الذين ستلتقي بهم مجددًا على الأرجح.
‘يبدو أنهنّ لم يكنّ مهتمات حقًا بوالديّ.’
كان بإمكانها، لو أنهنّ أظهرنَ رغبة في التواصل مع والديها بأي شكل، أن تسألهما عن رأيها وتُيسِّر هذا التواصل.
لكن من المدهش أن اهتمامهنّ كان منصبًا عليها هي فقط.
‘لا تجمعهنّ بي فئة عمرية متقاربة حتى… فلماذا؟’
على أي حال، لم تكن آيريس بحاجة إلى صديقات في الأوساط الاجتماعية الآن.
لهذا، مهما كان سبب هذا الود الذي يظهرنهَ تجاهها، لم تشعر بضرورة بذل جهد لاستمرار هذه العلاقات.
فقد كان لديها ما يكفيها من انشغال برعاية آرِن.
وبينما كان الخادم يرافقها نحو البوابة الرئيسية،
صادفت شخصًا ضخمًا كان يدخل عابرًا من خلالها.
كان رجلاً ذا هيئة مألوفة جدًا.
توقف قلبها للحظة.
“آي… ريس؟”
نظر إليها كارفيان بوجهٍ مُتفاجئ.
كافحت آيريس لكي تتمالك تعابير وجهها.
هنا، الآن، تقابل كارفيان؟
‘يا للهول! يا لَلحظ الجميل أنني لم أحضر آرِن معي.’
في الحقيقة، فكرت في اصطحابه في البداية.
فقد شرحت لها ريبيكا بحماس أن اختلاطه بأشخاص جدد سيفيد مهاراته الاجتماعية.
لكنها لم تأتِ به لأنها لم تكن متأكدة إن كان جميع الحضور يمكن الوثوق بهم.
وقد اتضح الآن أنه كان قرارًا صائبًا جدًا.
‘ربما كان هذا هو المخطط من البداية، أن ألتقي بكارفيان هنا.’
لم يكن من قبيل المصادفة أبدًا أن تلتقي به الآن.
لا أدري كيف أصبحت الكونتيسة “كيتو” بيدقًا في لعبة كارفيان سول، لكن الشيء المؤكد هو:
لا يوجد أي سبب يدعوها لتبادل الحديث معه.
“آيريس!”
أمسك كارفيان بمعصمها وهي تحاول تجاوزه والمضي في طريقها.
حاولت آيريس التملص منه بحركة التفاف سريعة، لكن قبضته على معصمها كانت تزداد قوة.
سألها بصوتٍ متحير، بل وحتى باكٍ، يكاد يلين له قلب أي إنسان عادي:
“آيريس… لماذا تفعلين هذا بي؟”
لكن آيريس مرت بتجارب كثيرة جعلتها لا تنخدع بدموعه أو بنبرة صوته.
بشكل أدق، ما مر به آرِن هو ما جعلها كذلك.
حذرته:
“لا تخاطبني.”
“أظنكِ تخطئين فهمي، لم أكن أعلم أنكِ هنا…”
قاطعته:
“لم تكن تعلم، لكنك تفضلتَ بالخروج من برج السحرة شخصيًّا لتزور قصرًا تابعًا لكونت؟”
“…”
“لو كان لديك أمر تريده، لما احتجت حتى لدخولك من البوابة لكنت دخلت إلى حيث تريد، حققت هدفك وخرجت.”
عندما أدرك أن أكاذيبه لا تنطلي عليها، تصلبت ملامح كارفيان .
“أجل، جئت لأنني سمعت أن آيريس هنا وما الخطأ في ذلك؟”
“…”
لبرهة، عجزت آيريس عن الرد من صراحته المفرطة.
إلى متى سيستمر كارفيان في طلب ما لا تستطيع هي منحه إياه؟
‘لم أعد أرغب حتى في… تذكُّر الماضي.’
حتى لو كان كارفيان هو الفتى الذي أنقذها يومًا،
بل، لهذا السبب بالتحديد لا تريد أن تتذكر الماضي أكثر.
لأنها تشعر أن ذكرياتها الجميلة ستتلوث بصورته الحالية.
