سألت ريبيكا بوجهٍ ذاهلٍ لا يشبهها:
“هل هذا أنت حقًا يا روب؟”
“أجل.”
أجاب روبرت وهو يجهد نفسه لرفع زاوية فمه المرتعشة.
“مبروك.”
“… شكرًا.”
التفتت ريبيكا قليلًا لتتجنب نظراته.
كانت قد خرجت وقد عزَّمت عزمًا راسخًا، لكنها لم تتوقع أبدًا أن تلتقي بصديق طفولتها…
… وخاصةً وهي التي قطعت التواصل معه من طرف واحد.
كان روب كما تتذكره تمامًا.
بعد لحظات من الارتباك، شرع مباشرة في قول ما يريد.
“طلبت من آيريس أن تنقل لكِ كلامي، أليس كذلك؟ لم تتلقى رسالتي؟ لقد توسلت إليها حقًا كي تردي علي.”
“نقلت آيريس رسالتك جيدًا.”
أجابت ريبيكا بأكبر قدر من الهدوء.
“لكنني لم أعرف ماذا أكتب لكِ…”
“أها…”
لم يلومها روب.
كان يبتسم لها ويقول إن الأمر لا بأس به فحسب.
كما كان الحال دائمًا عندما كانا صغيرين.
“كنتُ أظن أنكِ… تكرهينني.”
“……”
لم تجد ريبيكا ما تقوله.
لم تستطع أن تنكر ذلك، لأن المشاعر التي تكنها لروب كانت مظلمة للغاية.
بعد أن أصبحت من عامة الناس بين عشية وضحاها، قطع كل من كانت تربطها بهم علاقة صداقة كل اتصال معها.
وحتى إذا صادفتهم في الطريق، كانوا يتجاهلونها تمامًا.
لكن روب كان مختلفًا.
ظل يرسل لها الرسائل، ويحاول إقناعها بالعودة إلى الأكاديمية وأنه سيساعدها.
لكن ريبيكا لم ترد على أي من تلك الرسائل.
لأنها أدركت من خلال تجربتها الشخصية أن العالم لا يدور بهذه السهولة كما يتصور روب.
حتى لو أراد روب مساعدتها، فلن يتركه والداه يفعل ذلك.
في الواقع، كان ماركيز تشيرين أحد أول العائلات التي قطعت علاقتها بعائلة روبين.
ماذا لو ساءت علاقته بوالديه لأنه ساعدها سرًا؟
حتى لو كان روب الابن البكر والوريث، إلا أنه لم يكن مستحيلًا أن تتوتر العلاقة وينتقل اللقب إلى الابن الثاني.
مع استمرار الصمت، اكتست ملامح روبرت بالظلمة.
“هل كان… ظني صحيحًا؟ هل تكرهينني حقًا يا ريبيكا؟”
هزت ريبيكا رأسها.
“لا. كيف يمكنني أن أكرهك؟”
كانت جادة.
على الرغم من أنه سبب لها المتاعب فقط، وعلى الرغم من أنها كانت تشعر بالبؤس الشديد في كل مرة تصل فيها رسائله، إلا أنها كيف يمكنها أن تكرهه؟
كان الشخص الوحيد -بجانب عائلتها- الذي يتذكر ماضي ريبيكا ويدعمها.
… رغم أنها لم تستطع تقبل هذا الدعم بصفاء نية.
تغيرت تعابير وجه روب إلى الابتهاج بتلك الإجابة البسيطة.
كان مظهرًا طفوليًا ونقيًا تمامًا كما في الماضي.
“هل يمكننا الاستمرار في رؤية بعضنا البعض من الآن فصاعدًا؟”
“يا روب.”
أطلقت ريبيكا نفسًا طويلاً.
“ماذا سنفعل إذا التقينا؟”
“… ذلك، ذلك لأن…”
“أنت أيضًا كبرت في السن. بدلًا من أن تُثير شائعات لا لزوم لها بمرافقتك لي، يجب أن تفكر في تثبيت وضعك كخليفة.”
ساد الصمت.
“كان يجب ألا أقول ذلك.”
ندمت ريبيكا.
كان يمكنها الاكتفاء بالرفض فقط، دون الحاجة إلى التدخل في شؤونه كما فعلت للتو.
‘ولكن… أتمنى لو يبتعد.’
إذا غادرها روب وهو غاضب، فربما تتمكن من الخروج من هذا الموقف غير المريح.
على عكس آيريس، كانت جبانة معتادة على الهرب، تتظاهر بالقوة من الخارج فقط.
لكن خلافًا لتوقعاتها، لم يبتعد روب عن ريبيكا.
بل على العكس، ابتسم على اتساعه وأمسك بيدها بين يديه.
“لم تتغيري إطلاقًا يا ريبيكا!”
في رد فعل روب الذي بدا سعيدًا حقًا، ذهلت ريبيكا للحظة.
أليس مهتمًا إطلاقًا بأنها تجاهلته طوال السنوات العشر الماضية؟
لكن عندما فكرت في الأمر، لطالما كان روب هكذا.
بل إنه هو الذي لم يتغير.
“… وأنت أيضًا لم تتغير.”
لم تستطع ريبيكا إلا أن تبتسم متابعة له دون أن تدري.
اطمأن روب بعد أن تأكد من تحسن مزاجها، ثم اقترب منها قليلًا.
“لقد قلت ذلك عدة مرات في رسائلي… لا يهمني ما يعتقده الآخرون أنتِ صديقتي يا ريبيكا.”
غمز لها بإحدى عينيه.
“أعلم تمام العلم أنكِ تكرهين التواجد في مكان مثل هذا حتى الثمالة.”
