كما توقّعت ريبيكا، شرعت آيريس في العمل فور أن أنامَتْ ريبيكا.
ومضت الفكرة مباشرة إلى ما ستصنعه.
غلاف كتاب.
غلافٌ لتلك النسخة التي تحملها ريبيكا دوماً.
ولم تكن بحاجة للبحث عن مواد منفصلة.
فبسبب حاجتها الدائمة لصنع ألعاب آرِن وأغراض أليكسيون، كانت المواد شتّى متوفرة لديها دوماً.
كانت المشكلة في كيفية صنعه.
لم ترغب آيريس في أن يظهر التأثير فوراً.
كان ينبغي ألا تَشعر ريبيكا بقوّتها على الإطلاق.
حينها فقط ستعتقد أن هذا قرارها هي.
فلو اعتقدت أختها مستقيمة العمود الفقري أن قوّة خارقة أخرى تدخّلت، لربما قوبلت بردّة فعل معاكسة فوراً.
لذا، لم تصنع آيريس الغلاف وهي تتمنى زوال كآبة ريبيكا، أو أن تتفجر فيها شجاعة الأسد فجأة.
فقط… تمنّت أن تُختصر الفترة التي تتعافى فيها ريبيكا بنفسها اختصاراً كبيراً.
وما بعد ذلك، كان متروكاً بالكامل لريبيكا.
وذلك لأن آيريس كانت تؤمن بأن ريبيكا ستتخذ القرار الأفضل.
لحسن الحظ، أتى غلاف آيريس مفعوله تماماً كما أرادت.
ففي غضون ساعات قليلة فقط، أجرت ريبيكا حصة آرِن التعليمية وهي تضحك.
صحيح أن رأسها ظلّ مشغولاً بما حدث الليلة الماضية، لكنها استطاعت بكل رزانة أن تضحك وتتحدث مع آرِن وآيريس.
ومضت على ذلك ثلاثة أيام.
حينها أمسكت ريبيكا بقلمها.
حتى أنّها أبقَت الأمر سراً عن آيريس.
[إلى روب العزيز،
لا بد أنّك تساءلت لماذا لم أرسل لك رداً طوال هذه المدة.
سبب صمتي خلال الفترة الماضية، هو أنني تمنّيتُ أن تنساني سريعاً.
فلم نكن شيئاً لبعضنا، واعتقدتُ أنني إن تركتُ الخيط، فستنفصل عني أنت آلياً.
لكن… يبدو أننا كنا شيئاً لبعضنا، أليس كذلك؟
تماماً كما كنتُ شخصاً مميزاً بالنسبة لك، كنتَ أنت أيضاً شخصاً مميزاً بالنسبة لي.
كل شيء قد تأخر… لكنني ما زلتُ آمل ألا يكون قد فات الأوان لأقول لك هذا الكلام.]
عضّت ريبيكا على طرف قلمها.
شعرت بأن هذا لا يكفي.
لا بد أن هناك كلمات تعبّر عمّا في قلبها بشكل أفضل.
بعد تفكير طويل، أضافت سطرين:
[شكراً لأنك جعلتني مميزة بالنسبة لك.
وشكراً لأنك لم تيأس مني.]
وصل رد روب في مساء اليوم نفسه الذي وصلت فيه رسالة ريبيكا إلى قصر الماركيز تشيرين.
شعر حارس بوابة قصر دوق تيت ببعض الغرابة تجاه ذلك الشاب أحمر الشعر شديد الأناقة على غير المعتاد، والذي قال إنه ساعي بريد، رغم ملابسه الرثة.
لكن الرسالة بدت سليمة، فلم يولِ الأمر اهتماماً كبيراً وسلّمها مع باقي الخطابات.
كان المحتوى بسيطاً جداً، لا يتجاوز سطرين قصيرين:
[سنلتقي في الأكاديمية.
فالتعلم لا يفوت أوانه أبداً.]
***
انطلقت عربة تحمل شعار عائلة دوق تيت بخفة في الطريق.
رغم أن مَن فيها لم تكن مشاعرهم خفيفة البتة.
“في النهاية سأمثل بين يدي جلالته….”
زفرت آيريس زفيراً طويلاً مكتوماً.
بفضل ذلك الاختطاف، أو شبه الاختطاف، على يد كارفيان في حفل تقليد الوسام، ظنّت أنها لن تضطر لمقابلة الإمبراطور، لكن الموعد أعيد تحديده مجدداً.
ومع كلمة من رئيس برج السحرة بأن الإمبراطور وضعها تحت الإقامة الجبرية هذه المرة لضمان عدم هروبها.
“كيف هو جلالته؟”
أجاب أليكسيون دون تردد:
“من الأفضل أن تتحدثي بـأقل قدر ممكن.”
“هذا بديهي طبعاً.”
أجابت آيريس مندهشة.
“لن أفعل أي شيء يخالف الآداب أو يكون وقاحة.”
“لم أقصد هذا المعنى.”
هز أليكسيون رأسه.
“كلما تكلمت أكثر… كلما عرف عنك أكثر. وأنا متأكد أن ذلك لن يكون في صالحك أبداً.”
غرقت آيريس في تفكير للحظة.
‘يبدو أنه خبير في استخلاص المعلومات.’
كان من الأفضل لو أن اللقاء تم في حفل تقليد الوسام.
ففي ذلك اليوم، وبسبب انشغاله الشديد، كانت ستمر بمجرد تحية وبضع كلمات عن آرِن وينتهي الأمر.
لكن الآن…
“المشكلة أن جلالته دائم الشعور بالضجر لا جديد في حياته غالباً.”
