***
أخذت آيريس تقرأ تلك الرسالة القصيرة مرارًا وتكرارًا.
لم تستطع تصديق ما تراه.
“… كيف….. كيف يجرؤ على فعل هذا؟!”
لطالما أدركت أن هدف كارفيان لم يكن كونغ قط.
لكنها لم تكن تتوقع أنه سيصل إلى هذا الحد.
لسبب ما، كان كارفيان يتذكر أنها هي من أنقذته في الماضي.
وهذا يعني أن……
“هذا فخٌ لاحتجازي.”
أسرعت آيريس إلى غرفة المعيشة على الفور.
بالطبع، قصد كارفيان ألا تُعلم أليكسيون، لكن آيريس لم تكن بهذا القدر من الغباء.
“إذا ذهبتُ للقائه دون إخبار أليكسيون، سأقع تمامًا تحت سيطرة كارفيان.”
أصبح وجه أليكسيون، بعد قراءة الرسالة، غاية في الجدية.
قالت آيريس وهي تعاني من ألمٍ شديد:
“لماذا… كونغ؟! لو كان عليه خطف أحد، فليخطفني أنا. أليس من جبنٍ أن يأخذ كونغ الصغير؟”
“لأنها الطريقة الأكثر فعالية لتحريكك.”
أجاب أليكسيون ببرود.
على النقيض من صوته الخالي من المشاعر، كانت عيناه الحمراوتان متوهجتين بغضبٍ كافٍ لحرق إنسانٍ بسهولة.
غطت آيريس وجهها بكفيها.
“لم يكن هناك ضرورةٌ للوصول إلى هذا الحد.”
على الأرجح، لو طلب كارفيان زيارتها بلطفٍ وبخطابٍ مهذب، لذهبت إلى البرج السحري.
على أي حال، كانت مدينةً له.
لأنها توقعت أن تكون تلك طريقة الصبي الذي تتذكره.
ولأنها أرادت سداد ذلك الدَّين من الماضي الذي ثقل كاهلها طوال هذه المدة….
لكن كارفيان اختطف كونغ.
بل واشترط أن تأتي وحدها.
مع وجود العديد من الخيارات المعتدلة، اختار كارفيان طريق التهديد.
في النهاية، لم يكن أمام آيريس خيارٌ سوى إخبار أليكسيون بهذا الأمر وطلب مساعدته.
تمتمت آيريس بوجهٍ ذاهل:
“عليَّ الذهاب.”
“يمكنني الذهاب وحدي.”
“المسألة ليست بهذه البساطة.”
هزت آيريس رأسها.
“ما يريده سيد البرج هو أنا. إذا ذهبتُ، سيتمكن كونغ من الخروج دون مشاكل ولكن إذا ذهبتَ أنت، يا أليكسيون……”
لم تكمل إيريس حديثها.
كانت تلك توقعات لم ترغب في التلفظ بها.
أليكسيون أيضًا لم يعترض.
بدلًا من ذلك، سأل:
“إذاً، ماذا عنكِ؟”
“أنا……”
ابتلعت آيريس ريقها الجاف.
“أنا… أعرف ماذا يريد مني سيد البرج.”
“… وماذا يريد؟”
“قابلتُ سيد البرج عندما كنا صغارًا. أعتقد أنه يريد مني… أن أسترجع ذكرى تلك الفترة.”
“أحقًا، هل هذا كل شيء؟”
بدا من نظرة أليكسيون أنه يعتقد أن نوايا كارفيان ليست بهذه البساطة كما تظن آيريس.
“لا أعرف بالضبط.”
أجابت بصراحة.
“لكن من الصحيح أنه ظل يتحدث عن الماضي.”
ازداد شك أليكسيون عمقًا.
“كارفيان سول هو شخصٌ عاش محبوسًا في البرج السحري منذ طفولته المبكرة جدًا. كيف تسنى له أن يلتقي بابنة الكونت روبين الصغرى؟”
“كنا صغارًا جدًا لقد كنتُ أنسى الأمر أيضًا وأعيش حياتي.”
لم ترغب آيريس في إخراج ذكريات الماضي المؤسفة وتفصيلها.
بدا أن أليكسيون أدرك مشاعرها، فأطلق تنهيدة.
“إذا كان هذا صحيحًا… فلن يحدث شيءٌ سيء على الأرجح لكن لا يمكنك الذهاب وحدك.”
“لكن إذا لم أذهب وحدي، لن يسمح لكونغ بالمغادرة.”
التوى طرف فم أليكسيون.
“اتركي لي مهمة خداعه بهذا القدر.”
***
نظرت آيريس إلى البرج السحري وأخذت نفسًا عميقًا.
لا بد أن أليكسيون يتبعها من مكانٍ غير مرئي.
مجرد التفكير في ذلك منحها بعض الطمأنينة، ولكن في نفس الوقت زاد من قلقها.
فبغض النظر عن مدى قوته، لن يتمكن من إظهار كامل قوته داخل البرج السحري.
‘يجب ألا أخلق موقفًا يضطره للتدخل.’
استعادة كونغ، وإجراء حوار عقلاني مع كارفيان، ثم العودة سالمة.
كان هذا هو أفضل سيناريو تتخيله آيريس.
بالطبع، قد تسوء الأمور.
لكن في هذه الحالة….على الأقل، سيمكن إنقاذ كونغ.
انفتح الباب الرئيسي للبرج بمجرد اقترابها.
نظرت آيريس مندهشة إلى داخل الباب.
