كان ردُّ فعل كونغ على اعتذاره غيرَ متوقَّع.
فقد قفز فجأة وجلسَ متعلِّقًا على ركبة أليكسيون.
“……!”
اندهش أليكسيون لكنه لم يُظهر ذلك بوضوح، وأجلَسَ كونغ في وضعٍ مُستقرّ.
“…لَيس خَطئ.”
صحَّح كونغ كلامَه على الفور، أي لفظَه.
“ليس خَطأً.”
ابتسم أليكسيون ابتسامةً مُرَّة.
“شكرًا لك لأنك تعتقدين ذلك.”
“كان. ليس خَطأ. إنسان سَيِّء.”
حدَّق أليكسيون في كونغ دون أن يشعر بأي نَفورٍ يذكر.
“ألا أزال إنسانًا سيِّئًا؟”
“لا. أليكسيون. إنسان جَيِّد.”
“…….”
تلكَّم أليكسيون كما لو أن مشاعره كانت تفيض، ثم أطبَق فمه بعد لحظة.
ولمعت مرة أخرى رطوبةٌ خفيفة عند محجر عينيه، تتلألأ كالألماس.
تظاهرت آيريس بعدم الرؤية.
يبدو أن أليكسيون لا يحبُّ أن يَرى الآخرون جانبَه الضعيف.
نادى أليكسيون على كونغ ببطءٍ شديد.
“كونغ.”
“نعم؟”
رفع كونغ رأسه قليلًا وحدَّق مباشرةً في أليكسيون.
وكأنه يسأل لماذا ناداه.
بانسيابيةٍ وثقة.
“…….”
عندما بدأت أكتاف أليكسيون المرتعشة بالارتجاف من شدة التأثر، حوَّلت آيريس نظرها.
كانت هذه لحظتهما الخاصَّة الآن.
تراجعت إلى الخلف قليلًا والتقت عيناها بعيني ميريام.
نظرت ميريام أيضًا إلى أليكسيون بعينين مذهولتين، ثم نظرت إلى آيريس وابتسمت على مِرٍّ وسَعَة.
وكأنها تقول: “كلُّ هذا بفضلكِ، آنستي إيريس!”
لم تعرف آيريس كيف عليها أن تتلقَّف هذا الموقف.
لقد حُلَّ سوء التفاهم بين أليكسيون وكونغ بأسلوبٍ وديّ. وهذا بلا شك أمرٌ يبعث على السرور.
لكن كونغ خاض تجارب مُريعة تركَت أثرًا في قلبه إلى هذا الحد، وإذا كان كارفيان هو مَن قادها من البداية…
فلماذا لم يُبدِ كونغ أيَّ ردِّ فعل رفض عندما قابلَه في المعرض أو بعد ذلك؟
وكيف لنَشَءٍ كان طيبًا إلى هذا الحد في الماضي أن يصبح…
انتظرت إيريس حتى استوعب أليكسيون مشاعره، ثم وجَّهت حديثًا لطيفًا إلى كونغ.
“كونغ، هل تَلعبُ قليلًا؟”
“قَليل؟”
“ثلاثين دقيقة.”
“وكم هي؟”
“هذا يعني أن تعدَّ من واحد إلى ستين، ثلاثين مرة.”
قطَّب كونغ جبينه.
“صَعب.”
“صعب، لكنك تستطيع. ميريام، هل تُساعدينني؟”
“سأعدُّ مع الصغير كونغ! عودي سريعًا.”
أومأت ميريام بعينها نحو آيريس واقتربت من كونغ.
تذمَّر كونغ، لكنه التصق بها كما لو أن لمساتها مألوفةٌ لديه أيضًا.
“أوه.”
همست ميريام مندهشة.
“الصغير كونغ، أثقل مما كنت أتخيَّل.”
“أنا لَسْتُ ثَقيل!”
“بل أنت ثقيل. لكن الثِّقَلَ أمرٌ جيِّد، لذا يجب أن تأكل كثيرًا من دون أن تفوِّت الوجبات لتنمو بسرعة أتفهم؟”
غادَرَت إيريس الغرفة مع أليكسيون وهي مُطمئنة.
وقفا في الرواق الفارغ يلتقطان أنفاسهما بصمتٍ للحظة.
نظرت آيريس إلى أليكسيون بنظرةٍ خاطفة… فالتقت عيناه بعينيها فجأة.
أليكسيون بمَحاجر عينين محمرَّتين بوضوح.
“…….”
“…….”
كانت إيريس هي مَن تحدثت أولًا.
“…هل حقًّا استخدم كارفيان كونغ كفأر تجارب؟”
في الحقيقة، كان هذا تأكيدًا من أليكسيون، لكنها أرادت أن تسأل مرة أخرى.
فربما لم يكن الأمر كذلك.
لأنها كانت تأمل ألا يكون الفتى الذي أنقذها قد نشأ ليصبح كائنًا شريرًا إلى هذا الحد.
جاء ردُّ أليكسيون ببطء:
“لا أعرف كمَّ القوة التي كان يمتلكها كارفيان لكن المؤكد أنه لم يؤذِه مباشرةً يبدو أن كونغ يتذكَّر من آذَوه.”
ابتسم أليكسيون ابتسامةً مُرَّة.
“وكنتُ أنا أحدهم.”
شعرت آيريس ببعض الراحة.
