كانت ريبيكا تمتلك شَعْراً أشقرَ باهتاً وعينين زرقاوين، تُطلِقانِ انطباعاً أكثرَ برودةً وحِدّةً بكثير من عيني آيريس.
لكن آيريس كانت تعلم.
صحيحٌ أن ريبيكا كانت شخصيةً صلبةً ظاهِراً وباطناً، لكن إن تَمَكَّنتَ من اختراقِ ذلك السورِ الحديديِّ المحيطِ بقلبها، فستجدُ وفاءً لا حدودَ له.
وكانت آيريس واحدةً من القلائلِ الذين نجحوا في اختراقِ ذلك السور.
“أختي الكبرى…”
احتضنت آيريس ريبيكا.
“اشتقتُ إليكِ كثيراً. ماذا عن العمل؟ هل هو يوم إجازتكِ اليوم؟”
ابتسمت ريبيكا ابتسامةً عابرة.
كانت ابتسامتُها المميزة، التي تحملُ شيئاً من المرارة، قد التصقتْ بوجهها كندبةٍ منذ وقتٍ ما.
“تركتُ العمل.”
“حقاً!؟”
ذُهِلَت إيريس.
كانت ريبيكا مُدرِّسةً منزليةً ذائعةَ الصيتِ لِمَهَارَتِها، لذا نادراً ما كانت العائلاتُ التي استأجرَتْها تسمحُ لها بالمغادرة.
‘إذاً، هي التي تركت العمل طواعيةً…’
تدخَّلَ “توماس روبين” بسرعةٍ قائلاً:
“أنا مَن طلبتُ منها ذلك لم تعدْ هناك حاجةٌ لأن تُرهِقَ نفسَها بالعملِ من أجلنا بعد الآن.”
ثم تَابعَتْ هيلين روبين الحديث:
“نعم. في الحقيقة، حتى أنتِ يا آيريس ليس عليكِ العمل… لكنكِ لا تستطيعينَ التوقفَ فوراً، أليس كذلك؟”
“نعم. بسبب كونغ.”
عرضت آيريس كونغ بفخرٍ أمام أسرتها.
“هذه الأيامَ صارَ يفهمُ الكلامَ جيداً.”
“…….”
“…….”
تَبادَلَ الزوجان روبين نظراتٍ ذاتَ دلالة.
كان وجه ريبيكا أيضاً يعبرُ عن رغبةٍ في قولِ الكثير، لكنها اختارتَ إغلاقَ فمها بدلاً من توجيهِ اللومِ إلى آيريس.
“بالإضافة إلى أن الدوقَ يعاملُني بلطفٍ كبير أنا راضيةٌ جداً عن حياتي الحالية.”
“هذا مُطَمْئن.”
أمسكتْ هيلين بيد آيريس.
“تتعبينَ يا ابنتي. لكن لماذا طلبتِ منا الاجتماع اليوم؟”
تألقت عينا إيريس.
“ما زالَ سراً.”
“لا بد أنه سرٌّ مذهلٌ سيُفاجئنا.”
تمتمت ريبيكا.
“وإلا، لما كان هناك سببٌ لِأَنْ أحضرَ أنا أيضاً.”
“أختي… أردتُ فقط رؤيتَك.”
“أحقاً؟ هذا مؤثر.”
كانت نبرة ريبيكا توحي بأن الأمرَ غيرُ مؤثرٍ إطلاقاً، لكن آيريس كانت تعلمُ أن الحقيقةَ غيرُ ذلك.
‘حتى لو كتبتُ أحداثَ اليومِ في مذكراتي، فلن أتفاجأ.’
نهضت آيريس من مكانها وهي تضحكُ بخفّة.
“هل ننطلق الآن؟”
بينما كانت أسرة روبين تستعيدُ لقاءها بعد فترةٍ طويلة، كانت تُجري محادثةً مَرِحةً ومليئةً بالدفءِ حتى وصلتْ إلى البابِ الرئيسي لمقرِّ الدوق.
كما توقعت، كانت هناك عربةٌ تنتظر.
لكن ما خالفَ التوقعاتِ هو أنها لم تكن عربةً واحدة، بل عربتان.
كان وجه توماس روبين شاحباً كأنه على وشك الإغماء.
“صاحبُ السمو الدوق…أتقصدون، سيرافقُنا ؟”
“هناك سببٌ لذلك.”
أجاب أليكسيون بإيجاز.
أومأتْ آيريس برأسها وابتلعتْ ريقها الجاف.