“ليس لدي خيار.”
أطلقت ريبيكا نفسًا طويلاً.
كانت تشعر بغيرة من آيريس التي كانت غائبة عن المكان بسبب مقابلة خاصة بها.
فلم تكن بحاجة لسماع النميمة التي كانوا يتحدثون بها بصوت عالٍ ليفهموها، ولا لمجابهة الرجال الذين يقتربون منها بخبث.
“ليس من الضروري أن تظلي هنا وأنتِ كارهة هل نخرج لنستنشق بعض الهواء؟”
“سيد روبرت.”
قالت ريبيكا بنبرة مازحة.
“ماذا ستفعل إذا تسبب هذا في فضيحة لي؟”
“لا يهم. ليس لدي خطيبة.”
التفتت ريبيكا بوجهها.
“الأمر يهمني.”
حدق روب فيها.
“لماذا؟ هل هناك رجل آخر في قلبك؟”
“لا يمكن أن يكون هناك شيء كهذا. لكن…”
سقطت ريبيكا في التفكير.
لقد تغير وضع عائلة روبين بشكل كبير خلال الأشهر القليلة الماضية.
لم يعد عليها أن تبذل جهدًا لكسب لقمة العيش كمدرسة خصوصية فحسب، بل كان عليها أن تفكر فيما قد يكون أكبر عون لعائلتها الآن.
أسهل طريقة، بلا شك…
«الزواج.»
لكن ريبيكا لم تفضِ بفكرتها الصريحة.
على الأقل، لم تستطع أن تفعل ذلك أمام روب.
لأنه كان شخصًا ذا تفكير مستقيم إلى حد التهور.
“قد يكون هناك… رجل آخر في قلبي.”
“… أنتِ؟”
ضحك روب ساخرًا.
“إذا كان هناك رجل في قلبك، فيجب على الأقل أن يكون عبقري القرن ألم تقولي ذلك عندما كنتِ صغيرة؟ أنكِ لن تتزوجي رجلاً أغبى منك.”
“كان ذلك عندما كنت صغيرة…”
أطلقت ريبيكا نفسًا طويلاً.
“يجب أن أفكر بشكل واقعي الآن.”
حاولت ريبيكا أن تدير ظهرها لروب.
لولا أن روب كان لا يزال ممسكًا بيدها.
كانت يده الممسكة بيدها لا تزال دافئة، ولم تكن تريد أن تنتزع يدها بقوة.
‘إنه بسبب الشتاء.’
كانت نسمات سحرية دافئة تهب في قاعة الحفل، لكن ريبيكا حاولت الاعتقاد أن ذلك هو السبب.
أن سبب ارتياحها لهذا الدفء… هو الشتاء.
“ريبيكا.”
تتبعها نظر روب الصريح.
“لقد كنت معجبًا بكِ كثيرًا.”
“…!”
حبست ريبيكا أنفاسها دون أن تدري.
عندما كانت صغيرة، أدركت غريزيًا أن روب معجب بها.
في ذلك الوقت لم تكن تعرف، ولكن مع نموها لم يكن أمامها إلا التخمين.
لكن لهذا السبب بالتحديد، لم يكن أمامها إلا أن تدفعه بعيدًا، وأن تختفي.
لأن وضعها كان بائسًا للغاية لدرجة أنها لم تستطع الرد على مشاعره.
وأيضًا…
‘كان ذلك الأفضل لروب.’
حتى رسائل روب التي كانت تفكر فيها حقًا لصالح ريبيكا، تغيرت تدريجيًا أيضًا.
في بعض الأحيان كان يغضب، وفي أحيان أخرى كان يستسلم.
كانت الرسائل التي تلقتها مؤخرًا أقرب إلى مجرد تحيات عادية.
كيف حالك؟ هل أنتِ بخير؟ كيف صحتكِ؟ فقط ردّي علي. روب.
كان هذا كل محتواها.
لذا، ظنت أن المشاعر قد اندثرت…
“لكن دعيني أوضح لكِ هذا أنا لا أفعل هذا الآن لأنني معجب بك.”
ظلت ريبيكا تستمع إلى كلامه في ذهول.
“أنا أفعل هذا لأنكِ صديقتي.”
أطلق روب يد ريبيكا ببطء.
على الرغم من شعورها بالأسف لفقدان الدفء، إلا أن ريبيكا لم تستطع منعه.
لأنها لم تكن في موقف يسمح لها بذلك.
“صديقة عزيزة جدًا، لدرجة أنني لا أستطيع مشاهدة سيرها في طريق الجحيم.”
ارتجفت شفتاها.
كان لديها الكثير لتقوله، لكن لم يخرج منها شيء.
“لقد عاملتك ببرود لمدة عشر سنوات حتى هذا العام أرسلت رسائل ولم أرد عليك، فلماذا تعاملني بلطف؟”
حدق روب في ريبيكا.
لم يكن في نظره إحساس بالنفاذ إلى الداخل، ولا إحساس بالبصيرة.
كان كل ما يمكن الشعور به هو الإخلاص الراسخ.
“… افعلي ما تريدين، يا ريبيكا. ما الذي تريدينه حقًا؟”
أدركت ريبيكا.
أنها… لا تستطيع أن تكذب عليه.
حتى لو كان هذا الكذب هو نفسه الكذب الذي كانت تكذب به على جميع من حولها طوال الوقت.
“أريد أن أتخرج من الأكاديمية.”
كانت هذه أول مرة تقولها منذ عشر سنوات.
“أريد أن أتخرج من الأكاديمية، وأصبح موظفة في البلاط الملكي.”
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 63"