للأسف، لم يُدرك أليكسيون صدق مشاعر إيريس في تلك اللحظة.
“هل هذا حقًا خطاب موجه لمكان عملك؟”
“وهل لدي سببٌ يدعوني لأن أكذب على سعادتك؟”
“…..”
بردت نظرات أليكسيون الحمراء.
بل إن برودة عينيه المتجمدة أضحت أكثر صقيعًا.
جف فمه.
كان أليكسيون… يشكُّ فيها.
‘لماذا؟’
بكل تأكيد، لم ترتكب إيريس أي فعلٍ يثير الشكوك.
“تفضل، خذهُ.”
سلّمته إيريس الخطاب دون تردد.
فإن رفضت إظهاره لمجرد شعورها بالإهانة، فلن يزداد الأمر إلا تعقيدًا.
“ألا توجد خطابات أخرى؟”
“لا.”
توقفت عينا أليكسيون عند معصمها.
الملابس التي ترتديها قديمة وبالية، وضيقة بعض الشيء عليها، فلا مكان لإخفاء شيء فيها سوى الأكمام.
“الأكمام.”
أطلقت إيريس تنهيدةً خفيفة وقلبت كمّيها الفارغين لتريهما.
“……”
فتح أليكسيون الظرف بيده، وأخرج الورقة وقرأها.
ارتخت ملامح وجهه الجامدة قليلًا للغاية.
“أما زلت تشك في كلامي؟”
رفعت إيريس كتفيها في تجاهل.
لم تكن غاضبة.
كل ما أرادته هو ألا يشك بها مرة أخرى.
“ليس لديّ نية لإخبار أي شخص آخر بهذا الأمر دون إذن من سعادتك.”
“……”
ساد الصمت للحظة.
“تعالي معي.”
“ماذا؟”
“ألستِ تقولين إنكِ سترسلينه؟”
قال أليكسيون بكلمات مقتضبة.
“يبدو أنكِ لم تفكري في وجود غرفة بريد خاصة في قصر الدوق.”
“آه…”
“غرفة البريد تقع في المبنى الملحق، سيكون من الصعب عليكِ العثور عليها وحدك لا تتبعيني إن لم ترغبي.”
“سآتي! سآتي!”
لم تكن إيريس بمستوى الغباء الذي يمنعها من إدراك أن أليكسيون يُظهر لها لطفًا في هذه اللحظة.
كان بإمكان أليكسيون أن يخبرها فقط عن مكان غرفة البريد، أو أن يكلِّف شخصًا آخر بمرافقتها.
لكنه لسبب ما اختار أن يرشدها بنفسه.
‘حسنٌ أنني قابلتُ أليكسيون.’
اتضح أن الوصول للمبنى الملحق يتطلب عبور متاهة صغيرة من الحدائق خلف المبنى الرئيسي.
المسافة ليست بعيدة، لكنها لو جاءت وحدها حقًا لوجدت الطريق محيرًا.
بعد لحظات، استقبلهم سياجٌ ضخم من أشجار الطقسوس.
أشجار خضراء شاهقة كادت تلامس السماء، متلاصقة بكثافة لا فجوات بينها.
رمشت إيريس عينيها عدة مرات.
ولم يكن السبب شيوعَ سياج الأشجار هذا.
‘…أصوات بكاء؟’
نباح كلاب، وزقزقة طيور، وزئير وحوش…
تدافعت أصوات حيوانات متنوعة نحو أذنيها.
نظر أليكسيون إليها بنظرة عابرة.
“هل أنتِ خائفة؟”
“…نعم.”
أجابت إيريس بصدق.
كيف لا تخاف وهي تسمع حتى زئير الوحوش؟
حتى لو سارت في الطريق الصحيح، فالحيوانات قد تتصرف فجأة بلا سابق إنذار.
“هذا مؤسف فأنا أتفقدهم دائمًا في هذا الوقت.”
“تتفقد…؟”
“نعم. إذا كنتِ خائفة فلا تتبعيني.”
مع هذه الكلمات، اخترق أليكسيون أشجار الطقسوس الكثيفة ودخل إلى الداخل.
ترددت إيريس قليلًا ثم تبعته.
“…!”
غطت إيريس فمها بيديها.
كان المشهد أمامها صادمًا إلى هذه الدرجة.
خلافًا لما توقعت، كانت جميع الحيوانات داخل أقفاص، لكن بيئة الأقفاص نفسها لم تكن هي الصادمة.
فجميعها كانت واسعة ومهيأة بشكل جيد ليناسب كل حيوان.
لكن ما صدم إيريس حقًا… كان حالة الحيوانات نفسها.
كلبٌ فقد إحدى ساقيه.
غزالٌ لا يستطيع الركض بشكل سليم.
نمرٌ أعمى يصطدم مرارًا بالجدران.
بجعةٌ ملتوية الجناح بشكل غريب…
وغيرها الكثير من الحيوانات التي بدت عليها إعاقات جسدية.
“…كلهم كانوا سيهلكون لولا أنقذتهم.”
حمل صوت أليكسيون غضبًا باردًا.
“وجميعهم وصلوا إلى هذه الحالة بسبب البشر.”
كان الأمر غريبًا.
فكرتُ إيريس في السبب للحظة، لكن لم يخطر ببالها شيء.
ابتلع أليكسيون تنهيدةً، وبدأ يتفقد حالة كل حيوانٍ على حدة، يقدم لهم الطعام البسيط ويبادلهم اللمسات الدافئة والاهتمام.
يبدو أن كلامه عن “التفقد” كان صادقًا، فقد بدا راضيًا لرؤيتهم بأمان.
