***
في غرفة ضيقة حالكة السواد، بلا نوافذ، لا ينفذ منها شعاع نور سوى خيوط ضوئية خافتة تتسرب من السقف.
في وسط تلك الغرفة، رَمْشَت آيريس.
“…إنه حلم.”
أدركت ذلك على الفور.
لا بد أن هذا المكان حلم.
لأن…
“إنه ما عشته أنا.”
نظرت إلى يديها فوجدتهما صغيرتين كأنهما يدا طفلة.
من مكان بعيد، سمعت صوت صرخة.
ارتعدت آيريس وانتزعت جسمها.
“أخ… أخاف…”
مع أنها تعرف أنه حلم، لكنها لم تستطع السيطرة على جسدها المرتعد.
“أريد أن أستيقظ.”
عضت آيريس لسانها وحاولت جاهدة أن تستيقظ من النوم.
لكن الحلم استمر يصبح أكثر وأكثر وضوحًا.
انفتح الباب الحديدي الثقيل بصوت مروع.
ومن بين شق الباب، برز وجه لن تنساه أبدًا، مهما حاولت.
رجل بشعر رمادي فضي وعينين رماديتين فضيَّتين، أشبه بتمثال متحرك أكثر منه إنسانًا.
“لقد استيقظتِ.”
خرجت الكلمات مصحوبة بصوت هسهسة من شفتيه المتشققتين.
“……”
انكمش جسد آيريس أكثر.
كانت تعرف جيدًا ما الذي سيحدث بعد ذلك.
“هيا.”
لم تقاوم آيريس.
لأنها تكره أكثر أن يسحَبَها قسرًا.
نهضت من مكانها في هدوء وتبعَت الرجل عبر ممر طويل.
في نهاية الممر الطويل، كانت هناك غرفة صغيرة يتسرب منها النور.
“أتعرفين ما يجب فعله؟”
أومأت آيريس برأسها بصعوبة، ثم دخلت الغرفة.
في وسط غرفة كانت أوسع بكثير من غرفتها ومجهزة جيدًا بالأثاث، كان هناك صبي مستلقٍ بشكل مستقيم.
كانت حبات خرز صغيرة تتدحرج حول الصبي، مما اضطرها للانتباه كي لا تطأ عليها.
ما إن أحس بوجودها حتى نهض الصبي فجأة من مكانه وتقدّم نحوها.
انهمرت الحبات من جسد الصبي وتدفقت باتجاه آيريس.
تراجعت آيريس إلى الوراء، لكنها لم تعد قادرة على تجنب الصبي لأن الباب كان قد أُغلق بالفعل.
“آه، هذا مؤلم!”
هاجمت الحبات قدميها بتزامن مع حركة الصبي.
تراجعت آيريس للخلف قدر استطاعتها.
شعرت ببرودة قادمة من الحائط الذي لامس ظهرها.
تألقت عينا الصبي الذهبيتان المليئتان بالعداء.
“أنتِ مرة أخرى؟”
في تلك اللحظة، استيقظت آيريس من النوم.
كانت آيريس تلهث.
نظرت حولها في ذهول فرأت مصيدة الأحلام معلقة عند طرف سريرها.
أمسكت بجبهتها المبللة بالعرق البارد.
“…لماذا حلمت بهذا الحلم؟”
بفضل محاولاتها المستمرة للنسيان، لم يظهر أبدًا في أحلامها.
حتى عندما كانت صغيرة.
لكن، لماذا الآن…!
“لا بد أن السبب هو هذا.”
أمسكت آيريس بمصيدة الأحلام بخشونة وانتزعتها من مكانها.
لقد صنعتها بالتأكيد بنية أن يحظى أليكسيون بنوم هادئ بلا كوابيس، لكن الوقت تأخر كثيرًا عند الانتهاء منها، لذا علقتها عند طرف سريرها ونامت.
هذا كل ما في الأمر.
لكن بدلًا من ذلك، هي من رأت الكابوس.
“لا يجوز أن أقدِّم شيئًا كهذا هدية.”
من الأفضل أن أصنع منديل جيب إضافي بدلًا من ذلك.
أسقطت آيريس مصيدة الأحلام على الأرض.
حتى مجرد الإمساك بها لفترة طويلة كان يُشعرها بالاشمئزاز.
ابتلعت ريقها الجاف ونهضت.
كان الغرفة مضيئة، ويبدو أن ميريام قد نسيت أن تسدل الستائر.
“بل على العكس، هذا حسن.”
حاولت إيريس الحفاظ على هدوئها الداخلي وبدأت تمشي ببطء.
أرادت أن تنظر من النافذة لتتأكد من أن هذا الواقع وليس حلمًا.
وعندما اقتربت من النافذة…
وجدت العالم خارج الزجاج قد تحول كله إلى اللون الأبيض.
السماء، الأشجار، الأرض.
“حتى مساء أمس، لم تكن هناك أي مؤشرات على سقوط الثلج…”
استقبال مشهد تغير بين عشية وضحاها جعل مزاجها غريبًا.
“لا بد أن كونغ سَيدهَش أيضًا.”
نظرت آيريس بهدوء إلى كونغ الذي كان ينام ملفوفًا على نفسه ويتنفس بشدة.
كان شكله لطيفًا لدرجة أنها تمنت أن تعَضَّه، ولم تجرؤ على إيقاظه.
“لا بد أنه كان متعبًا.”