كانت تدركُ أن إجابته غامضة، لكنها لم ترغبْ في التوضيح أكثر.
‘لا أريدُ أن أقولَ إن سيِّدَ البرجِ الأسود يستهدفني.’
لم تُرِدْ أن تُثْقِلَ كاهلَ عائلتها، التي كانت قلقةً على أي حال، أكثرَ من اللازم.
طبعاً، لم تكن عائلة آيريس مقتنعةً على الإطلاق.
“هل يمكننا معرفةُ السببِ، صاحبَ السمو؟”
“إنه سببٌ إجرائيّ.”
“ماذا؟”
“ستعرفونَ عندما تصلون.”
وجدتْ آيريس نفسَها في موقفٍ لا يسمحُ بالضحكِ ولا البكاء.
‘حتى لو ذهبنا، ستزدادُ حيرتُنا فقط…’
لحسن الحظ، ركب أليكسيون عربةً أخرى بمفرده، مما منعَ استمرارَ ذلك الجوِّ المزعج.
ألقت آيريس نظراتٍ خاطفةً من النافذة إلى العربة التي يركبها أليكسيون وهي تتبعهم من الخلف.
‘فيما يفكرُ الآن؟
أطلقتْ هيلين تنهيدةً وقالت:
“حسناً يا آيريس هل ستُخبرينَنا الآن بما تخفينَه عنا؟”
“إنه سرّ.”
أجابتْ آيريس بمرح.
“إذا عرفتموه مسبقاً، فلن يكونَ الأمرُ ممتعاً، أليس كذلك؟ بالإضافةِ إلى أننا سنصلُ قريباً…”
“لا أقصدُ ذلك.”
تغيَّرَتْ تعابيرُ وجه هيلين بجدية.
“أنتِ تخفينَ شيئاً سيئاً، أليس كذلك؟”
“……”
“مثل مجيءِ دوق تيت معنا كان بإمكانه المغادرةُ قبْلنا، أو حتى القدومُ متأخراً… لكنه يتبعُنا من الخلفِ كأنه يحرسنا، وهذا أمرٌ مريب.”
نظرَ كلٌّ مِن توماس وريبيكا إلى آيريس بنظراتٍ توحي بالموافقة.
ابتلعتْ آيريس ريقها الجاف.
‘هذا ظلم……’
كانت والدتُها دائماً عقلانيةً وحادَّة.
وقد ورثت ريبيكا تلك الحِدَّةَ منها بالكامل.
أما آيريس فقد ورثتْ طيبةَ قلبِ والدها، لذا كان من الصعبِ حقاً التملصُ من هذا الموقفِ بسلاسة.
“س-سمو الدوقِ جاءَ معنا حقاً لسببٍ إجرائي أما عن تتبُّعِه لنا من الخلف…فلعله أرادَ ذلك.”
“فهمت.”
قالت ريبيكا ببطء:
“يبدو أننا سنحتاجُ إلى التحدثِ مرةً أخرى بعد الوصول ما رأيكِ يا أمي؟”
أطلقتْ هيلين تنهيدةً أخرى.
“نعم، لنفعلْ ذلك.”
لحسن الحظ، وصلت العربةُ بسرعةٍ إلى الوجهة.
نزلت آيريس بسرعةٍ وانتظرت حتى نزلَ بقيةُ أفراد العائلة.
“……!”
اتسعتْ عيونُ أفراد العائلةِ دفعةً واحدة.
“آيريس، لماذا جئنا إلى هنا…؟”
سألتْ هيلين بصوتٍ مرتجف.
كانت آيريس على يقينٍ من أن والدتَها كانت تتوقعُ إجابتها، لكنها لم تستطعْ تصديقَها فسألتْ للتوضيح.
“إنه منزلُنا. مجدداً.”
“…لا أستطيعُ تصديقُ هذا.”
تمتم توماس.
“لا أصدقُ هذا…كيف؟”
“ألم يكن الثمنُ الذي طلبتهُ مقابلَ رعاية كونغ هو تسديدَ الديون نيابةً عنكم؟”
شرحت إيريس بهدوء.
“لكن بما أنكما سددتما الديونَ بنفسيكما، فقد اشترى لنا المنزلَ وأعادَه لنا بدلاً من ذلك.”
“…….”
مسحت ريبيكا زاويةَ عينها بيدٍ مرتعشة.
على الأرجح، كانت تكافحُ للاحتفاظ بدموعِها على وشك الانهمار.