ناشدها كارفيان :
“آيريس… لا تفكري بي بهذه الطريقة.”
قهقهت آيريس بسخرية:
“بهذه الطريقة؟… لا أدري حقًا، سيدي رئيس البرج، كيف تفكر أنت بي أنا؟ كل هذا صار من الماضي، وأنا لا أكاد أذكر شيئًا مما حدث حينها.”
“آيريس…”
شعورها بأن صوته قد جُرح بشدة، جعلها تشعر بتحسن.
فآيريس كانت تريد أن يجرح هو بالأساس.
لعل ذلك يجعله يتركها.
لعل ذلك يُحدث شرخًا في وهمه الثقيل تجاهها.
‘كارفيان لا يرى أنا الحقيقية إنه فقط أسيرٌ وهمه عني في الماضي.’
وجهت له الضربة القاضية:
“قد تكون تلك ذكرى عزيزة على قلب سيدي رئيس البرج، لكنها بالنسبة لي أيام مريعة، أريد نسيانها ولا أرغب في تذكرها أبدًا. لهذا ربما نسيتها عن عمد.”
“لا تقولي هكذا…”
أطلق كارفيان معصمها وهو يتألم.
فركت آيريس معصمها الموجع وصرفت بصرها عنه.
في الحقيقة، أول ما فكرت به كان تحذيره من الاقتراب من آرِن، لكن…
‘لن أذكر آرِن.’
من الواضح أن كارفيان يستخدم آرِن كأداة للتقرب منها، بدليل أن الإمبراطور نفسه ذكر اسمه.
وفي هذا الموقف، ذكر آرِن لن يكون إلا بمثابة إلقاء الطعم له.
سألته بصوت مرهق:
“ألا تفهم حقًا؟… كل هذه الأشياء التي تفعلها يا سيدي رئيس البرج… إنها فقط تُثقِل عليّ.”
“آيريس.”
“تفعل كل هذا فقط بسبب ذكريات الماضي… بينما أنت لا تعرف شيئًا عما أنا عليه الآن، ولا عما أريده، ولا كيف أفكر.”
هز كارفيان رأسه بيأس ونفى:
“ليس صحيحًا، آيريس.”
تحرك ليحاذي وجهها، فلم تحاول آيريس تجنب نظره هذه المرة.
فقد عرفت من تجارب سابقة أنه سيدخل مجال رؤيتها مجددًا على أي حال.
“حين رأيتُ آيريس الآن، كاد أنفي أن ينزف لأنكِ جميلة جدًا.”
“…؟”
رمشت آيريس بعينيها دهشة.
ما هذا الذي… يقوله الآن؟!
“آيريس في الأيام العادية، جميلة، وظريفة… وتشبه القطة التي تهرب إذا اقتربت منها.”
كان الأمر يزداد غرابة.
ها هو يشبهها بحيوان!
والأغرب أن آيريس لم يسبق لها أن سمعت أحدًا يشبهها بقطة في حياتها.
…في الحقيقة، لم يسبق أن شُبِّهت بأي حيوان من قبل.
“لكن اليوم، ظننتُ للحظة أن ملاكاً نزل إلى الأرض بشرًا. كل شيء يليق بآيريس، لكنها تزداد إشراقًا كلما كانت مع الأشياء اللامعة.”
انحنى كارفيان قليلاً وهمس لها بصوت خفيض:
“وأنا، أستطيع أن أجعلكِ أكثر إشراقًا، يا آيريس.”
عندها فقط،
وصلهم صوتٌ من الخلف، منخفضٌ وكأنه يكتم مشاعر جياشة بصعوبة:
“أحلامك كبيرة.”
تفاجأت آيريس وصرخت:
“أليكسيون؟!”
لم يرد عليها أليكسيون مباشرة، بل خطا بضع خطوات سريعة ليقف إلى جوارها.
ارتفعت زاوية شفتيه بسخرية قائلاً:
“آيريس اليوم، من رأسها حتى أخمص قدميها، لمستها يداي أنا… وأنت، الذي لا تعرف حتى حقيقة آيريس جيدًا، ماذا تظن نفسك فاعلاً؟”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 73"