“…هل أنا لعبة جديدة إذاً؟”
“آرِن هو اللعبة.”
كانت نظرة أليكسيون قاسية حازمة.
“جلالته ليس بقاسٍ لدرجة أن يعامل مواطني إمبراطوريته الأحباء بهذه الطريقة.”
“…….”
نظرت آيريس إلى آرِن الذي كان يمسك بلعبة طائر ويصدر صوتاً وهو يحركها في الهواء، وفكرت:
‘ما الذي يُميّز آرِن … عن أي طفل عادي من أبناء الإمبراطورية؟’
ربما لو كان مختلفاً تماماً في شكله لَما كان هناك مجال للتساؤل، لكنه الآن، بخلاف ذيله وجناحيه، لا يختلف أبداً عن أي طفل عادي في الثالثة من عمره.
تفكيره وكلامه ما زالا طفوليين تماماً.
بل إنه لم يطلق نَفَسه التنّيني منذ زمن، لدرجة أن آيريس كانت تنسى أحياناً أن آرِن تنين.
فبالنسبة لها، آرِن … ليس سوى طفل صغير وجميل.
“مهما كان جلالته، أتمنى أن يدرك أن هناك بعض الألعاب التي إن كُسرت، لا يمكن الحصول على غيرها ثانية.”
بتلك الكلمات التي تفوّهت بها من صدرها المكظوم، ضاقت المسافة بين حاجبي أليكسيون.
“…لا أعتقد أنه سيدرك بل الأقرب للصواب أنه سيدرك لكنه لن يبالي.”
كان صوته ساخراً للغاية.
ابتلعت آيريس ريقها بصعوبة.
“إذاً، لا يمكننا فعل شيء؟ سوى أن نتمنى الحظ السعيد؟”
“لا تقلقي.”
انحنى أليكسيون باتجاهها.
صوت خفيض يدغدغ أذنها.
“سأتدبر الأمر بنفسي.”
***
“أوه أوه، سيرفوس! لقد كبرت كثيراً يا لك من جميل!”
ما إن بدأت المقابلة حتى فكّرت آيريس:
يبدو أنها ستكره الإمبراطور كثيراً جداً.
لحسن الحظ، وقف أليكسيون شامخاً بين الإمبراطور وبينها وبين آرِن.
“اسمه آرِن، وليس سيرفوس.”
حدّقت عينا الإمبراطور بحدة.
أعاد السؤال كما لو أن أليكسيون قال له “المطر يتساقط من الأرض” أو “اليوم جئت راكباً بقرة”.
“آرِن؟”
“نعم. إذا ناديته سيرفوس، فلن يعرف أنك تناديه.”
أجاب أليكسيون بجفاف، وكأن تلميحات الإمبراطور اللاذعة الواضحة لم تؤثر فيه إطلاقاً.
لم يُظهر نظره الثابت أدنى أثر للخوف.
“لذا أرجو أن تناديه باسمه آرِن.”
“هل من سبب؟”
تمنّت آيريس أن تقحم نفسها لكنها تذكّرت نصيحة أليكسيون بألا تتحدث قدر الإمكان أمام الإمبراطور، فتمالكت نفسها.
“منذ البداية، أبدى رفضاً لاسم سيرفوس.”
تظاهر الإمبراطور بالتفكير للحظة.
“سيرفوس اسم طويل بعض الشيء بالفعل. آرِن … ليس سيئاً.”
أخفت آيريس دهشتها بصعوبة.
هل كانت المشكلة بهذه البساطة؟
انتقل اهتمام الإمبراطور بعد ذلك إلى آيريس.
“الابنة الثانية لزوجي روبين…عادةً إذا كان الوالدان استثنائيين، يكون الأبناء أيضاً غير عاديين.”
“شكراً لك، صاحب الجلالة.”
استخدمت آيريس كل قواعد الآداب التي تعلمتها في صغرها لتؤدي التحية بكل احترام.
رغم أن رأسها كان يدور، نجحت في ثني ركبة واحدة تماماً ثم نهضت، فضحك الإمبراطور بصوت عالٍ.
“أعرف أنك نشأت في ظروف صعبة، لكنك رائعة حقاً. أليس كذلك يا دوق تيت؟”
“…….”
“دوق تيت.”
حثّه الإمبراطور على الإجابة مجدداً.
لم يُجب أليكسيون حتى تنحنح مرة واحدة.
“كلام جلالتك صحيح.”
“كلامي صحيح دائماً.”
ابتسم الإمبراطور ابتسامة خفيفة.
“يسعدني أيضاً أن أراكما على هذه الدرجة من الخصوصية بالمناسبة، سمعت أنكما تبحثان عن والد هذا الوحش الصغير….”
“للأسف، لم نصل إلى نتيجة تُذكر حتى الآن.”
“هذا كلام لا يليق بدوق تيت. أليس من الأفضل أن تصنعا واحداً إذا لم يكن موجوداً؟”
“هذا أمر يقرره آرِن بنفسه، وليس أنا. لا يمكن إجباره على اختيار والديه، أليس كذلك؟”
“هذا أيضاً كلام صحيح.”
أومأ الإمبراطور برأسه.
“لكنني سمعت قصة مثيرة للاهتمام من كارفيان.”
“……!”
انتفضت آيريس مذعورة.
لم تكن تتوقع أبداً أن يذكر الإمبراطور اسم كارفيان سول هنا.
“يقول إن هذا الصغير قد أظهر بالفعل علامات تدل على أنه يعتبره أباً له.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 67"