لم يكن هناك حارسٌ على الإطلاق، كل ما رأته كان درجًا يصعد إلى الأعلى بلا نهاية.
أمسكت آيريس بحافة تنورتها وبدأت صعود الدرج.
لحسن الحظ، بعد صعود حوالي ثلاثة طوابق، انتهى الدرج وظهر باب عادي.
هذه المرة أيضًا، انفتح الباب قبل أن تلمس مقبضه.
“أهلاً وسهلًا.”
ابتسم كارفيان سول لها بحنان وهو ينظر إليها من الأعلى.
عندما تذكرت ذلك الصبي من الماضي، لم يبدُ مخيفًا كما كان من قبل، لكنها مع ذلك لم تستطع أن تنفتح عليه بسهولة.
سحبت آيريس قدميها غير الراغبتين ودخلت إلى الداخل.
بدت غرفة كارفيان، التي يبدو أنها مختبره، عادية جدًا باستثناء امتلائها بقوارير متنوعة ومواد من كل نوع.
أجلسها على الأريكة وسألها:
“هل ترغبين في شرابٍ ما؟ شاي؟ قهوة؟”
“…لا، شكرًا.”
ليس هناك حماقة أكبر من أن تشرب بسرعة مشروبًا يقدمه سيد البرج السحري.
“أنا هنا فقط لأخذ كونغ.”
ضحك كارفيان بخفة.
“سأعيد ذلك الصغير إليكِ بعد انتهاء حديثنا، فلا تقلقي.”
نظرت إليه آيريس في حيرةٍ واستغراب.
لقد جاءت إلى هنا لاستعادة كونغ، وهو يقول لها ألا تقلق!
“أين هو؟”
“في الغرفة المجاورة.”
حاولت آيريس النهوض، فمنعها كارفيان.
“لا تتسرعي، لنتحدث قليلًا.”
ابتلعت آيريس ريقها الجاف.
كان كارفيان يتصرف بلطفٍ ورجولة شديدين، لكنه كان شخصًا قد ينقلب في أي لحظة.
“….ماذا تريد أن نتحدث عنه؟”
“عن الحديث الذي لم نكمله بسبب تدخل الدوق تيت.”
رسم طرف فم كارفيان خطًا ناعمًا، لكن عينيه لم تبتسما على الإطلاق.
بل بدتا متوهجتين بالشغف، مما جعل آيريس تشعر بالقشعريرة.
“لم تدركي كم بحثتُ عنكِ طوال هذه المدة…الآن، بعد أن وجدتكِ أخيرًا، كيف لي أن أراقب وأنتِ محبوسةٌ في منزل الدوق؟”
“كنت…تبحث عني طوال الوقت؟”
بدأ قلبها ينبض بجنون.
حتى الآن، ظنت آيريس أن “ذلك الصبي” قد مات.
ولكن، إذا كان لا يزال يبحث عنها طوال الوقت…
“آري.”
نادى كارفيان عليها بصوتٍ عذب.
“آري، أتذكرين؟ لقد أنقذتيني من ذلك الجحيم لو لم تكوني أنت، ما كنتُ صبرتُ يومًا واحدًا…”
فتحت آيريس عينيها على مصراعيهما ونظرت إليه.
‘… لا أتذكر.’
لا أتذكر أنني دعيتُ “آري”، ولا أتذكر أنني أنقذت صبيًا بعينين ذهبيتين.
كل ما تتذكره عن ذلك الصبي هو الحلم القصير الذي رأته منذ فترة.
بعيدٌ كل البعد عن التعبير الدرامي “أنقذته”.
“لا أتذكر.”
“لا بأس.”
تقدم كارفيان خطوةً نحوها.
نظر إليها بنظرةٍ غامضة بينما لعق شفتيه.
“إذا بقيتِ بجانبي، ستتذكرين يومًا ما.”
تأرجحت آيريس.
كان لكلام كارفيان منطقٌ واضح.
“إذاً، لن أحتاج إلى تقييدك لأنكِ ستختارين البقاء بجانبي من تلقاء نفسك.”
“…سيد البرج.”
“كارفيان، هلا ناديتِني بذلك؟”
توسل كارفيان بصوتٍ مليء بالشجن.
“إنه الاسم الذي أطلقتهِ عليَّ بنفسك.”
“ماذا تقصد……”
تلكأت إيريس في كلامها.
مهما كانت تتوقع، لم يكن هذا ما تصورت.
“أنا من أعطيتك هذا الاسم؟”
“نعم، آري.”
أجاب كارفيان بخنوع.
“سمعتُ أن كارفيان هو الأمير من حكايتكِ المفضلة. إنه اسمٌ جميلٌ أكثر مما أستحق.”
“……!”
اتسعت عينا آيريس.
هذا صحيح.
كان عنوان كتاب الحكايات المفضل لديها في طفولتها هو “الأمير كارفيان”.
إذا كانت قد أطلقت هذا الاسم على شخصٍ ما، لتذكرت ذلك بالتأكيد.
لكن……
لقد نسيت آيريس كل ذكرياتها عن “الاختطاف”، بوعيٍ وبلا وعي.
‘لأن اللحظة الوحيدة التي بقيت في ذاكرتي بوضوح هي تلك التي أنقذني فيها الصبي ربما نسيتُ كل شيءٍ آخر.’
ابتلعت إيريس ريقها الجاف.
حقًا…هل كل ما يقوله كارفيان هو الحقيقة؟
على الأقل، في الوقت الحالي، لم تستطع أن تقول “لا”.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 49"