“لستُ بحاجةٍ لأحدٍ يخبرني مَنْ ينبغي أن يفعل ماذا.”
لم تكنْ حتى بحاجةٍ إلى كلمةٍ واحدةٍ تأمرها بالعبور من خلال ذلك الثقب.
لأن علاقتها مع أليكسيون… كانت من هذا النوع.
بعد أن تمكنتْ آيريس أخيرًا من الإمساك بـآرِن، التفتتْ للنظر إلى الوراء.
رأت كارفيان ينظر إليها بوجهٍ مصدوم.
“آري… حقًّا ستذهبين؟”
أومأتْ آيريس برأسها.
لم تكنْ ترغب في التحدث معه إطلاقًا.
“لماذا تختارينه؟ أنتِ تعرفين كما أعرف، إنه…”
“إنه رجلٌ أفضل منك بمائة مرة.”
قطعتْ آيريس كلام كارفيان.
“لكنّي سأقطع لك وعدًا واحدًا سأُعيد ذاكرتي. ولكن باستخدام قدرتي أنا.”
“…!”
ظهر بصيص أمل خافتٌ على وجه كارفيان.
“شكرًا لكِ، آري.”
لم تستطعْ آيريس إلا أن تضحكَ ساخرةً من مظهره المُطمئِن.
كان وجهه يُظهر اقتناعًا بأنها، عندما تعود ذاكرتها، ستدير ظهرها لأليكسيون وستتجه نحوه لتتسلق مَعْلَته.
“لن يحدث ذلك.”
لأن… أليكسيون تيت، كان شخصًا يستطيع أن يهتم بالآخرين بصدق.
لأنه، خلافًا لكارفيان، لا يحاول استغلال الآخرين.
ولأنه لا يضع مصلحته الشخصية ومصلحة الآخرين في كفتي الميزان.
بدون أن تتكلم مع كارفيان أكثر من ذلك، ألقتْ آيريس بنفسها نحو المخرج الذي صنعه أليكسيون.
ثم…
“آيريس.”
في اللحظة التي سمعتْ فيها صوته الجاد، امتلأ بصرها بتلك العيون الحمراء.
وكأنها هي، وحدها، كانت كلَّ العالم بالنسبة له.
انقضّتْ ذراعاه القويتان عليها، محتضنتانها بحرارة.
خطر ببالها، للحظةٍ عابرة، أن هذا مخالفٌ للأدب.
“لكني لستُ سيدةً نبيلة.”
لقد توقفتْ عن دراسة آداب السلوك منذ وقتٍ طويل جدًّا.
لم تكنْ ابنة البارون ولا أيَّ شيء آخر، كانت مجرد حاميةٍ لآرِن.
مقيمةٌ في قصر دوق تيت، كضيفة.
إذاً، أليس هذا مُتاحًا لها؟
كردِّ فعل، لفَّت آيريس ذراعيها حول ظهر أليكسيون، وأسندتْ رأسها إلى صدره الصلب.
“هذا الشخص… يشعرني بالأمان.”
أيكفي أن أليكسيون يشعرها بالأمان وحسب؟
كان بإمكانه أن يحميها من كل الأخطار.
ما دامتْ هي لا تبتعد عنه.
همستْ إيريس:
“اشتقتُ إليك…”
“وأنا أيضًا.”
أجاب أليكسيون بصوتٍ حافلٍ بالمشاعر.
“لقد… ظللتُ أبحث عنكِ بلا انقطاع.”
“بسبب سيد البـرج.”
“أعرف.”
رفعتْ رأسها.
شعرتْ بأن الدموع تفيض فجأةً بسبب ارتياحها، لكنها لم تشعر بأدنى خجل.
الطرف المقابل كان أليكسيون.
هو الذي رأى كل حالات بكائها وضحكها.
“أل… ألحق بكِ أذًى؟”
سألها بصوتٍ ذُعر.
“سأحضر الطبيب…”
“لا.”
هزتْ آيريس رأسها.
