كان مبنى زجاجي جديد قد شُيّد خصيصًا للمعرض، بُني على طرازٍ قديم يقلّد القصور.
الفارق أنه كان يلمع تحت أشعة الشمس بسبب كونه من الزجاج.
حين دخلت إليه، غمرها دفءٌ رغم أنه كان أوائل الشتاء.
ربما بسبب الزحام الشديد، تجاوز الدفء ليصبح حرارةً لاهبة.
“الكثير جدًا…!”
تمايلت آيريس دفعًا من الحشود.
لم تزر منذ زمن طويل مكانًا بهذا الزحام.
حتى لو حاولت النظر، لم ترَ سوى رؤوس الناس.
وسط ذلك، كان حماية كونغ يأتي في أولويات آيريس، فشبكت ذراعيها بإحكام حول السلة.
لم تكن تستطيع إخراج تنينها الصغير كما في قصر الدوق، لذا وضعته في سلة بالحجم المناسب تمامًا له.
“إلى أين يجب أن نذهب…”
لم تستطع آيريس إنهاء جملتها.
لأنها كانت تُدفع وتتمايل باستمرار بفعل الحشود.
خافت فجأة أن تنفصل عن أليكسيون، فحاولت بثبات الحفاظ على مكانها، لكنها كانت عاجزة أمام الموجة البشرية الهائلة.
وفي تلك اللحظة…
انحنى أليكسيون نحوها فجأة.
احتضنت ذراعاه الطويلتان والقويتان كتفيها.
ثم انطلق بسرعة وسهولة عبر المكان المزدحم حتى لم يكد يجد موطئًا لقدمه، وكأنه يتخطى أرضًا واسعةً فسيحة.
محميًا كلًا من كونغ وآيريس تمامًا.
لكن أينما ذهبا، كان الناس يفيضون، وازداد الاثنان اقترابًا من بعضهما.
بل وكادت أجسادهما تتصادكان.
“…رائحة المسك.”
احمرّ وجه آيريس.
كان من الصعب تخيل أليكسيون يستخدم العطر، لذا لا بد أن الرائحة كانت عابقةً من ملابسه التي اعتنى بها الخدم.
كانا قريبين لدرجة أنها استطاعت شمّ تلك الرائحة الخفيفة.
بل ويمكنها أن تلمس عضلاته الممتلئة من خلال قماش ثيابه.
دقّ دقّ.
بدأ قلبها يدقّ بسرعة بسبب الذهول.
كانت هذه المرة الأولى في حياتها التي تقترب فيها هكذا من شخص ليس من عائلتها، علاوة على كونه رجلًا.
و… إذا لم يكن وهمًا، بدا أن أليكسيون كان ذاهلًا مثلهَا تمامًا.
لأن جسده كان يتصلّب أكثر فأكثر.
ما إن حصلت على مساحة صغيرة حتى كان خيار آيريس الأول هو الانفصال فجأة.
“آس… آسفة!”
“……”
أقرّ أليكسيون وهو ينظر إلى آيريس، التي احمرّ وجهها ذهولًا،
بأنه هو الآخر كان في ذهولٍ كبير.
بسبب لمسةٍ عابرة.
“…لا بأس.”
لكن على الرغم من كلماته المتباطئة، لم تكن هذه مشاعره الحقيقية.
فكّر أليكسيون في نفسه:
كان مجيئهما معًا إلى المعرض… ضروريًا، لكنه ربما لم يكن الخيار الأفضل.
إن مجيئه هو شخصيًا بدل إرسال فارسٍ موثوق، كان قرارًا متهورًا إلى حد كبير.
وقد أثرّ في ذلك القرار بشدة حقيقة أن أفكاره عن آيريس لم تُفارق رأسه لحظة منذ الحفلة.
إذا كان السبب قبل ذلك هو سلسلة مفتاح الزينة… فالمرة هذه كان…
‘…بسبب روبرت تشيرين على الأرجح.’
لم تكن علاقته بماركيز تشيرين جيدةً جدًا.
كان ماركيز تشيرين ينعته بـ”الجبان” لأنه كان يتجنب قدر الإمكان الانخراط في صراعات المجتمع الراقي، فمن الطبيعي ألا تكون مشاعرهما تجاه بعضهما ودية.
ولهذا السبب، استمر وجود روبرت تشيرين، الذي بدا قريبًا بشكلٍ مفرط من آيريس، في إثارة ضيقه.
“أخي روب.”
مجرد تذكّر تلك الوجهة التي كان يشير فيها إلى نفسه بصيغة الغائب، جعله يعبس كما لو كان يمضغ ليمونة.
كيف عاشت آيريس روبين حتى الآن، ليس من شأنه
لكن طالما هي جزء من بيت الدوق، أليس من المفترض ألا تقترب من نجل الشخص الذي أهانه
كان يمكنه إجبارها لو أراد، لكن أليكسيون لم يقل شيئًا لآيريس.
‘من حسن الحظ أن كونغ لم يختره أبًا.’
لكن، الغريب…
أن مجرد تخيّل آيريس وهي تضحك “هاها هوهو” مع روبرت تشيرين وتربيان كونغ معًا، كان يشعرّه بضيقٍ في صدره.
برّر أليكسيون الأمر لنفسه:
‘على الأرجح، بسبب مفتاح الزينة الغريب ذلك.’
بعد أن قالت له آيريس إنه ليست ساحرًا ولا صيدلانيًا، حاول أليكسيون تجارب مختلفة باستخدام مفتاح الزينة.