كانت آيريس تشعر بالمثل.
فهي كانت مشغولة بتعليم كونغ الكلام، وصنع مصيدة الأحلام.
…وفوق كل ذلك، برؤيتها لكابوس مريع.
ابتلعت آيريس ريقها الجاف.
“لا بد أنني حلمت به بسبب مصيدة الأحلام فحسب. لم يكن اختياري لها في الأساس بسبب أي معنى سحري لها.”
كان خطأها أن فكرت في قطعة من طقوس دولة أجنبية لا تفهمها حق الفهم، على أنها مجرد رمز.
“لحسن الحظ أنني عرفت ذلك قبل أن أقدِّمها لأليكسيون.”
لو قدمتها هدية وجعلت كوابيسه أكثر سوءًا، لشعرت بالخجل.
وبينما كانت تحاول تهدئة نفسها بتلك الأفكار، نظرت من النافذة بلا وعي لتسدل الستائر مرة أخرى.
“……؟”
حَوَّلَت إيريس نظرها.
كان رجل يمشي ببطء باتجاه قصر الدوق.
رجل يرتدي رداءً فضفاضًا، ويتميز بمشية غريبة لا تترك أثرًا على الثلج، وكان هو…
كما تراه مرارًا، سيد برج السحر، كارفيان سول.
أصابها الذعر.
“هذا غير معقول!”
أسدلت آيريس الستائر بسرعة ثم استدارت واتكأت على الحائط.
كما يفعل الرضيع الذي يظن أن الجميع لا يرونه إذا غطى عينيه، تصرفت وكأن منعه من رؤيتها قد يمنع اقتحامه لها.
بالطبع، كان ذلك عديم الجدوى.
لأنه في الخارج حيث اختارت هي ألا تنظر، كان الصراع بين أليكسيون وكارفيان قد اندلع بالفعل.
***
“كارفيان سول!”
أهكذا يكون الشعور عندما يعميك الغضب؟
نظر أليكسيون تيت إلى سيد برج السحر بنظرة أكثر حدة من أي وقت مضى.
قبل أن يخطو سيد برج السحر، كارفيان سول، حتى إلى المبنى الرئيسي للقصر، تم اكتشافه، لكنه ظل واقفًا في مكانه دون حراك، وكأنه توقع هذا.
ارتسمت على وجهه ابتسامة جافة.
“لقد اكتشفت الأمر أسرع مما توقعت.”
تذمر أليكسيون.
“رائحتك النتنة تصل من على بعد كيلومترات.”
في الحقيقة، هذه كانت المشكلة.
لزيادة حساسيته تجاه كارفيان سول للاستجابة فورًا عند اقتحامه، أصبح يتوتر بشكل مفرط حتى عندما يمر كارفيان على مسافة بعيدة من القصر.
لكن في المقابل، استطاع أن يتصرف بهذه السرعة.
لدرجة أنه استيقظ من نومه العميق على الفور وأسرع إلى هنا.
مال كارفيان برأسه.
“إلى هذا الحد تكرهني؟ هذا محزن، أيها الدوق.”
“أنت…”
“لكن لا تكن عدوانيًا جدًا إذا علمت السيدة فستحزن، أليس كذلك؟”
ضحك أليكسيون ساخرًا.
“بل على العكس، ستسعد. هي أيضًا تكرهك.”
“إذا كنت تريد أن تعتقد ذلك.”
أجاب كارفيان بنعومة، ثم رفع رأسه محدقًا في اتجاه واحد.
وفي نهاية نظره بالضبط، كانت تقع غرفة نوم آيريس.
تملك أليكسيون إلحاح ليفتل رقبة كارفيان.
كيف يتجرأ…!
“لقد أخفيتها بعناية كما لو كانت كنزًا لكن هذا لا يجدي. فليلة أمس…لقد ارتطمت روحي بروح آيريس روبين.”
“أتظن أنني سأصدق هذا الهراء؟”
ضحك أليكسيون ساخرًا.
ها أنا ذا أسمع هذا الهراء أيضًا بعد كل ما حدث.
“إنه مؤكد، أيها الدوق.”
قال بنعومة.
“هل تريد دليلًا؟”
“لا بد أنه دليل مزيف.”
صَفَر أليكسيون ذراعيه.
لقد تعلم من تجاربه المؤلمة الماضية أنه لا ينبغي أن يطيل الحديث مع سيد برج السحر.
“ارحل قبل أن أقطع رقبتك التافهة.”
رد كارفيان سول وكأنه كان ينتظر ذلك.
“عندها سيقطع جلالته رقبتك، أيها الدوق.”
“……”
“أهذا حقًا ما تريده، أيها الدوق؟”
عبس أليكسيون.
كلام كارفيان ليس خاطئًا.
إذا قتله أو أصابه بجروح خطيرة، فسيدفع الثمن.
لكن السؤال هو هل سيختار الإمبراطور خسارة دعامتي الإمبراطورية معًا؟
“…ماذا تريد؟”
ليس اهتمام كارفيان سول بآيريس وليد يوم أو يومين.
حتى بعد أن عاد، حاول عدة مرات الاتصال بها عبر القصر الإمبراطوري.
بالطبع، تصدى أليكسيون في المنتصف وجعل آيريس تجهل الأمر تمامًا.
لكن مجيئه شخصيًا الآن يعني…
مهما كان ما يريده، يبدو أنه لن يتخلى عنه بسهولة.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 46"