“إنه فقط… لأنك جئتَ، وأنا سعيدة بذلك.”
“بالطبع كان عليَّ المجيء.”
“لأن أرِن هنا؟”
سألت آيريس مع أنها تعرف الإجابة.
على الأرجح، لو كانت هي من أُختطِفتْ وحدها، لكان أليكسيون قد وجدها.
ليس لمجرد أن عليه أن يُشفى من أرقه، بل لأنَّه، على أي حال، قد وعد بحمايتها.
لأن أليكسيون كان شخصًا يفي دائمًا بوعوده، ويؤمن بأنه يجب حماية الضعفاء.
ومع ذلك، فمن الجميل أن تسمع ما تعرفه بالفعل يُنطَق على لسانه.
لكن الإجابة التي نطق بها أليكسيون كانت مختلفة تمامًا عما توقعتْه آيريس.
“لم… أكنْ أرغب في أن أخسرَكِ لذلك الرجل لهذا جئت بأقصى سرعة.”
“…!”
في تلك اللحظة، تجمدتْ آيريس.
شعرتْ بأن الثقل والعاطفة في كلمات أليكسيون كانت أعمق وأكثر حرارة مما تصورت.
كانتْ بالغة الحدَّة لدرجة أنه لو لم تُمسكْ بتلابيب قلبها، لانجرتْ إلى الوهم في لمح البصر.
وَهْم من ذلك النوع الذي يجعلك تعتقد أنكِ شخصٌ مميز بالنسبة لهذا الرجل.
‘لستُ مميزةً بشكلٍ استثنائي بالنسبة له. إنه فقط يكره كارفيان سول إلى هذا الحد.’
لذا، استمرتْ آيريس في ترديد ذلك لنفسها، وجمعتْ شتات قلبها.
لأنه على الرغم من أنها ليست ابنة بارون ولا شيء، إلا أنه كان عليها أن تمتلك التمييز الكافي للحذر من الأوهام.
وتظاهرتْ كأنها لم تسمع، ثم طرحتْ سؤالاً:
“هل غُبتُ طويلاً؟”
“لقد بحثتُ عنكِ لمدة ساعة. واستغرق وصولي إلى البرج ساعتين، إذاً فأنتِ قضيتِ ثلاث ساعات مع ذلك الوغد.”
‘… كما توقعت.’
كانت مقولة أن الوقت لا يمر في ذلك الفضاء السحري كذبة منذ البداية.
مع أنها كانت تتوقع ذلك مسبقًا، إلا أن آيريس لم تستطع إخفاء خيبة أملها البائسة تجاه كارفيان.
طبعًا لم تكن كبيرة.
لأنها لم تكن تتوقع منه شيئًا من الأساس.
والآن، ما كان مهمًّا لها…
“أليكسيون.”
همستْ إيريس بهدوء.
“أريد العودة إلى البيت.”
لم يكن “البيت” الذي تتحدث عنه الآن هو قصر روبين الذي أعاده أليكسيون لها.
بل كان قصر دوق تيت، الذي أصبح بيتًا لآرِن وبيتًا لها.
“حسنًا.”
تمتم أليكسيون دون أن يتركها.
“لنَعُدْ إلى البيت.”
***
كان الحفل الذي أُقيم بعد مراسم منح الأوسمة باذخًا حقًّا.
لأن السحرة بذلوا جهدًا كبيرًا في قاعة الاحتفال أيضًا.
كانت موسيقى الفالس التي تعزفها أفضل أوركسترا في الإمبراطورية تنساب بخفة، وكانت المشروبات والطعام مُعدَّة بوفرةٍ حتى لم يبدُ أحدٌ غير راضٍ.
لكن الجميع كانوا يتساءلون فحسب.
‘متى سيصل آل روبين؟’
بعد أن رقص الجميع رقصةً على الأقل، دخل أبطال اليوم، آل روبين، إلى القاعة.
توجَّهتْ أنظار الجميع إليهم.