وكانت النتيجة واحدة:
يمكنه النوم بعمق فقط عندما يمسك بمفتاح الزينة الذي أهدته إياه آيريس…
وكان الأمر غريبًا لدرجة أنه عرضه على سحرة القصر الإمبراطوري، لكنهم قرروا أيضًا أنه مفتاح زينة عادي لا يحوي قوى سحرية خاصة.
‘…لحل اللغز، يجب أن أحافظ على علاقة جيدة معها في المستقبل. هذا كل شيء.’
ولهذا جاء معها إلى المعرض، رغم أن شخصيته المعتادة تكره الفوضى وتنفر منها.
بينما كان يحاول تبرير الأمر لنفسه بهذه الطريقة، هدّأ أليكسيون من روعه.
نظرت إليه آيريس بقلق.
“إن… إنك تبدو متضايقًا حقًا.”
“قلت لك. أكره المعارض، لهذا السبب تحديدًا، لأنها مزدحمة جدًا.”
“آه…”
لم يبدُ وجه آيريس مقتنعًا تمامًا، لكنها غيّر الموضوع بسرعة.
“لو نعرف مخطط المكان قليلًا لكان أفضل هل من خريطةٍ هنا؟”
هزّ أليكسيون رأسه.
ستكون هناك خريطة في مكانٍ ما، لكن الوصول إليها سيكون صعبًا بحد ذاته.
بدلًا من ذلك، أشار إلى البناء الضخم بجوارهما مباشرة.
“يبدو أننا يمكن أن نركب ذلك.”
“…!”
اتسعت عينا آيريس.
على البناء الذي يدور كعجلةٍ ضخمة، كان الناس يجلسون اثنين لكل مقعد ويصرخون مبتهجين.
…أو ربما كانوا يصرخون رعبًا.
“ما… هذا؟”
ومضت آيريس بعينيها.
“عجلة فيريس.”
شعر أليكسيون بالارتياح في داخله.
يبدو أن آيريس لم تعد تهتم بالاقتراب السابق، وأظهرت اهتمامًا كبيرًا بعجلة الفيريس.
“يُقال إن برج السحر صنعها من أجل المعرض، لكن عملهم ليس له علاقة بي.”
“لنذهب لنركبها بسرعة.”
قبل أن تتحرك، رفعت آيريس المنديل الذي يغطي السلة قليلًا وهمست لكونغ:
“آسفة يا كونغ لقد مررت بوقتٍ صعب، أليس كذلك؟”
أصدر كونغ صوتًا غرغرةٍ وكأنه غير راضٍ قليلًا، لكنه لم يبد أكثر انزعاجًا.
راقب أليكسيون الاثنين بصمت.
آيريس بملابسها البسيطة والمناسبة للنشاطات، المختلفة عن يوم أمس، وكونغ الذي يتململ راغبًا في الخروج من السلة لكنه يهدأ عندما يلتقي بنظر آيريس…
مجرد النظر إليهما كان يبعث الراحة في قلبه تلقائيًا.
وبما أنه عاش حياةً بعيدة عن الاستقرار طوال هذا الوقت، كان شعورًا غريبًا عليه فقط…
‘ليس سيئًا.’
فكّر فجأة أنه لن يمانع لو كثرت مثل هذه اللحظات.
‘لكن… هذا طمعٌ مني.’
أقرّ أليكسيون.
لأن ما تريده آيريس هو حياة لا تكون تابعة فيها لكونغ.
على عكس أليكسيون الذي كثرت أفكاره، انجذبت آيريس تمامًا نحو البناء الذي تراه لأول مرة.
“عجلة فيريس…”
مدّت آيريس رقبتها كطائر البلشون ونظرت إلى أعلى العجلة.
كان دورانها المستدير يشبه دوّامة الخيل، لكن الاختلاف أنها تدور في الهواء.
“هل هذا مخيف؟”
“…قليلًا.”
لم تكن تعاني من رهاب المرتفعات.
لكنها لا يمكن إلا أن تخاف من فكرة الاعتماد على بناء تراه لأول مرة.
“لكن بما أن برج السحر صنعها، فلا بد أنها آمنة.”
أصحاب قوة المعجزة.
هذا ما يُطلق على سحرة برج السحر.
معظم السحرة يمكنهم تنفيذ سحرٍ يرفع أشياء خفيفة أو يجمد الماء للحظة، لكن الأمر يختلف لمن ينتمي لبرج السحر.
خاصةً سيد البرج، الذي يُقال إنه يمتلك قوةً يمكنها حرق جبلٍ في لحظة، وتجميد البحر، وإسقاط النجوم من السماء.
لم تره بنفسها قط، لكن على الأقل حسبما يقول الناس.
“إذا كنتِ تخافين، يمكنكِ الانتظار في الأسفل.”
“كلا.”
هزّت آيريس رأسها بسرعة.
“لستُ خائفةً إلى هذا الحد.”
كانت كذبة.
“كيف يمكن ألا يكون هذا مخيفًا؟!”
عن قرب، بدت عجلة الفيريس أكثر ضخامةً وعظمة.
بل إن كل مقعد، باستثناء الطاولة الصغيرة الموضوعة أمامه، لا يحتوي على مقابض أو سقف، مما جعله يبدو أكثر رعبًا.
أومأ الموظف الودود بعد رفع قضيب الأمان:
“يمكنكما الصعود الآن.”
شكّت آيريس في أذنيها.
كانت عجلة الفيريس لا تزال تتحرك باستمرار.
«يتبع في الفصل القادم»
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 28"