عادت إيريس إلى غرفتها وهي تحضن كونغ وتخطو خطواتٍ متثاقلة.
“هل رفضها السيد الشاب جميعًا؟”
لم يبدو أن ميريام مستغربةً كثيرًا.
أطلقت إيريس تنهيدةً قصيرة وأومأت برأسها.
“نعم. لا أدري ما الذي لم يَعجبه… يجب أن نفكر في طريقة أخرى.”
“لابد أن الأمر مُتعِبٌ لكِ.”
عزّتها ميريام بحذر.
“لكن، السيد الشاب يعلم بكل تأكيد كم تبذلين من جهدٍ، يا سيدتي إيريس.”
ارتَسمت على شفتي إيريس ابتسامةٌ مريرة.
“لستُ متأكدة. إنه لأجل كونغ… لكنه لا يريد.”
“سيدتي إيريس…”
“أنا جادةٌ يا ميريام.”
لم يكن ثمة مفر.
فكونغ لا يريد في الوقت الحاضر سوى إيريس.
بل وأظهر رغبته بكل وضوحٍ مرارًا وتكرارًا.
“أخشى أن يكون هذا من قبيل أنانيتي، أن أُرهِق كونغ من أجلي وحدي.”
وضعت إيريس كونغ بحرصٍ في مهده.
كان تنينها الصغير المُتعب قد غلبَه النعاس في طريق العودة، وهو الآن يُطلِق أنفاسًا هادئةً منتظمة.
“من يرى هذه الصورة ويقول إنه تنينٌ مخيف؟”
بل كان أشبه بكلبٍ زهريِّ اللون، إلا أنه يحمل حراشفَ بدلَ الفراء.
ارتَسمت على وجه إيريس ابتسامةٌ هادئة. فكلما نظرت إلى كونغ أكثر، وجدته محبوبًا وجذابًا.
“لم أتخيل قط أن أُحبَّ أحدًا هكذا غير أسرتي…”
حتى الآن، كانت إيريس منشغلةً بالبقاء على قيد الحياة وحسب.
وبعد أن حُلَّت تلك المشكلة، كان السعادة العائلية هي هدفها الأكبر.
وها هو تنينٌ صغيرٌ لطيفٌ وجذاب قد اقتحم عالمها الداخلي، الذي تشكل على مدار زمن طويل منها هي ومن أسرتها فقط.
كل ما يستطيعه هو التشبث بها والتذمر قائلًا “ماما”.
لكن، ماذا عساها أن تفعل؟
لقد وقعت في حبه بالفعل.
ولهذا زاد خوفها.
خشيت أن تَهدُفَ حياتها بالكامل إلى كونغ إن لم تجد له “أبًا”.
ولعل هذا ما يجعلها تبحث بكل شوق عن شخصٍ تشاركه هذا العبء.
“… لنحاول قليلًا مرة أخرى.”
لم يكن الاستسلام خيارًا.
قد يختلف الأمر بين رؤية صورةٍ في لوحة ورؤية الشخص الحقيقي.
فكرت إيريس:
إذا لم تنجح حتى هذه الطريقة الجديدة التي فكرت فيها… فلربما عليها أن تعترف بأنها قد ارتبطت بهذه الحياة الصغيرة إلى الأبد.
***
ما إن نُشر إعلان دوق تيت عن البحث عن مُتطوعين لرعاية “حيوانٍ نادر”، حتى تدفق المتقدمون بأعدادٍ كبيرة.
أرسلهم أليكسيون إلى الجناح الملحق لمنع حدوث فوضى عارمة.
سيكون هذا مُزعجًا بعض الشيء للخدم العاملين هناك، لكنه كان أفضل قرار يمكن اتخاذه على الفور.
كان الوقت المُحدد لكل متقدم خمس دقائق فقط.
خلال تلك الدقائق، عليهم أن يَكسبوا قلب كونغ.
كان المتقدم الأول مُستكشفًا.
وقد أظهر ثقةً بالنفس قائلًا إنه واجه عددًا لا يُحصى من الحيوانات النادرة خلال رحلاته، ولن يرتبك مهما كان الحيوان الذي سيواجهه، ثم دخل الغرفة بخطواتٍ واثقة.
“مرحبًا بك.”
رحبت به آيريس، التي وجدت نفسها بشكل طبيعي في دور المُحَاوِر.
“… أهلاً.”
أجاب المُستكشف بوجهٍ مشوشٍ بعض الشيء.
لقد استعدّ للغاية متوقعًا حيوانًا مخيفًا، فجأة استقبلته شابةٌ تبدو لطيفة، مما أرخى أعصابه المُتشنِجة.
“أين الحيوان… آه.”
برز رأس التنين الصغير من بين طيات تنورة إيريس.
“إنه تنين.”
نظرت إيريس إليه ببعض الدهشة.
“عرفتَ ذلك فورًا.”
“نعم.”
شعر المُستكشف ببعض الزهو.
لم يرَ تنينًا من قبل حقًا، لكن بفضل قراءاته ذات الصلة، كان على دراية بمظهر التنين الصغير.
شعر وكأنه اجتاز الاختبار الأول بمجرد تعرّفه على التنين.
ثم تحدث بتكبر نحو الشابة، وهو منتفخ الزهو.
“هذا من الأساسيات. إنه صغيرٌ جدًا لدرجة أنه ليس مخيفًا. تعالَ إلى هنا… واآآه!”
صرخ المُستكشف صارخًا وتراجع إلى الخلف، لأن التنين أظهر أنيابه الحادة وانقض عليه.
ومع ذلك، وبفضل خبرته التي لم تكن من فراغ، استعاد رباطة جأشه سريعًا، ثم لوّح بقدمه بشكل كبير نحو التنين في محاولةٍ للتخويف.
