سَكَنَ قلبُ إيريس.
‘هذا مُطَمْئِن.. يبدوان مقربين.’
لقد انتابها لبعض الوقت سوءُ فهمٍ سخيفٌ؛ بأنّ الرجل ربما كان يُعامِلُ الصغيرَ بسوء.
كانت تحدّق فيهما فقط وهي تحملُ مشاعرَ الندم، عندما التفَت الرجلُ فجأةً ونظر إليها بنظرةٍ استنطاقية.
“لقد.. كنتُ أراقبكُما فحسب.. ظننتُك سيّده.”
شرحت إيريس بتعبيرٍ مُحرَج.
“أنا أيضاً قد تعلّقتُ بِبينكي.. لا، بِكونغ كثيراً، وإن كان وقتنا قصيراً.”
لم تتفاجأ إيريس كثيراً مِن ردّة فعل الرجل الحادّة لمجرد أنها حدّقت فيه.
بل كان الأمر كما توقعت تماماً.
‘لا أعرف مَن يكون، لكنه ثريّ، وذَكَرَ العائلةَ المالكة، فهو حتماً نبيلٌ رفيعُ المقام.’
على الأرجح، هو مِن أولئكَ الذين لن يعاملوا إيريس كإنسانٍ لو لم يكُن التنّين الصغير معه.
بالطبع، ربما أراد إخفاءَ هويّته، فقد جاء مرتدياً قميصاً أبيضاً بسيطاً وسروالاً أسودَ خالياً من الزخارف، لكنّه لم يَخْدع إيريس.
‘الحياكةُ مُحكمةٌ جداً لدرجة أنها لا تظهر أيّ خطّ خياطة وتلتصقُ تماماً بالجسد.. الخيّاطُ بارعٌ بلا شكّ، والقماشُ أيضاً هو الأفضل على الإطلاق.’
ساعةٌ ذهبيةٌ تتدلّى مِن جيب سرواله كانت أيضاً مِن نفس النوعية.
لن تُرى تفاصيلُها، لذا لا بدّ أنها ساعةٌ جيبيةٌ رفيعة، ومِن معرفة إيريس، فإن مثل تلك الساعاتِ باهظةُ الثمنِ للغاية.
الرجل احتضن الصغير دونَ اكتراثٍ لهذه الملابس الثمينة التي يسيلُ عليها لُعابه.
بدَت حركاتُه ماهرةً، وكأنها ليست المرة الأولى.
“كيووونغ…”
أَطلقَ التنّينُ الصغيرُ صوتاً يبدو راضياً.
“سيتّصلُ سكرتيري بخصوص المكافأة.”
“حسناً.”
عندما أجابت إيريس بإيجازٍ وأغلقت فمها، رفع الرجلُ إحدى حاجبيه.
“أهذا كلّ ما لديكِ لتقوليه؟”
تصلّبت عينا إيريس بالحذر.
هذا… استفزاز؟
“ماذا ينبغي أن أقول أكثر؟”
“ألا تريدين أن تطلُبي مبلغاً؟ شيئاً من هذا القبيل؟”
“ولمَ قد أقول ذلك؟ حتى لو طلبتُ، لا يمكنني الحصول عليه.”
قالت إيريس وهي تتساءل حقاً.
إذا طلبت 10 مليارات، فهو لن يعطيها إياها فعلاً، لذا فمن الأفضل ألا تطلبَ وتُثيرَ مشكلةً لا داعي لها.
“سأعطيكِ أيّ مبلغٍ تريدينه. إذاً، كم تريدين؟”
أطلقَت إيريس زفيرةً.
“أريد استرداد نفقات الإعلان فحسب.”
بالطبع، نظراً لأن الرجلَ يبدو ثرياً، كان بإمكانها أن تطلب ألفَ قطعةٍ ذهبية، أو ربما حتى مئةَ مليون قطعة.
لكن حدسَ إيريس كان يصرخُ بأن عليها ألا تتورطَ معه إن أمكن.