لكن إيريس لم تستطع الابتسام وهي تتبعه.
“……”
فجأةً، انهمرت دموع صافية كالندى تملأ عينيها اللتين كانتا تؤلمانها منذ قليل.
حدّق فيها أليكسون.
امتزجت الدهشة بقليل من الحيرة في عينيه الحمراوين.
“لماذا تبكين؟”
“…لا أعلم.”
كلا، هي في الحقيقة تعرف السبب.
لكنها فقط لا تريد قوله.
إيريس نفسها، كانت يوماً ما في وضع لا يختلف عن وضع هذه الحيوانات العاجزة المحبوسة.
قبل اثنتي عشرة سنة.
عندما اختطفها مجنونٌ ما، وجعلها موضوعًا لتجاربه السحرية المتنوعة.
‘لو لم ينقذني ذلك الفتى… لربما لا أزال محبوسة هناك حتى الآن.’
لا تزال صوت ذلك الفتى يتردد في أذنيها بوضوح:
“أنا… أنا سأكون بخير… لا تنظري للوراء واهربي أتفهمين يا إيريس؟ اذهبي لتحضري الكبار لا… لا تعودي أبدًا.”
أنقذ الفتى الصغير الغارق في الدماء إيريس بكل ما أوتي من قوة.
وعلى الأرجح أن ذلك الفتى الذي لا تعرف إيريس حتى اسمه قد…
بدأت الدموع تتساقط من جديد.
“…يا آنستي؟”
نادى أليكسيون عليها، ويبدو أنه مرتبك.
فهو أيضًا لم يكن يتوقع هذا الموقف إطلاقًا.
أجابت إيريس بصوتٍ مختنق:
“…إنهم يُشعرونني بالشفقة الشديدة.”
رغم أن موضوع الشفقة كان مختلفًا بينهما، إلا أن أليكسبون أومأ برأسه موافقًا على كلامها.
“نعم، إنهم مخلوقاتٌ تُشفَق عليها.”
كان صوت أليكسيون أكثر لطفًا.
“وقلائلُ هم من يدركون ذلك.”
وافقت إيريس على كلامه تمامًا.
بعد دقائق قليلة من مغادرة حظيرة الحيوانات، ظهر المبنى الملحق.
قام الموظف الصغير الذي كان ينعس في غرفة البريد على الفور وهلل عند رؤية أليكسيون.
سلّمه أليكسيون الخطاب قائلًا:
“من الآن فصاعدًا، أوكلي مثل هذه المهام للخادمات فقد وظفتُهنّ لهذا الغرض.”
“…نعم.”
في الحقيقة، كانت إيريس تفكر في أن هذا الخيار كان سيكون أفضل بكثير.
لكنها أيضًا تدرك جيدًا سبب عدم تمكنها من طلب المساعدة من ميريام في المقام الأول.
لقد مر زمن طويل على تلك الأيام التي كانت تتلقى فيها مساعدة الخادمات دون تردد.
كان على إيريس أن تتعلم القيام بكل شيء بنفسها من الألف إلى الياء، ونتيجة لذلك أصبحت تتردد في تقديم طلبات قد تُزعج الطرف الآخر.
‘لكن الوضع اختلف الآن… لذا عليّ أن أختلف أنا أيضًا.’
لو استعانت بخادمة لإرسال الخطاب لكانت أرسلته بسهولة، لكن محاولتها حل الأمر بمفردها أدت إلى تعقيده.
لكن إيريس لم تندم.
فبفضله، تمكنت من تبديد سوء الفهم الذي كانت تحمله تجاه أليكسيون الذي ظنته باردًا فقط.
وبفضله، رأت منه صدقًا حقيقيًا غير متكلف ولا مصطنع.
عندما رفعت رأسها، رأت أليكسيون الذي كان قد أدار ظهره وغادر المكان.
“شكرًا لك، سعادتك.”
عندما شكرته إيريس متأخرة بخطوة، أدار أليكسيون رأسه قليلًا ونظر إليها.
تجعد جبينه الوسيم للحظة.
“قلتُ لكِ من قبل أن تناديني أليكس.”
ثم غادر المكان.
وكأنه أتى فقط ليدلها على موقع المبنى الملحق.
استقبل تنينًا صغيرًا غاضبًا بلا هوادة إيريس عند عودتها لغرفتها.
“كيوووو!”
كان يرفرف بجناحيه الورديين مفتوحين بالكامل وكأنه يقوم بمظاهرة احتجاجية.
“كيووووووو!”
حدقت إيريس فيه مندهشة.
عجز عن النطق بأي كلمة، لكنه يجيد التعبير عن مشاعره بوضوح.
إذاً… هل هذا المخلوق الصغير يغضب؟
“كونغ.”
دعت إيريس التنين الصطين بأكثر نعومةٍ ممكنة.
لم يكن من الصعب تخمين سبب غضبه الشديد.
فقد استيقظ ليجد أن الأم التي يجب أن تكون دائمًا بجانبه قد اختفت.
وبما أنه لا يفهم الكلام أبدًا، فمن الأفضل تهدئته بدلاً من محاولة شرح الموقف وإقناعه.
‘لكن لا بد من المحاولة.’
“كان لديّ مهمة قصيرة فخرجت ثم عدت.”
“كيوو.”
انتفخ صدر التنين الصغير.
كانت محاولة واضحة ليبدو أكبر وأكثر إخافة…
‘لست مخيفًا على الإطلاق! بل على العكس، أنت ظريف للغاية!’
مجرد فكرة ستغضب التنين الصغير أكثر لو كان يعرفها.
(يتبع…)
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 7"