“يُقالُ لي إن إعطاءَ الدواءِ لمريضٍ ليسَ بِهديةٍ. إذاً، فكلُّ ما صنعتِه من أجلِ كوابيسي أليسَ هديةً، بل ثمناً؟”
تفوَّهَ أليكسيون بهذا الكلامِ بسخريةٍ باردة.
“يمكنكَ فقط أنْ تقولَ إنك لا تريدُ أنْ تأخذَ منّي.”
على الرغم من أنه بدا غاضبًا منها في الظاهر، إلا أن آيريس قد قضت وقتًا كافيًا مع أليكسيون لدرجة أنها لم تنخدع بمظهره.
‘لقد جرحتُ شعورَه. لأنني رفضتُ.’
ومع ذلك، لم يخطر ببالها أبدًا أنَّ عليها القبولُ.
الفستان، والتيارا، والمجوهرات…
ما التالي؟
كان منزل روبين هي الثمنُ مقابل كونها أماً لكونغ. وكان التيارا بمثابةِ اعتذارٍ عن تعريضِها لموقفٍ خطير.
لكنّ الفستانَ الذي طلبه خصيصًا من أجلها اليوم، والمجوهراتَ التي سيشتريها حديثًا…
‘لا معنى لأيّ من هذا.’
رفعت آيريس رأسها ونظرت إليه مباشرة.
“أنت تعلم. حتى لو كان سيقدمه لي شخصٌ آخر، لكنتُ رفضتُه بنفس القدر. بل، كنتُ سأرفضُ الفستانَ بدايةً. نحنُ بعلاقةٍ أفضل من علاقتي بأي شخصٍ آخر… “
قهقه أليكسيون باستخفاف.
“أجل، هذا ليس سيئًا.”
وبغرابة، بدا أنَّ هذه الكلمةَ وحدَها قد خفَّفتْ عنه.
“أعني، نحنُ بعلاقةٍ أَقبلُ فيها الفستانَ منك، ولكن ليس المجوهرات.”
***
في صباح يوم حفلة الشاي، شعرت آيريس وكأنها قد تحولت إلى دمية.
أحضرت ميريام معها عددًا من وصيفاتها المقرّبات، وشرعنَ في تزيينها باهتمامٍ بالغ، أكثر مما لو كانت حفلةَ تقديمٍ لأول مرة أو حفلَ توشيح.
سألت آيريس بحذر:
“هل سيدة كيتو الفيكونتية شخصيةٌ أهمُّ بكثيرٍ مما أتصوّر؟”
من طريقة تحدث أليكسيون عنها، لم تكن تبدو شخصيةً مهمة للغاية، لكن ربما قال ذلك لأنَّ الجميع أقلُّ مكانةً مقارنةً بعائلة دوق تيت.
“أوه، كلاَّ.”
أجابت صديقة ميريام بمرح.
“لكن حفلة الشاي تظلُّ حفلة شاي. إنها ساحة معركة، كما تعلمين! لا يمكنكِ الذهاب إليها على عواهنها.”
“ساحة معركة…”
ابتسمت آيريس باستغراب.
لم تكن مخطئة في وصفها.
بالتأكيد، ستُراقب المشاركاتُ في حفلة الشاي كلَّ حركاتها وسكناتها.
وقد ينعكس أيُّ تصرفٍ منها كسهمٍ مسموم على أسرتها بأكملها.
“أجل. يجب أن أذهب وأنا في أبهى حلة.”
استسلمت آيريس بهدوء لأيدي الوصيفات.
بعد وقتٍ طويل، وبعد أن انتهينَ أخيرًا من تجميلها، عُرضت عليها الفساتينُ في صفوف.
وكانت جميعها فساتينَ أنهاها مشغلُ الملابس باهتمامٍ بالغ.
“أيَّ فستانٍ تريدين ارتداءه؟”
“…….”
صُعقت إيريس للحظة.
أدركت الآن سبب ثقة المصمم الرئيسي بنفسه.