على الأقل… لم يؤذِ كارفيان كونغ مباشرةً.
لكن عندما فكرت في أن سيد البرج نفسه قد يكون هو مَن أصدر الأوامر، شعرت بالغثيان.
حاولت آيريس ألا تظهر ذلك وقدَّمت له مواساة:
“…لكن على أي حال، من الجيد أن سوء تفاهم كونغ قد زال اليوم.”
“هل تعتقدين؟”
همس أليكسيون بمرارة.
لم يكن على وجهه أيُّ فرحٍ أو حماسٍ كما توقعت آيريس.
“فكَّرت أحيانًا ألا أستحقُّ مثل هذه المعاملة؟ تركتُ التنين في ذلك الجحيم، أليس من الطبيعي أن يكرهني؟”
“لكنك لم تتركه هناك لأنك أردتَ ذلك.”
التوى فم أليكسيون.
“يمكن قول ذلك لكن لو بذلتُ قصارى جهدي حقًّا، لكنت ذهبتُ للاطمئنان عليه وسرقته بالقوة منذ البداية.”
“…….”
“عندما رأيت البيضة، شعرت. آه، هذا… سيتألَّم بدوني مثلي.”
اتسعت عينا آيريس.
‘مثلي’؟
رفعت رأسها فجأة والتقت عينيها بعيني أليكسيون.
في عينيه الحمراوين، كانت مشاعر معقدة تتلاطم أكثر من المعتاد.
ليست غضبًا أو ازدراءً… بل حزن؟ أو شعورٌ بالذنب؟
“…هل حدث لك شيء؟”
ندمت آيريس على سؤالها هذا فور نطقها به.
لأن وجه أليكسيون تصلَّب على الفور.
ليس لأنه يريد الغضب، بل كما لو أنه ارتدى قناعًا من الجص.
“…حديثٌ لن تجدي فائدةً من سماعه.”
ابتلعت آيريس ريقها الجاف.
الآن، كان أليكسيون يتحدث كما لو كان يخاطب غريبًا.
وهذه الحقيقة… آلمَتْها بشدة.
“أنا آسفة.”
اعتذرت آيريس بحذر.
“لم أكن أقصد أن أذكِّرك بذكريات سيئة.”
“ليس عليكِ ذلك.”
ارتخى وجه أليكسيون قليلًا جدًّا.
وبصدق، كما لو كان يعتذر لها عن قسوته السابقة، قال:
“إنه مجرد حديث عن كابوس سخيف أحلم دائمًا بأنني محبوسٌ في مكانٍ ما، ولا أستطيع إنقاذ الشخص الذي يجب إنقاذه.”
“…….”
“أليس هذا مضحكًا؟ أمرٌ لم أختبره أبدًا في الواقع، لكنه يؤثر فيّ إلى هذا الحد.”
هزَّت إيريس رأسها.
“كلَّا.”
كان الأمر غريبًا.
لا سبب للبكاء، لكنها شعرت أن الدموع ستذرف.
“ليس مضحكًا أبدًا أنت تحلم بهذا الكابوس باستمرار. ولتجنبه، أنت بحاجةٍ إلى الشيء الذي أصنعه.”
“…هل كان واضحًا إلى هذا الحد؟”
كان تعبير وجه أليكسيون كمن اكتشف أمرًا.
“حتى لو كنتُ أنا، لو حلمتُ بمثل هذا الكابوس كل يوم لكنتُ سأجن أنا أحلم أحيانًا نادرة بكابوسٍ كهذا. وهذا بحدِّ ذاته مؤلمٌ جدًّا… لقد صبرتَ جيدًا.”
حاولت آيريس الابتسام بعد أن أنهت كلامها.
“وسأصنع لك الشيء الذي يمنع الكوابيس في أي وقت. فقط أخبرني!”
لم ينطق أليكسيون بأي كلمةٍ للحظة.
انزلق نظره من عيني آيريس إلى أنفها، ثم إلى فمها.
شعرت إيريس ببعض الإحراج وحاولت تجنب نظره.
في هذا الرواق المقفر، لم يكن هناك شيءٌ يصرف النظر.
“…وبخصوص الاسم.”
قال أليكسيون وهو يسعل سعالةً جافة.
“كما قلتَ سابقًا، يمكننا… أن نختار له اسمًا، أليس كذلك؟”
أومأت آيريس برأسها بسرعة.
“نعم. هل فكَّرت في شيءٍ ما؟”
“ليس بالتحديد. لكن…”
أمال رأسه قليلًا.
“ماذا قلتي سابقًا؟ اسمٌ لطيفٌ ودافئ، أليس كذلك؟”
“تتذكَّر.”
ابتسمت آيريس.
من كان ليعرف أن لأليكسيون جانبًا دقيقًا كهذا.
“فكَّرت في أن نسميه باسم ألطف وأدفأ شخصٍ أعرفه.”
“ومن يكون؟”
نظر أليكسيون إليها.
بل، هل يمكن وصف هذا بأنه ‘نظر’؟
نظرة أليكسيون المتجهة إليها كانت، كأنها…
‘كشمس الصيف الحارقة’.
وكأنها لا تريد ترك أي ظل، نظرةٌ تضيء كلَّ أعصابها.
“إنها أنتِ، إيريس.”
اتسعت عينا إيريس إلى أقصى حدٍّ ممكن.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 54"