نَبيلٌ رفيعُ المقام يربّي تنّيناً.
شخصٌ لن يقترب مِن إيريس في الظروف الطبيعية.
لذا، كان الصوابُ هو إرجاعُه بأقلّ قدرٍ من الاحتكاك.
“أحقّاً هذا كلّ شيء؟ لماذا؟”
كان تعبيرُ وجه الرجلِ يتجاوز الاستغرابَ إلى عدم التصديق.
“لأنني لم أفعَلْ ذلك مِن أجل المال.”
“لكن بما أن هذه الفرصة جاءتْ، فلا بدّ أن لديكِ رغبةً في الاستفادة.”
ازداد اقتناعُ إيريس.
هذا الرجلُ ليس طبيعياً بتاتاً.
“لا أفهم ما تقوله على الإطلاق لستُ بحاجةٍ حتى لاسترداد نفقات الإعلان.”
بل، لا تعطِني إياها.
لا أريدُ التورطَ أكثرَ مع السكرتير أو غيره.
“…”
نظرَ الرجلُ إليها كما لو أنّ قروناً نبتَتْ على رأس إيريس.
تجاهلت إيريس تشنجَ شفتيها وأشارت نحو المدخل.
“هل يمكنك المغادرة الآن؟ أنا أيضاً مشغولة.”
“…حسناً.”
حوّل الرجلُ جسدَه نحو المدخل وهو يحتضنُ التنّينَ الصغيرَ بعناية.
وفي تلك اللحظة بالذات،
حدثَ ما قلبَ عالمَ إيريس رأساً على عقب.
“مَاما…!”
أطلقَ التنّينُ الصغيرُ صوتاً لم تسمعه مِن قبل والتَصَقَ فجأةً بكاحِلِ إيريس.
“مَاما.. مَاما…”
كان من الصعبِ حقاً تجاهلُ التنّين الصغير المُتعلّقِ بها بِحَنان، وهو يُسِيلُ دموعاً تشبه زرق الدجاج.
لكن إيريس فعلتْ ذلك الصعبَ بالضبط.
أغمضتْ عينيها وفتحتهما، ثم ألقتْ كلاماً بارداً تجاه الرجل:
“هل يمكنك أخذُه حالاً؟”
بالطبع، كان قلبُها يؤلمها بشدة.
حتى أن عينيها أصبحتا جافتين.
‘لقد تعلّقتُ به خلال يومٍ أو يومين.’
لكن إيريس تعرفُ الواقعَ جيداً.
مِن طريقة حديثه اللطيفة إلى كونغ وقدرته على حمله بمهارة، كان الرجلُ سيّداً جيداً بلا شك.
أمّا هي، فكانت مجرد عابرة سبيل صادفتَه.
لا خيرَ لها في أن يتعلّقَ بها التنّين الصغير.
“…كونغ. تعالَ إلى هنا.”
ألان الرجلُ صوته محاولاً استدراجه، لكن التنّين الصغيرَ رفضَ الابتعاد عن إيريس.
“مَاماا…”
في النهاية، جثا الرجلُ على ركبةٍ واحدةٍ وحاول الإمساك بالتنّين الصغير.
لا، حاولَ الإمساكَ به.
لكن الصغيرَ رفرفَ بجناحيه وطارَ ليجلس هذه المرة على كتف إيريس.
ارتجفَتْ إيريس من المفاجأة.
بينما بدا الرجلُ مرتبكاً، لكنه لم يُخفِ إعجابه.
“لم أعلّمه ذلك قط… متى تعلّم؟ جيّدٌ جداً.”
رفرفَ رفرفَ.
وكأنه يكرهُ حقاً أن يُمسَك، حرّكَ التنّينُ الصغيرُ جناحيه بجدّ ليتفادى يَدَ الرجل.
وكانت مشكلتُه أن مخبأه كان إيريس.