توماس روبين وهيلين روبين، اللذان سمع الناس أنهما عملا في مهنة المرتزقة القاسية، ومع ذلك لا يبدو عليهما أي أثر للمعاناة.
وحتى الابنة الكبرى ريبيكا روبين، التي كانت سمعتها كمدرسة منزلية قد ذاعت حتى قبل إعلان الوسام.
كان الثلاثة يرتدون ملابس فاخرة ويتصرفون بثقة، وكأنهم يعيدون مجد أيامهم كبارونات، لكنهم لم يتمكنوا من تجنب ثرثرة الناس.
“مهما كانت الظروف قاسية، فالعمل كمرتزقة… لا يمكن تصديقه كان ينبغي عليهم الاعتماد على أقاربهم.”
“يبدو أن الأقارب أيضًا تخلوا عنهم، لذا لم يكن هناك خيار. لكن أن يصبحوا مرتزقة…”
“على أي حال، إنهم أبطال حققوا إنجازًا رائعًا بالقبض على ملك القراصنة كويزان النهاية السعيدة هي كل ما يهم.”
لم تكن الأحاديث تدور فقط حول زوجي روبين.
“أين الابنة الثانية؟ كنتُ فضوليًّا بشأن تلك الفتاة.”
“ماذا، وقعتَ في حبها؟”
“ماذا تقول؟ تبدو لطيفة على أي حال وعمرها مناسب تمامًا، والارتباط بآل روبين سيكون مربحًا بأي شكل.”
“ماذا عن الأخت الكبرى؟”
“إنها كبيرة في السن جدًّا!”
كان الرجال يقهقهون ويستهزئون بريبيكا.
“لو كنت مكانها، لكنتُ أخجل حتى من الظهور.”
“أن تبلغ هذا العمر دون زواج وتصبح مدرسة منزلية… إنه عارٌ على العائلة حقًّا…”
لم يتمكن الرجل من إكمال كلامه.
لأنه فجأة فقد توازنه وكاد أن يرتطم بمؤخرة رأسه بالطاولة بقوة.
لحسن الحظ، استعاد توازنه في اللحظة الأخيرة، لكن من حوله كانوا يسخرون منه بالفعل ويقهقهون.
“ألم تشرب أكثر من اللازم يا صديقي؟”
“لقد رشفتُ جرعةً واحدةً فحسب. منذ متى صار تقديرك للشراب بهذا الضعف؟”
“كأنك طفلٌ رضيع.”
“ليس هذا!”
صاح الرجل الذي كاد أن يسقط، ووجهه محمر.
“شيءٌ ما، عرقل قدمي!”
نظر إلى الأسفل بحثًا عن دليل، لكنه لم يرَ شيئًا.
“كان هناك شيء حقًّا…!”
لو لم يكن ينظر إلى الأسفل فقط، لكان لاحظ نظرات الرجل ذي الشعر الأحمر الذي كان يحدق فيه.
ولكن عندما رفع الرجل رأسه مرة أخرى، كان الرجل ذو الشعر الأحمر… أي روبرت شيرين، قد غادر مكانه بالفعل ويتجه بهدوء نحو وجهته.
بالطبع، نحو ريبيكا روبين.
عندما رأى صديقته القديمة التي انقطعتْ أخبارها منذ زمن، بدأ قلبه يخفق.
كانت ريبيكا روبين تشرب النبيذ وحدها، بعيدةً عن والديها.
كانت ترتدي فستانًا أزرقَ غامقًا، يتناغم مع ملامحها الساخرة ليشعِر بجوٍّ متعجرف.
أخفى روبرت يديه المرتعشتين بسبب توتره الشديد، ثم سلَّم عليها.
“مرّ وقت طويل، ريبيكا.”
رمشتْ ريبيكا عينيها عدة مرات.
بدا وكأنها تحاول التفكير: من هذا الذي يقترب منها بهذه الألفة؟
وسرعان ما وجدتِ الإجابة بسهولة.
“…روب؟”
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 62"