من وجهة نظر أيريس، كان أكثر ما يحتاجه آرِن الآن هو التعبير عن رغباته أمام الآخرين.
“سيَكتَسِب الآداب أثناء حياته لكن يبدو أنه بحاجة إلى تعلُّم كيفية الاختلاط بالآخرين قبل ذلك.”
“…لم أسبق لي أن علَّمت أحداً من قبل.”
“ستُجيدين ذلك يا أختي.”
ابتسمت أيريس ابتسامةً عابرة.
“فأنتِ أفضل مُعلِّمة خصوصية في الإمبراطوريّة.”
“كلام غير معقول…”
هزَّت ريبيكا رأسها يميناً ويساراً، لكنها لم تستطع كتم ابتسامة باهتة انسابت على محياها.
انهمرت جالسةً على الكرسي ونظرت إلى أيريس.
“إذاً، دعيني أُلخِّص الأمر لديَّ ثلاثة أشهر، وخلالها يجب أن أحوِّل ذلك التنين الصغير المشاكس إلى سيِّدٍ مهذَّب لا يبثُّ النيران أمام الناس، أليس كذلك؟”
غطَّت أيريس في التفكير لبرهة.
“حقيقةً، منذ أن اتخذ شكلاً بشرياً، لم يُظهر عدائيةً أو يبثَّ نيراناً تجاه أحد لكن المشكلة أنه يرفض التحدُّث أصلاً…”
لقد حاولت عدَّة مرات، لكن الذين يتحدَّث معهم آرِن هم فقط أيريس وأليكسون وميريام.
وحتى مع ميريام، نادراً ما كان يخوض حديثاً طويلاً.
غاصت ريبيكا في التفكير.
“إذا المشكلة في المهارات الاجتماعيّة.”
“لا مفرَّ من ذلك. فهو لم يختلط بالآخرين بشكل سليم من قبل.”
رفعت ريبيكا رأسها فجأة.
لقد عاد أخيراً إلى وجهها التعبير الواثق المميز لها.
“إذاً يجب أن نبدأ من ذلك.”
“مِن ماذا؟”
“من الاختلاط بالناس.”
تابعت ريبيكا حديثها وكأنها غارقة في التفكير.
“نحتاج إلى أشخاصٍ آخرين غيري أشخاص ليس لآرِن معرفة سابقة بهم وبالطبع يجب أن يكونوا أشخاصاً يمكن الوثوق بهم.”
أومأت أيريس برأسها.
“يمكننا البحث بين الخدم. فالمشرف على الخدم يعرفهم أفضل مني بكثير… سأتحدَّث معه لاحقاً.”
يبدو أن ريبيكا تعتقد أنه يجب تعريض آرِن للكثير من الغرباء.
‘ليس ذلك فكرة سيئة.’
لكن أيريس سَتَدرِك بعد أيام قليلة فقط كم كان ذلك التفكير وهمياً كبيراً.
فريبيكا أصرَّت على أن يلتقي آرِن بالغرباء في مكان تخلو منه أيريس وأليكسون، وحتى ميريام.
“بدوني وبدون أليكسون أيضاً؟! ما الذي تفكرين فيه حقاً يا أختي؟”
“ألم تقولي إنه لا يُظهر عدوانيّة؟”
“…لا أعلم.”
“وألم تقولي إنه لن يعود إلى هيئة التنين قبل أن يبلغ؟ الإفراط في حمايته ليس جيداً أيضاً يا أيريس.”
ابتلعت أيريس ريقها الجاف.
صحيح أنها افترقت عن آرِن من قبل، لكنها كانت دائمة التأكُّد من وجوده بأمان في الغرفة قبل أن تخرج بمفردها لفترة قصيرة.
“لكن مع ذلك…”
“أيريس.”
نظرت إليها ريبيكا بنظرةٍ مشفقة.
“لا يمكنكِ أن تعيشي هكذا طوال حياتك.”
“……”
“لا تعرفين كم من الوقت سيكون عليكِ قضاؤه مع آرِن في المستقبل. ربما طوال حياتك… أيمكنكِ قضاء ذلك الوقت وهو يتبعكِ أينما ذهبتِ؟”
عضَّت أيريس على شفتيها.
‘ريبيكا محقة. لكن…’
آرِن ما يزال صغيراً جداً.
أهذا وقت مناسب لبدء تدريبه على الانفصال عنها؟
أطلقت ريبيكا تنهيدة.
فقد رأت أفكار أختها بوضوح.
“أيريس، حتى الآباء الذين يربُّون أبناءهم يقضون أوقاتاً طويلة منفصلين عنهم بل إن الوقت الذي يقضونه مع أطفالهم خلال اليوم قليل جداً.”
“… وضعي مختلف.”
“نعم.”
وافقتها ريبيكا الرأي.
“ولكن لهذا السبب بالذات، يجب أن يكون منفصلاً أكثر.”
“حتى ميريام على الأقل…”
“لا.”
قالت ريبيكا بحزم لأيريس التي ما تزال قلقة.
“سأسمح لكِ بالنظر من النافذة لكن ليس أكثر من ذلك. واضح؟”
***
كانت متطلبات ريبيكا بسيطة.
مكان آمن ومريح.
خمس ألعاب جديدة.
بعض المأكولات الخفيفة التي يحبُّها عادةً.
وأخيراً، بعض الخدم الموثوقين الذين لم يلتقوا بآرِن من قبل.