كان هناك فستانٌ أحمرُ قانٍ، قويٌّ كشعلةٍ تتوهج حتى السماء، وفستانٌ أزرقُ داكنٌ كلونِ سماء الليل، مرصَّعٌ بخيوطٍ فضية وذهبية وكأنه نجومٌ متناثرة، وفستانٌ ورديٌّ نضرٌ وجميل كوردة ربيعية تتفتح للتو…
‘إنها حفلة شاي، لذا لن يكون من الجيد أن أكونَ ملفتةً أكثر مما يجب.’
اختارت فستانَ النجوم.
كان الفستان الأحمر قويًا جدًا، بينما جعلها الوردي تبدو يافعةً أكثر مما ينبغي.
تعلقت الوصيفات على الفور بآيريس التي لم تكن ترتدي سوى القميص الداخلي، وبدأن في تلبيسها الفستان.
بعد ارتداء حذاء يتناسق مع الفستان، ووضع أقراط وعقد من الألماس موجودين مسبقًا في قصر الدوق، انتهى التجهيز أخيرًا.
“كيف أبدو؟”
سألت آيريس ميريام بينما كانت تحدق في المرآة، وقد بدا عليها بعض الإحراج.
كانت هذه أول مرة تتزين فيها بهذا الفخامة منذ حفلة البحث عن ‘الأب’ لكونغ، حيث ارتدت فستان التقديم الأول.
وحتى في ذلك الوقت، قيل إن هذا النوع من الملابس يجربُه الجميع مرة، لكن مثل هذا الفستان كان من النادر العثور عليه حتى في حفلات البلاط الإمبراطوري.
“صدقيني، أنتِ جميلةٌ بشكلٍ مبهر.”
كان صوت ميريام شبه خارحٍ من الدهشة.
“أليسَ هذا فخمًا أكثر مما ينبغي؟”
“إنه أمر الدوق الأكبر بأن نجعلكِ في أقصى درجات الفخامة لهذا السبب لم نعرض عليكِ الفستانين البسيطين أصلًا.”
بالطبع.
لم تتفاجأ آيريس كثيرًا.
في النهاية، لم يشترِ لها أليكسيون المجوهرات، لكنه أمر بإخراج الحلي النسائية من خزينة القصر لتستخدمها.
‘أتساءل من كانت ترتديها سابقًا.’
لن يكون مفاجئًا لو كانت لزوجة الدوق الأكبر السابقة.
فمن غير زوجة الدوق الأكبر يمكنها أن ترتدي عقدًا مرصعًا بعدد لا يحصى من الألماسات المربعة، بحجم مفصل الإصبع تقريبًا؟
“لقد انتهينا، آنسة آيريس!”
وقفت آيريس وحاولت المشي قليلًا.
وعندما خرجت إلى غرفة المعيشة، وجدت آرِن يحدق بها وعيناه واسعتان.
“ماما…؟”
“أجل، إنها ماما. أليس غريبًا؟”
هز آرِن رأسه بشدة.
“ليس غريبًا!”
ضحكت آيريس في سرها.
أجل، إذا كان يبدو جيدًا في عيني آرِن، فلابد أن مظهري ليس سيئًا للغاية.
“جميلة… جِدًّا جِدًّا جِدًّا.”
“… حقًا؟”
كتمت آيريس الرغبة في احتضان آرِن بشدة.
كان عليها أن تغادر فورًا إذا أرادت ألا تتأخر عن حفلة الشاي.
“لنذهب، آنسة آيريس!”
تبعتها ميريام على عجل.
كان من المتفق عليه أن تعتني ريبيكا بآرِن بعد ذهاب آيريس إلى حفلة الشاي اليوم، لذا كانت ميريام رفيقتها الوحيدة اليوم.
لكن قبل أن تغادر الباب، ألقى ظلٌ مألوفٌ بظلاله فوق رأسها مباشرةً.
تردد صدى الصوت المتوقع في الهواء.
“أبلي حسناً.”