لم يوجه ضربة فعلية، لكنها كانت حركة كافية لإثارة شعور التهديد لدى كونغ.
“يجب التعامل مع الوحوش بوحشية.”
كما اعتقد من وجهة نظره المنطقية تمامًا.
ففي النهاية، ألا يبحثون عن مُربية ذكر لأن شابةً ودودةً كهذه لن تفي بالغرض؟
وقف بفخر أمام التنين الصغير الذي سقط من فرط الدهشة، وتحدث:
“الآن وقد جئت، لا داعي لأن تخافوا من هذا الوحش الصغير.”
“هذا صحيح.”
كان هذا غريبًا.
لم تكن تلك كلمات إطراء، بل صوتًا باردًا.
“لا يوجد أي ‘وحشٍ صغير’ هنا.”
نظرت إيريس إليه بنظرةٍ لا تُعبِّر إلا عن البرود.
“كل ما هنا وحوشٌ مثلك.”
“ماذا تقصد…”
“هذا يعني أنك رُفضت.”
أضافت إيريس كلمةً لطيفةً تجاهه وهو يحدق في الأرض بوجهٍ ذاهل.
كل ما في الأمر أنها كانت تكره فكرة حدوث مشهدٍ دمويٍ بالقرب من كونغ.
هذا كل شيء.
“… أوه.”
أطلقت إيريس تنهيدةً نحو كونغ.
“أن نصل إلى هذه الحالة منذ المُرشح الأول… ماذا أفعل بك يا كونغ؟”
***
للأسف، لم يكن أعتقاد إيريس القائلة “يبدو أن جميع مرشحي النهار سيكونون فاشلين” خاطئة.
كان المُستكشف، عند المقارنة، أشبه بالرجل المحترم وسط حشدٍ فاضح من النذالة.
بل إن أحدهم حاول بجدية قتل كونغ.
قامت إيريس، بالطبع، بتسليم اسم ذلك الشخص لأليكسيون.
وسيتخذ أليكسيون الإجراء المناسب.
ومنذ ذلك الحين، أجرت المقابلات بحضور فرسان لضمان سلامة كونغ والمتقدمين.
وبما أن عدد المتقدمين كان كبيرًا، لم تتمكن إيريس من العودة إلى غرفتها إلا حين مال النهار نحو المغيب.
“يجب أن نسرع، سيدتي إيريس سيبدأ الحفل قريبًا!”
… وكانت المشكلة أن هذا لم يكن نهاية يوم العمل.
فقد حان موعد الحفل الذي أطلقت عليه إيريس في سرها لقب “مقابلات مرشحي الليل”، والمُخصص بشكل رئيسي لرجال الطبقة النبيلة.
فكثير من النبلاء يرغبون في أن يكونوا راعيين للتنين، لكن كبرياءهم يمنع معظمهم من التخلط مع العامة والمجيء لإجراء مقابلة.
ولهذا تقرر مراقبة تفاعلهم مع كونغ من خلال حفلةٍ رسمية.
“… حفلة.”
حفلات الرقص، والحفلات الرسمية، وحفلات الشاي…
في الحقيقة، بما أن إيريس طُردت من المجتمع الراقي في سن صغيرة قبل حتى أن تصبح “دِبتونت” (الفَتاة التي تظهر لأول مرة في المجتمع)، لم تحضر قط أي نوع من هذه المناسبات الاجتماعية.
لقد حضرت بعض التجمعات البسيطة بين بنات النبلاء في سنها، لكن تلك لا تُعد مناسبة اجتماعية حقيقية.
“… سيكون هناك من يعرفني.”
تذكرت إيريس بعض الأسماء المألوفة التي وقعت عليها عينها في القائمة.
لم تلتقِ بأي متقدم فعليًا، لكن كانت هناك العديد من العائلات التي تربطها علاقات مع والديها.
والشيء المُريح قليلًا هو شرط ألا يتجاوز فارق السن بين أب أو أم التنين والتنين نفسه ثلاثين عامًا.
وبما أن المرشحين من فئتها العمرية تقريبًا، فلن يكون هناك أي وجه مألوف.
“هوووه…”
أطلقت إيريس تنهيدةً.
لم يكن وضعها الحالي مُخجلًا بالضرورة، لكنها مع ذلك لم ترغب في مواجهة من قد يتذكرها وهي ابنة البارون المحترمة.
“لا تقلقي، سيدتي إيريس.”
قالت ميريام بصوتٍ مشرق.
“سيدتي إيريس أنتِ قادرة على التعامل مع الأمر بنجاح.”
“شكرًا لك، ميريام.”
ابتسمت إيريس بمشقة.
“هذا صحيح، الأمر ليس بهذه الضخامة.”
كل ما عليها هو أن تلبس أجمل ثيابها وتراقب المتقدمين واحدًا تلو الآخر.
رفعت ميريام صندوقًا كبيرًا وأحضرته.
يبدو أن الفستان المُعد على عجل لهذا اليوم قد وصل.
أخرجت ميريام الفستان من الصندوق فورًا.
“…”
انغلقت مسامعها.
كان فستانًا مبهرجًا بتطريزات الدانتيل الرائعة التي زُينت بإتقان.
لكن ما أربك إيريس لم يكن البهجة وحدها.
كان فستانًا أبيض ناصعًا كفستان العروس، وهو من نوعية الفساتين المخصصة للـ”دِبتونت” اللواتي يظهرن لأول مرة في المجتمع.
وهو الفستان الذي كانت لترتديه لو لم تُسقَط عائلتها من النبالة.
التعليقات لهذا الفصل " 24"