فحتى لو كان الأمر يتعلق بدوق، لم يسبق أن طلب أحدٌ ستة فساتين دفعةً واحدة لنفس الشخص.
إلا إذا كان يجهّز لزفاف ابنته مثلًا.
أمّا لتحضيرات حفلة شاي بسيطة، فثوبٌ واحدٌ كان ليكفي.
لكن كبير المصمّمين كان سريع البديهة.
سأل الدوق بخفّة عن اسم صاحبة حفلة الشاي، وما إن سمع الإجابة “البارونة كيتو” حتى فهم الموقف فوراً.
فالبارونة كيتو كانت مشغولةً مؤخراً بالبحث عن عروسين لابنيها.
كان لابنها الأصغر حبيبة منذ أيام الأكاديمية، لكنّ البارونة لم تكن راضيةً عنها.
أمّا ابنها الأكبر فكان معروفاً بصعوبة إرضائه في ما يخص النساء، ولم يقم بعلاقة حقيقية واحدة حتى الآن.
ودعوتها لآيريس روبين إلى حفلة الشاي التي تقيمها، كان يعني على الأرجح…
“سأصنعها بحيث تُخطَئنَ وتُظنّ أنها ابنة الدوق (الآنسة).”
“ابنة الدوق؟”
قهقه ألكسيون ساخراً.
لو كان له أخت لكانت لقبت بابنة الدوق (الآنسة).
وبطبيعة الحال، لكان الخُطّاب يتزاحمون عليها.
وهذه النقطة تحديداً هي التي لم تعجبه.
“اجعله في مستوى يليق بدوقة (زوجة الدوق).”
“…”
كان لدى كبير المصمّمين الكثير ليقوله بالطبع، لكنه اختار الصمت.
فصنع ستة فساتين في أسبوع لم يكن بالأمر الهيّن.
كان من الأفضل أن يشرع في العمل فوراً بدلاً من الدخول في جدال مع الدوق.
في تلك اللحظة، أبلغه المساعدون بأنهم انتهوا من أخذ مقاسات آيريس روبين كلها.
مسح كبير المصمّمين العرق المتصبب من جبينه وقال:
“سأُرسل لكم النماذج الأولية في غضون أيامٍ قليلة.”
أومأ أليكسيون برأسه فقط، وغادر دار الأزياء فوراً مع آيريس.
لكنه بدلاً من ركوب العربة، اختار أن يسيروا لمسافة مبنى سكنيّ واحد.
“إلى أين نحن ذاهبان؟”
سألت آيريس بتوتّر.
“متجر المجوهرات.”
“… حتى المجوهرات لا داعي لها…”
“الثوب سيكون أفخرَ ما يكون، وإذا لم تتزيني بمجوهرات تليق به، فسيكون ذلك مدعاةً للسخرية.”
“هذا صحيح، لكن…”
تردّدت آيريس.
فبطبيعة أليكسيون، من المؤكد أن تكلفة الثوب والمجوهرات ستُحتسب على نفقات بيت الدوق.
‘هذا كثيرٌ جداً عليَّ.’
لم ترغب آيريس قط بمثل هذه الأشياء.
لا عندما كانت طفلة، ولا حتى بعد أن كبرت.
صحيح أنها كانت تُحب الأشياء الجميلة، لكن الأغلى والأرقى لم يكن يوماً من نصيبها.
فحتى الابنة المدللة لبارون ثريّ، كان لها حدودها.
لقد علّمتها هيلين روبين ألّا تحصل على كل ما تريد، وتعلّمت آيريس، في السرّاء والضرّاء، أن تتصالح مع الواقع.
لقد كانت نعمةً كبرى.
فلولا هذا التوجيه لغرقت في اليأس عندما انهارت العائلة بأكملها.
لكن هذا التوجيه نفسه، الذي كان سبباً في بقائها حيّةً آنذاك، أخذ يضخّم شعورها بالذنب الآن.
لا حاجة لها بهذا، ولا رغبة لها فيه، لكنها تظل تُثقِل على أليكسيون.
‘لا يمكنني أن أستمر في الانجراف وراءه هكذا.’
توقفت آيريس فجأةً.
وبطبيعة الحال، توقف أليكسيون الذي كان يسبقها بخطوةٍ واحدة، واستدار لينظر إليها.
“حسناً، الثوب أمره سهل… لكن لا يمكنني قبول المجوهرات.”
“لم أقل أنني سأعطيك إياها.”
كان جواباً وكأنه كان ينتظره.
قطّبت آيريس حاجبيها.
لو كان يظن أنه سيتملص من الموضوع بإجابةٍ جاهزةٍ كهذه، فهو مخطئٌ كلّ الخطأ.
“إذاً، من سيرتديها إن لم أكن أنا؟ إنها مجوهرات تُنتقى لتتناسب مع فستان معيّن، ولا يمكن لأحدٍ أن يستخدمها كيفما اتّفق لا تقل لي أنك سترتديها أنت؟”
“…”
“وحتى لو تزوّجت أنت يا ألكسيون في المستقبل، فلن تستطيع أن تمنح هذه المجوهرات لزوجتك فدوقةٌ جديدة لا يمكنها ارتداء مجوهرات لبستها امرأةٌ أخرى من قبل صحيحٌ أنه يمكنك بيعها… لكنك لن تفعل.”
فالنبلاء، حفاظاً على ماء الوجه، لا يبيعون مجوهرات اشتروها مرةً واحدة.
إلا إذا احتاجوا المال واضطروا لبيع حتى خاتم الزواج، كما فعل آل روبين.
“إذاً، حتى لو لم تتنازل لي عن ملكية تلك المجوهرات، فهي عملياً ستصبح مِلكي أنا لذا… إن كنتَ ترى حقاً أنّه يجب عليّ ارتداء مجوهرات، فسأشتريها بمالي أنا.”
حدّق فيها أليكسيون.
كانت نظرةً خاليةً من الغضب أو الخيبة، وكأنه يراقبها فقط.
‘…’
شعرت آيريس بعدم ارتياحٍ غريب، فابتلعت ريقها.
لم تقل شيئاً خطأً، ومع ذلك شعرت وكأنها قالت شيئاً لا ينبغي قوله.
“هل يزعجكِ لهذه الدرجة؟”
تكلّم أليكسيون ببطء.
“أن أُقدِّم لكِ هدية؟”
إذا كانت آيريس قد شعرت بالحيرة حتى الآن، فهي تشعر الآن بشيءٍ أقرب إلى…
الخطر.
‘شيءٌ ما، هناك خطبٌ جلل.’
من المؤكد أن أحدنا يسيء فهم الأمر، إمّا هو أو أنا.
أو ربما كلانا.
فتحت إيريس فمها بحذر:
“لأن… هذا ليس هدية.”
تضيّقت عينا أليكسيون.
“ما هذا الكلام؟ الهدية هي ما يُمنح للآخرين بحُسن نيّة، أليس كذلك؟ وأنا بوضوح، أمنحك إياها بحُسن نيّة…”
هزّت آيريس رأسها.
“لو قلتُ لك إنني لن أذهب إلى حفلة الشاي تلك، لما فكّرت أبداً في أن تهديَني ستة فساتين ومجوهرات ثمينة.”
التعليقات لهذا الفصل " 70"