انقبضت يد أليكسيون حول ذراعه الذي أمسكها، فرفع زاوية فمه مبتسماً.
كانت ابتسامةً حلوةً كأنها عَضَّةٌ من حلوى القطن.
“لأجل ترتيب لقاءٍ قادم، كنت أحاول تبادل التحية.”
أحكم أليكسيون، الذي كان ماسكاً بذراع كارفيان، قبضته وكأنه يلتويها.
ورغم أنه كان من الواضح أن ذلك مؤلم، لم يبدِ الآخر أي تعبير.
‘إنسانٌ لن يرفَّ له جفنٌ حتى لو كُسرت ذراعه.’
بتلك الأفكار، ومع ذلك، أطلق أليكسيون ذراع كارفيان.
كان السبب الأكبر أن يدَه القذرة تلك لم تصل إلى آيريس بعد، لكنه خدع نفسه بذريعةٍ أعظم من ذلك.
بسبب الدور الكبير الذي يلعبه كارفيان سول لصالح الإمبراطورية، فإن غيابه سيكون كارثةً عظيمةً على عامة الشعب.
“آه، أووه…”
تظاهر كارفيان بالتذمّر وفرك ذراعه.
“إذاً، إلى اللقاء مرة أخرى، سيدتي.”
رحل بخطواتٍ كبيرةٍ دون انتظار رد.
***
وضعت آيريس منشفةً مبللةً باردةً على جبهتها.
كان رأسها يدوخ تماماً، لدرجة أنها لم تتذكر كيف عادت من المعرض إلى مقر الدوق.
“يا إلهي، كونغ-آه.”
التهمت آهة.
“بصراحة، لماذا تختار إنساناً كهذا لتكون أباك…؟”
طبعاً، حسب قول أليكسيون، كان من السابق لأوانه الجزم بأنه أب بعد.
وذلك لأن عدم إظهار كونغ للعدائية غير كافٍ.
يبدو أنه يجب أن يلتصق به كما يفعل مع آيريس، ويحاول ألا ينفصل، حتى يُعتبر حقاً أنه قد تم اختياره كوالد.
لكن في نظر آيريس، بدا أن تشكيل كونغ لتعلقٍ بسيد البرج الأسود مسألة وقت فقط.
‘…لا أعرف ماذا أفعل.’
تذكرت ذلك الوجه الماكر الذي كان يصر بعنادٍ على مناداة تنينها الصغير بـ”سيرفوس”، فشعرت بضيقٍ شديدٍ في صدرها.
كانت قد خمّنت الأمر إلى حدٍ ما عندما رأت أليكسيون يتجهّم فور سماعه ذلك الاسم، لكن أن يعني “عبداً”…!
تذكرت الحوار القصير الذي دار بينها وبين أليكسيون في العربة أثناء العودة.
‘هل البلاط الإمبراطوري يريد تحويل كونغ إلى عبد؟’
كانت تلك جملةً استطاعت التلفظ بها بجرأة لأن كونغ كان نائماً.
طبعاً، بنبرة همس.
‘في البداية كانوا يريدون ذلك. لكنني أوقفتهم.’
كانت آيريس لا تزال خائفة.
مهما بلغ شأن الدوق، فإنه لا يستطيع تخطي سلطان الإمبراطور نفسه.
إلا إذا كان يفكر في القيام بتمردٍ.
‘يجب أن أربّي كونغ حقاً بشكلٍ جيد.’
من الآن فصاعداً، وللمستقبل المنظور، خيار التخلي عن كونغ قد اختفى تماماً من رأس آيريس.
البلاط الإمبراطوري يريد تحويل كونغ إلى عبد، ومرشح الأب هو بتلك الحالة.
والأسوأ أنه سيد البرج الأسود، فهو ليس شخصاً يمكن لأليكسيون التحكم به أو التلاعب به بسهوةٍ باستخدام سلطته.
إضافةً إلى ذلك، كيف لها أن تعرف ماذا سيفعل بتلك القوة الهائلة لكونغ؟
‘يجب أن أجد أباً آخر لكونغ بسرعة.’
ما دام الأمر غير مؤكد بعد، أليس هناك احتمال؟
‘رغم أن البحث عن أب اليوم أيضاً انتهى بالفشل…’
بدلاً من الخروج مباشرةً من المعرض، جعلوه يتلامس مع أعدادٍ كبيرةٍ من الناس عند المخرج.
لكن لم يستطع أيٌ منهم استخراج رد فعلٍ مشابهٍ لرد فعل سيد البرج الأسود.
‘مع ذلك، سأجده يوماً ما.’
أباً سوياً، وليس إنساناً منحط الأخلاق مثل سيد البرج الأسود.
لكن كان هناك ثغرة لم تفكر فيها آيريس.
إذا أراد سيد البرج الأسود أن يصبح أباً للتنين الصغير، فسيكون من الصعب للغاية إيقافه.
***
تسللت أشعة شمس الصباح من بين الستائر.
استيقظت آيريس تتقلب.
كانت متعبةً لأنها أمضت اليوم السابق كله في حالة تأهب، لكنها لم تكن تنوي البقاء في الفراش دون عمل.
‘يجب أن أجد أباً لكونغ سريعاً.’
كانت تخطط للذهاب إلى المعرض اليوم أيضاً.
إذا حالفها الحظ، فقد تجد مرشحاً.
‘لكن مقابلة سيد البرج الأسود مرة أخرى أمر مخيف… هل سيكون لدى أليكسيون وقت اليوم أيضاً؟’
إذا لم يكن كذلك، فقد فكرت في طلب حراسة مرافقة على أي حال.