‘… هل سيكون الأمر على ما يرام حقاً؟’
نظرت أيريس من النافذة بقلقٍ وحذر.
لم تكن الأصوات تصل بوضوح لأن النافذة والباب كانا مغلقين، لكن بمجرد رؤية تعبير وجه آرِن، يمكنها فهم الموقف.
مدَّت ريبيكا نحو آرِن دمية عصفور كانت ترتديها على إصبعها.
عندما مدَّ آرِن يده ليأخذها بدافع الفضول، حرَّكت ريبيكا أجنحة العصفور مُقلِّدةً حركة الطيران وهربت به.
ضحك آرِن ضحكةً مكتومة وصفق.
“إنه… يلعب جيداً.”
هوَّست أيريس.
كان قلقها لا موجب له، ف آرِن كان يلعب جيداً.
بدا أحياناً وكأنه يبحث عن أيريس، لكن بمجرد أن حوَّلت ريبيكا انتباهه بطعام ما، نسي الأمر.
نهضت ريبيكا وأعطت اللعبة لأقرب خادمة لها، وجعلتها تلعب مع آرِن.
في البداية، بدا آرِن مرتبكاً وهرب إلى ريبيكا.
جَفَّ فمها.
ربما كان سبب انسجام آرِن مع ريبيكا هو أنها تشبه أيريس.
لكن…
بعد أن هدَّأت ريبيكا من روعه، بدأ آرِن بالاقتراب ببطء من الشخص الجديد، وأمسك باللعبة وبدأ باللعب.
وهكذا مرت ساعة.
كان استنتاج ريبيكا بعد انتهاء “الجلسة التعليمية” بسيطاً.
“إنه طفل مطيع.”
“……”
“ماذا، هل شعرتِ بالإرباك لأنكِ رأيتيه يعيش بشكل جيد في غيابك؟”
وكعادتها، أصابت كبد الحقيقة.
“نعم…”
اعترفت أيريس.
وفي الوقت نفسه، شعرت بتأنيب الضمير.
‘ربما كنتُ أعيق آرِن من أن يصبح مستقلاً عني.’
ابتسمت ريبيكا كما لو كانت تقول لها لا تقلقي.
“لا تبالغي في التفكير. إنه ما يزال صغيراً. وسيتعلَّم بسرعة أيضاً.”
بدلاً من الرد، فتحت أيريس الباب.
فقد انتهت الجلسة التعليمية، وأصبح بإمكانها الآن مقابلة آرِن.
“ماما!”
ركض آرِن نحو أيريس.
كلما ركض الطفل، تأرجح ذيله مبدياً سعادته.
كانت طريقة تعلُّقه بحاشية ثوب أيريس لا تختلف عن عندما كان تنيناً، فانفرجت شفتاها عن ابتسامة لا إرادية.
“أمضيت وقتاً ممتعاً؟”
“نعم!”
أومأ آرِن برأسه بحماس.
“كنت خائفاً في البداية… لكن لأن ماما كانت تنظر، لم أكن خائفاً أبداً!”
يا إلهي.
نظرت أيريس خلسة إلى ريبيكا.
ما تزال مبتسمة، لكن من السهل تخمين ما يدور في داخلها.
‘في المرة القادمة لن تسمح لي حتى بالنظر من النافذة.’
لكن هذا شأن المستقبل.
الآن، أرادت أن تمدح آرِن وتقول له إنه كان شجاعاً.
” أحسنتَ حقاً افعل ذلك دائماً في المرات القادمة. واضح؟”
“نعم!”
ابتسم آرِن ابتسامةً عريضة وبَسَط ذراعيه كما لو كان يطلب أن تحمله، فرفعته أيريس على الفور.
تذمرت ريبيكا لكنها لم تقل شيئاً، وسارت بجانب أختها.
تطلَّعت إلى تنينها الصغير الذي كان يُعتبر حتى وقت قريب مصدر إزعاج يقيِّد أختها، أما الآن فتراه مجرد تلميذ مطيع.
***
كان يوماً عادياً كأي يوم.
حتى جاء أليكسيون بأخبار كالصاعقة.
“جاء اتصال من القصر الإمبراطوري. سيتم منح وسام الكوكب الذهبي أخيراً للزوجين روبين.”
“…!”
اتسعت عينا أيريس وريبيكا.
كان أليكسيون قد ذكر سابقاً أن لديهما إنجازات تستحق وسام الكوكب الذهبي.
لكنها اعتقدت حينها أنه مجرد ثناء…
“سيُعقد حفل تسليم الأوسمة فوسام الكوكب الذهبي يُمنَح مرة كل عشر سنوات.”
نظر إليها مباشرة.
“وقد قالوا إنه يجب على الأبناء المشاركة حتماً.”
أومأت أيريس برأسها.
فمراسم تسليم وسام الكوكب الذهبي هي مناسبة كبيرة تُعقد في القصر الإمبراطوري.
حتى حفل التسليم الجماعي السنوي يُقام ببذخ، فما بالك بحفل تسليم أول وسام كوكب ذهبي منذ عشر سنوات، لا يمكنها حتى تخيِّل مدى ضخامته.
“متى سيعقد؟”
“بعد أسبوعين.”
قطَّبت أيريس جبينها.
ففترة التحضير أضيق مما توقعت.
“لا أعرف إذا كان آرِن سيقضي يوماً من دوني بخير… سيتوجَّب عليَّ الانصراف في منتصف الحفل.”
التعليقات لهذا الفصل " 57"