وبينما كان التنّينُ الصغيرُ يرفرفُ بجناحيه الصغيرين ويدور حول رأسها، شعرتْ إيريس بالدوار في النهاية.
‘إلى متى سيستمرُّ هذا؟!’
غطّت إيريس بيدها مجالَ رؤيتها الذي يدور كالدوامة، وكلّمتِ التنّينَ الصغير:
“لا تُزعِج أباك اذهب إلى المنزل حالاً!”
كان لكلمات إيريس نصفُ التأثيرِ بالضبط.
توقف التنّينُ الصغيرُ عن الهرب وجلسَ بهدوءٍ على ذراع إيريس بعد أن طوى جناحيه.
لكن الرجلَ توقف عن محاولة الإمساك بالتنّين الصغير وحدّقَ فيها فحسب.
“…”
“…”
سادَ صمتٌ لا حركةَ فيه.
أحسّتْ إيريس بالندم.
فمهما كان تنّيناً، فالوحشُ يبقى وحشاً.
بما أنها شبّهتِ الوحشَ بابن، خشيتْ أن تكون قد أغضبتْ هذا الشخصَ الرفيع.
“…أنا لستُ أباً لكونغ.”
توقعتُ ذلك.
لقد كان كذلك بالفعل.
حاولت إيريس إنقاذَ الموقف بسرعة.
“أتفهم. إذاً، سيّده…؟”
عبس الرجل.
“سيّده؟ لا تقولي هراءً كهذا.”
كان عليها ببساطة أن تلتزمَ الصمت.
قرّرت إيريس أن تُغلِقَ فمها.
وبعد لحظة صمتٍ أخرى،
“…يبدو أن هذا لن ينجح.”
أطلقَ الرجلُ زفيرةً.
“آنسةُ إيريس روبين، كم دخلكِ الآن؟”
“…؟”
رمشتْ إيريس عدة مرات وهي تحدّق فيه.
ما هذا…؟
من الطبيعي أن يعرف اسمها.
فهي لم تخفِ اسمها عندما ذهبت إلى جريدة التايمز.
لكن معرفته بأنها ابنة نبيل، وسؤاله عن دخلها، يعني أنه تحقّق من معلوماتها.
“سأعطيكِ عشرةَ أضعافِ ما تكسبينه لذا، اعتني بِكونغ…”
“لحظة.”
قطعت إيريس كلامه.
رغم أن رأسها كان يدوخ، كان عليها أن تقول ما يجب.
“أليسَ الحلُّ هو أن تأخذَ كونغ فحسب؟”
كان التنّينُ الصغيرُ لطيفاً ويثيرُ الشفقة.
لكن هذا كان كلَّ شيء.
بما أن سيّده الأصلي، الذي بدا مُحبّاً له حقاً، قد ظهر، فالمشكلة ستحلُّ بمجرّد أن يأخذه.
لا معنى لأن يدفع لها مبالغ طائلة لتربية كونغ.
‘مريب.’
تعلمتْ إيريس، بثمنٍ باهظ، أن أفرادَ عائلة روبين لا يعرفون اللطفَ في مسائل المال.
“التنانين تختارُ آباءها بنفسها وكونغ… لم يخترني أباً.”
“…!”
“لكن يبدو واضحاً أنه اختاركِ أنتِ كأم.”
لاحظتْ إيريس بحدة.
لم يبدُ الرجلُ منزعجاً.
بل بدا غيرَ منزعجٍ من ذلك… بل ربما سعيداً…؟
لكن هذا لم يكن المهمَ الآن.
“أنا… أماً؟”
كان الصوتُ كالصاعقة، فارتجفَ صوتُها تلقائياً.
“أنا لم أفعلْ أيّ شيءٍ لكونغ…”
“ماما!”
تسلّلَ التنّينُ الصغيرُ إلى حضن إيريس وهو يتململ.
[يتبع في الفصل القادم]
ترجمة مَحبّة
تجدون الفصول المتقدمة والتسريبات في قناة التليجرام الرابط في التعليق المثبت
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"