فركت آيريس عينيها وفتحت باب غرفة النوم.
لم ترَ ميريام ولا كونغ، لكنها لم تهتم كثيراً.
‘ميريام ذهبت لتحضر وجبة الفطور… وكونغ سيكون في غرفة اللعب.’
مشت بخفة وفتحت باب غرفة اللعب.
وفي تلك اللحظة بالضبط.
ما وقع في عينيها من صورةٍ غير متوقعة، جعلها تصرخ فوراً.
يكفي أن ترى جانبه فقط لتعرفه.
كارفيان سول.
ذلك الرجل الذي حذرت منه منذ لحظة استيقاظها.
“ماذا… ماذا تفعل هنا…”
“ألم أقل أننا سنلتقي مرة أخرى، سيدتي.”
أدار كارفيان سول جسده ببطء، ثم نظر إليها وابتسم ابتسامةً مشرقة.
ارتاعت آيريس.
بالتأكيد… كان كارفيان رجلاً جذاباً.
لم يكن يمتلك وجهاً نحتياً كالتمثال وجسماً مثالياً مثل أليكسيون، لكن ملامحه الناعمة ووجهه المشرق كانا جمالاً لا يمكن نسيانه بسهولة بعد رؤيته مرة واحدة فقط.
إذا كان أليكسيون هو ليلة شتاء، فإن كارفيان يناسب أشعة شمس الشتاء المتسللة عبر زجاج النافذة الآن.
تبدو دافئةً باعتدالٍ من الخارج، لكنها في الحقيقة لاذعةٌ أكثر من حر صيف اللاهب.
أرادت آيريس التراجع، لكنها لم تستطع.
لأن كونغ كان يلعب ويهز دميةً عند قدمي كارفيان.
“هذه الألعاب… كلها صنعتيها أنتِ بنفسكِ، أليس كذلك يا سيدتي.”
لا تدري كيف عرف، لكنها لم تكن استفهاماً بل تأكيداً.
ابتلعت آيريس ريقها الجاف.
“نعم.”
“قدرة مثيرة للاهتمام.”
“……؟”
ارتبكت آيريس.
هل امتلاك بعض المهارة اليدوية يستحق وصفه بـ”قدرة مثيرة للاهتمام”؟
“يبدو أنكِ لا تدركين قدراتكِ نفسها.”
تقدم كارفيان خطوةً نحوها.
نظر إليها فقط وعيناه تلمعان، بينما بدا غير مهتمٍ أبداً بالتنين الصغير الذي كان يلعب جيداً عند قدميه.
“إنه لمن الإهدار موهبةً مثلكِ أن تتعفني هنا كجليسةٍ لتنينٍ أبله.”
“ماذا تقصد…”
منذ قليل، كان كارفيان يردد كلماتٍ غير مفهومة.
‘يبدو كمجنون.’
من المستحيل أن يكون لديها قدرة تتعلق بالسحر.
طبعاً، في طفولتها، كانت آيريس مثل كل الأطفال، قد تورطت في أحلام اليقظة بأن لديها مؤهلات ساحرة.
لكن السحرة يدركون قدراتهم ويستخدمون قوى خارقة منذ سنٍ صغيرةٍ جداً.
لم يحدث شيءٌ كهذا أبداً لآيريس، لذلك فإن تلك العبارات الغريبة التي يلقيها سيد البرج الأسود ربما كانت…
‘ليربكني. هذا كل شيء.’
بللت آيريس شفتيها الجافتين بشدة.
ما يجب عليها فعله الآن، هو مغادرة هذا المكان مع كونغ بأسرع ما يمكن.
وكلما وجدت أليكسيون أسرع، كان ذلك أفضل.
ركضت آيريس مسرعةً واحتضنت كونغ بشدة.
بدأ كونغ، الذي كان يلعب بشكل جيد، بالأنين وكأنه شعر بقلق آيريس وخوفها.
“لا بأس.”
تمتمت آيريس وكأنها تخاطب نفسها.
“لا شيء سيء.”
ضحك كارفيان بخفة.
“أنا مخيفٌ لهذه الدرجة، يا سيدتي؟”
“……”
“لماذا؟ أنا لم أرفع إصبعاً واحداً لا عليكِ ولا على ذلك السحلية الصغيرة الغبية.”
“لقد اقتحمت المكان.”
قالت آيريس بصوتٍ مرتجف.
“ولم تأتِ بخطابٍ رسمي كما قال أليكسيون، أو بموافقة…”
“أليكسيون.”
قال كارفيان بنعومة.
“هل علاقتكما بهذه الدرجة من القرب؟”
انغلقت شفتاها.
من الواضح أنه من الصحيح أن تشير إليه بـ”سمو الدوق” عند الحديث مع الآخرين، لكنها اعتادت مناداته ببساطة فالتصقت التسمية بفمها.
ولأن شرح السبب بالتفصيل سيكون صعباً، أطبقت آيريس فمها.
عندما هم كارفيان بفتح فمه مرة أخرى.
انفتح الباب على مصراعيه.
“كارفيان سول!”
كان أليكسيون.
عبر الصالة بخطواتٍ كبيرة وأمسك بجيبة كارفيان.
كان رد فعله أكثر عنفاً ومباشرةً من المعتاد، مما جعل وجه كارفيان يبدو مندهشاً بعض الشيء، لكنه لم يقاوم بشدة.
التعليقات لهذا الفصل " 31"