قالت هيلين بصوتٍ متأثر:
“كلُّ ما كنا نتمناه هو أن تخرجي من ذلك المنزلِ سريعاً. إذا تلقَّيتِ مثل هذا الثمنِ الباهظ…”
“لا داعي للقلقِ إطلاقاً بشأنِ ذلك.”
شَعَرَت آيريس بالراحةِ لدى سماعِ ذلك الصوتِ المألوف، والتفتَت برأسها.
كان أليكسيون يقتربُ منهم بخُطًى ثابتة.
“حتى لو تركَتِ الآنسة العملَ غداً فوراً، فسيظلُّ هذا المنزلُ ملكاً لها.”
سأل توماس مجدداً بصوتٍ مليءٍ بالشك:
“ألن يَكُونَ ذلك خسارةً لسيادتك؟”
“لقد قدمتِ الآنسة خدماتٍ حتى الآن وسيكون من الصعبِ ألا نستفيدَ من مساعدتها في المستقبلِ أيضاً.”
“إذاً، فهناك ما يُبرِّرُ القضيةَ الإجرائية لا يزالُ مالكُ المنزلِ هو سيادتك.”
لم يُجِبْ أليكسيون.
خَفَتَ بريقُ وجه آيريس المُتوهِّج.
‘بالأمسِ فقط، نُقِلَتْ الملكيةُ إليَّ رسمياً…!’
لكنها إن كشفتْ هذه الحقيقة، فلن يزدادَ الأمرُ إلا حيرةً بشأنِ سببِ تذرُّعِ أليكسيون بالإجراءاتِ ومرافقته لهم.
سأل توماس روبين بحيرة:
“لكن، من غير المعقولِ أن يكونَ “أبوت” قد تنازلَ عن المنزلِ بسهولة.”
«ألفريد أبوت».
كان ذلك اسمَ كونتِ روبين الحالي.
ارْتَفَعَتْ زاويةُ فم أليكسيون في ابتسامةٍ ملتوية.
“في البداية رَفَضَ بِعِناد. لكن ثمة دائماً طريقة.”
ثم نظر إلى آيريس مباشرةً وقال:
“هل أنتِ فضولية؟”
تَوَجَّهَتْ أنظارُ الجميع نحو آيريس.
كان الموقفُ محرجاً إلى حدٍ ما، لكنها أجابتْ بسرعةٍ بنعم.
ضحك أليكسيون ضحكةً خافتة.
“لقد أجرينا تحقيقاً بسيطاً كنتُ أتوقعُ أن انتقالَ لقبِ كونت روبين إلى شخصٍ كهذا لم يكن قانونياً تماماً.”
“كان ذلك بسبب…حماقتي.”
“لقد كنت أحمقاً بالفعل.”
لم يُنكِرْ أليكسيون كلماتِ توماس روبين.
“لكن ذلك الشخصَ كان شريراً أيضاً لقد استخدمَ بعضَ الحيل.”
امتلأ صدرُ آيريس بالأمل.
“إذاً، هل من الممكن…”
قاطعتْها هيلين:
“لقد درسنا الأمرَ جيداً في ذلك الوقت لم تكن هناك مشكلةٌ قانونية.”
“هذا صحيح.”
أَوْمَأَ أليكسيون برأسه موافقاً.
“لكن، الأمرُ لم يقتصرْ على عائلةِ روبين فقط.”
“……!”
“لقد كان شخصاً مليئاً بالثغرات، فهززتُ الأمرَ قليلاً فسارعَ بالتراجع لذا لم يكن الأمرُ صعباً.”
أمهل أليكسيون نفسه قليلاً ثم تابع:
“لكن فيما يخصُّ لقبَ الكونتية، فسيكونُ الأمرُ صعباً بالنسبة لي. أشعرُ بالأسف حيالَ هذه النقطة.”
كَتَمَت آيريس على الفور رغبتَها في معانقة أليكسيون
أولاً، لأنها لا تستطيعُ أن تتعاملَ مع الدوقِ بتلك الطريقة، وثانياً، لأنها تعرفُ جيداً كيف سيبدو الأمرُ للآخرين إذا عانقته أمامهم.
لذا، قدمت آيريس أفضلَ تعبيرٍ عن الشكرِ الذي تستطيعُه.
“سأ…أقدمها لك مدى الحياة سأستمر، كما أفعل الآن.”
التقى حاجبا توماس روبين وارتَفَعَا قربَ منتصف جبهته في حركةٍ مضطربة.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 37"