رفعت آيريس ذقنها قليلًا.
“من أنا حتى تسأل؟”
“لا تتبعي أيَّ كان.”
“هل تظنني آرِن؟ وآرِن أيضًا لا أعتقد أنه سيتبع أيَّ كان.”
“… على أية حال، أعني كوني حذرة.”
ابتسمت آيريس خفيةً.
“كُن حذرا أنت أيضًا يا أليكسيون. فقد تتعرض للعض من آرِن في غيابي.”
“… لا أنوي حتى الاقتراب منه.”
“كذِب.”
كانت آيريس تعلم.
لقد لاحظت أن آرِن وأليكسيون، وقد تحسنت علاقتهما نوعًا ما، كثيرًا ما يلعبان معًا بعيدًا عنها.
لم يعد هناك خطر التعرض للعض كما في السابق، لكنها كانت نكتةً خاصةً بينهما.
“ولا تتبعني إن كنت قلقًا سأذهب وأعود سالمة، لذا لا تقلق كثيرًا.”
“… أنا لا أقلق.”
فكرت آيريس في نفسها.
هذه الأيام، أليكسيون أصبح… وقحًا إلى حد ما.
‘لكن… لا أكره ذلك.’
كان هذا أفضل بكثير من أليكسيون الذي كان يتردد أمامها، ويبتلع الكلمات التي يريد قولها، أو يشك بها ويحاسبها كما في السابق.
“سأذهب وأعود.”
وقفت آيريس على أطراف أصابعها، مقتربةً قليلًا جدًا من أليكسيون.
اتسعت عيناه الحمراوان في دهشةٍ ممتعة.
“أراك لاحقًا.”
بدا أن شحمة أذنه قد احمرَّت قليلًا أيضًا.
***
“أهلًا بكِ، آنسة إيريس!”
استقبلتها سيدة كيتو الفيكونتية بحفاوة بالغة.
ردت آيريس التحية وهي تشعر ببعض الارتباك.
“الجميعُ ينتظرون قدومكِ، آنسة آيريس.”
“هل تأخرتُ؟”
سألت إيريس مرتبكة.
لقد وصلت في الموعد المحدد، لذا كان من المفاجئ أن يكون الجميع بانتظارها.
“كلاَّ، بالتأكيد. فقط، الجميعُ كانوا متحمسين لخبر مجيئكِ فحضروا مبكرين.”
توترت آيريس.
قد يكون الأمر كما تقول، لكن ربما أُخبرت هي فقط بوقت خاطئ عمدًا.
لكي تكون الوحيدة المتأخرة.
‘… لهذا السبب كان أليكسيون يحذرني.’
لو كان المقصود إحراجها أمام الجميع، لكانت خطةً ساذجة.
فهي لم تترعَ في بيئة محمية لدرجة أن تنزعج من مثل هذه الحيلة البسيطة.
لكن.
كان رد فعل عضوات حفلة شاي سيدة كيتو الفيكونتية مختلفًا تمامًا عن أيِّ توقعٍ خطر ببال آيريس.
“كنتُ دومًا أتوق لمعرفتكِ، آنسة آيريس…!”
هكذا قالت ابنة الفيكونت كيتو، التي تصغرها ببضع سنوات، وعيناها تلمعان.
“آنسة آيريس، هل والدتكِ ووالدكِ بخير؟ أعتقد أنهما يستحقان أفضل معاملة، فهما أبطال الإمبراطورية.”
هكذا قالت إحدى البارونات، صديقة سيدة كيتو الفيكونتية المقربة، وهي لا تبخل بالثناء على والديها.
“أرغب في سماع قصص عن التنانين!”
وهكذا قالت الآنسة التي في مثل سن آيريس، والتي كانت البارونة وصية عليها.
كانت عضوات حفلة الشاي الخمس ودودات جدًا مع آيريس.
ولم يبدُ أنهن يتصنعن ذلك، مما جعل آيريس تطمئن بعد قليل.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 71"